“إسرائيل الكبرى”.. مشروع صهيوني يبتلع الأمة ويصطدم بجدار المقاومة
وما يسطرون – المساء برس.. هاشم الدرة|
خارطة “إسرائيل الكبرى” حلم توراتي صهيوني يهدد أراضي ثماني دول عربية، من مصر إلى العراق، ومن سوريا إلى السعودية، مرورا بالأردن ولبنان والكويت، هذا المشروع الذي أعلن عنه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو دعمه له في أغسطس 2025، هو امتداد لموروث تلمودي قديم، جرى تحويله إلى برنامج سياسي منذ عقود.
الجذور التاريخية للمخطط
جذور الفكرة تعود إلى بدايات الحركة الصهيونية، حين تحدث ثيودور هرتزل عام 1904 عن “الأراضي الموعودة” الممتدة من النيل إلى الفرات، ومنذ ذلك الحين، سار قادة الحركة على نهجه، حتى جاء مناحيم بيغن عام 1977 ليحول العقيدة التوراتية إلى سياسة عملية، مستخدما أسماء توراتية مثل “يهودا والسامرا” بدل الضفة الغربية، ومشجعا الاستيطان اليهودي كخطوة نحو التوسع.
خرائط التوسع وخطاب اليمين الإسرائيلي
في عام 2016، طرح “بتسالئيل سموتريتش”، زعيم حزب “البيت اليهودي”، خريطة تضم سوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر والسعودية، باعتبارها جزءا من “أرض ما يسمى إسرائيل”، مجددا بذلك الحلم الصهيوني القديم، وفي خطاب له بباريس عام 2023، أعاد التأكيد على هذه الطروحات، مستعرضا خريطة توسعية تتجاوز فلسطين التاريخية لتشمل قلب المشرق العربي.
مهمة أجيال.. مشروع هيمنة لا حدود له
اليوم، يتحدث نتنياهو عن هذا المشروع باعتباره “مهمة أجيال”، مهمة روحية وتاريخية، تمرر من جيل إلى جيل، لتكريس رؤية توراتية تحول إلى واقع سياسي.
يشمل المخطط الحالي كامل فلسطين التاريخية، ولبنان، والأردن، وأكثر من سبعين في المئة من مساحة سوريا، ونصف العراق، وثلث السعودية، وربع مصر، وجزءا من الكويت ليعبر عن مشروع هيمنة يبتلع الأرض والهوية معا.
الزحف عبر تفتيت الدول العربية
ولم يكن هذا المخطط التوسعي معزولا عما شهدته المنطقة من حروب ومؤامرات، فدمار سوريا تفتيت ممنهج يفتح الطريق أمام ابتلاعها.. والعراق جرى تمزيقه بالاحتلال والفوضى، ليصبح ساحة مفتوحة للتدخلات.. ليبيا والسودان تحولت إلى دول ممزقة تنهشها الصراعات الداخلية، لتستنزف طاقاتها وتشل قدرتها على مواجهة المخطط. أما مصر، فقد أُفقرت اقتصاديا، وأُدخلت في وصاية المال الخليجي، لتكبل إرادتها وتحاصر دورها التاريخي. هذه السلسلة من الأزمات ليست صدفة، بل جزء من مخطط يهيئ الأرضية لتمدد “إسرائيل الكبرى”.
اليمن.. الاستثناء المقاوم
غير أن اليمن شكل استثناء بارزا في هذه المعادلة.. فعلى الرغم من الحصار والحرب، استطاع أن يحافظ على قوته، وأن يكون شوكة في حلق المشروع الصهيوني. فصنعاء اليوم تمثل نموذجا عربيا مسلما يجب الاحتذاء به، إذ جسد الأحرار فيها الإرادة الحرة، ورفضوا الخضوع، وأثبتوا أن المقاومة قادرة على تحويل بلد محاصر إلى قوة إقليمية تفرض حضورها وتكسر المعادلات. هذا النموذج يقدم رسالة واضحة: أن الأمة ليست عاجزة، وأن الصمود يمكن أن يثمر قوة، وأن المشروع الصهيوني ليس قدرا محتوما.
خيانة المطبعين
لكن الأخطر أن بعض الأنظمة العربية التي هرولت نحو التطبيع، تقدم غطاء سياسيا لهذا المشروع، وتفتح أبوابها للتعاون مع الكيان، وكأنها لا ترى أن المخطط يستهدفها هي أيضا.
هذه الدول، التي يفترض أن تكون في الصف المدافع عن الأمة، اختارت أن تقف في صف من يهدد المقدسات الإسلامية ويستهدف الأرض العربية ودعمها أو صمتها ليس إلا كخيانة، ودليلا على أنها لا تعبأ بالإسلام ولا بالأمة العربية، بل تضع مصالحها الضيقة فوق كل اعتبار.
محور المقاومة
هنا ولد محور المقاومة، كرد طبيعي على هذا التهديد، ليؤكد أن الأرض لا تسلم، وأن الهوية لا تمحى، وأن الذاكرة لا تغتال، من لبنان إلى غزة، ومن صنعاء إلى بغداد، تتجسد المواجهة في معارك دامية وصمود أسطوري، لتصبح المقاومة عنوانا للكرامة في وجه مشروع الهيمنة.
مشروع “إسرائيل الكبرى” يقرأ في العالم العربي كتهديد وجودي، فهو محاولة لابتلاع الأمة، ومحو تاريخها، وتهديد مستقبلها، هذا المشروع خطة سياسية تستند إلى نصوص دينية، وتترجم إلى سياسات توسعية على الأرض.
الصراع الجودي الطويل
الصراع إذن ليس على الأرض فقط، بل على الوعي والهوية، كل حجر يستولى عليه يعتبر جرحا في جسد الأمة، وكل مقاومة تعتبر محاولة لرأب هذا الجرح، المستقبل يبقى مفتوحا بين مشروع توسعي يسعى لفرض نفسه بالقوة، ومشروع مقاوم يصر على البقاء والصمود. وما بينهما، تظل المنطقة مسرحا لصراع وجودي طويل الأمد، صراع يختزل معنى الحرية والكرامة، ويجعل من المقاومة فعلا أبديا في مواجهة مشروع “إسرائيل الكبرى”، ويكشف في الوقت ذاته زيف المطبعين الذين باعوا الأمة في سوق المصالح الضيقة، بينما اليمن يقدم النموذج الحي على أن المقاومة قادرة على كسر المشروع وإفشاله.