ثمن الحماية بالترليونات: كيف تستنزف ديون واشنطن حلفاءها وتكبل ميزانيتها العسكرية؟

وما يسطرون – المساء برس.. نبيل عبد الحكيم|

 المقدمة: تهاوي “عقد الحماية” التاريخي

​عقب الحرب العالمية الثانية ومحطة “بريتون وودز”، ثم صدمة نكسة “نيكسون” في السبعينيات، أُبرم عقد جيوسياسي غير مكتوب بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها التقليديين؛ تلخص في معادلة بسيطة: توفر واشنطن المظلة الأمنية المباشرة وتؤمن خطوط التجارة البحرية، مقابل احتفاظ الحلفاء (في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا) بفوائضهم المالية وتوجيهها لشراء أذون وسندات الخزانة الأمريكية، مما يكرس الدولار كمرساة احتياطية ممتدة.

​بيد أن وصول الدين العام الفيدرالي إلى حاجز الـ 40 ترليون دولار في عام 2026 وتجاوز صافي الفوائد المدفوعة سنوياً لخدمة هذا الدين حاجزَ الـ 931 مليار دولار—متجاوزاً الميزانية المخصصة للدفاع الوطني نفسه—قد أدى إلى تشقق أساسات هذا العقد. لم تعد السندات مجرد أداة ادخار آمنة، بل تحولت إلى وعاء لنقل المخاطر واستنزاف قدرات الحلفاء، في وقت باتت فيه القوة العسكرية الأمريكية مكبلة بالقيود المالية، ومجبرة على مراجعة انتشارها العدواني والتوسعي عبر العالم.

​2. تشريح أزمة المشترين الحلفاء: استنزاف الين والفوائض النفطية

​تتوزع سندات الخزانة الأمريكية بين كبار الدائنين الدوليين الذين يجدون أنفسهم اليوم في فخ جيوسياسي ومالي مزدوج، تتصدره دولتان أساسيتان:

​اليابان (الرهينة المالي في محيط محتدم): تصدر اليابان قائمة الدائنين الخارجيين بحياد يقارب 1.1 ترليون دولار من سندات الخزانة. ومع رفع الاحتياطي الفدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة لضبط التضخم الداخلي ولجم تداعيات العجز، وجد البنك المركزي الياباني نفسه في موقف معقد؛ إذ أدى فارق الفائدة بين الدولار والين إلى تهاوي القيمة الشرائية للعملة اليابانية. تجد طوكيو نفسها غير قادرة على التخلص السريع من هذه السندات لتغطية عملتها المحلية، خوفاً من التسبب في أزمة دبلوماسية واهتزاز المظلة الأمنية الأمريكية التي تعتمد عليها في مواجهة النفوذ الصيني، مما يضطر الاقتصاد الياباني لتحمل تكلفة الدين الأمريكي عبر تراجع رفاهية المواطن والضغوط التضخمية المستوردة.

​السعودية ودول الخليج (معادلة البترودولار تحت المجهر): تستند الشراكة التاريخية منذ عام 1974 على استثمار الفوائض النفطية في سندات الخزانة مقابل ضمان الأمن الإقليمي. لكن الربط المباشر للعملات الخليجية بالدولار يستوجب اتباع السياسة النقدية التقييدية للفدرالي الأمريكي رفعاً لأسعار الفائدة؛ وهو ما يرفع تكلفة الاقتراض المحلي على قطاعات الأعمال الداعمة لرؤى التنوع الاقتصادي (مثل رؤية السعودية 2030). علاوة على ذلك، فإن العائد الحقيقي الصافي لهذه السندات يتآكل بفعل التضخم الأمريكي، مما يعني أن الفوائض المالية الناتجة عن مبيعات الطاقة تُستنزف عملياً لتغطية عجز الميزانية الفيدرالية بواشنطن.

​انكسار الدورة المالية للأمن والتضخم:

​تتجلى خطورة المشهد المالي لعام 2026 في تفكك الحلقة المغلقة التي أدارت النظام المالي الدولي لعقود؛ حيث كانت الاستراتيجية التاريخية للحلفاء تعتمد على ضخ الفوائض المالية لشراء سندات الخزانة لتمويل العجز الأمريكي مقابل شراء ضمانات الحماية العسكرية. إلا أن بلوغ الدين حاجز 40 ترليون دولار تسبب في اضطراب هذا المسار؛ إذ أدى تراكم الديون إلى ارتفاع معدلات التضخم والفوائد الفيدرالية، مما تسبب مباشرة في تآكل القيمة الشرائية للأصول المملوكة للحلفاء، وتحويل عملية شراء السندات من “ضمان للحماية” إلى “آلية لاستنزاف الموارد”.

​3. تآكل ميزانية الدفاع الأمريكي وتكبيس “النهج العدواني”

​على مدى عقود، اعتمد الردع العسكري الأمريكي على مبدأ القدرة على خوض مسرحين حربيين كبيرين في وقت واحد. لكن القيد المالي الجديد فرض واقعاً عملياتياً مغايراً:

​تجاوز خدمة الدين للإنفاق العسكري: حين تتخطى تكلفة الفوائد النقدية ميزانية البنتاغون، يشتد الاستقطاب السياسي الداخلي في واشنطن، وتتصاعد الأصوات المطالبة بتقليص الإنفاق العسكري العابر للبحار لإعادة ضبط العجز الفيدرالي.

​الانكفاء اللوجستي وتقادُم البنية التشغيلية: يواجه البنتاغون صعوبات في الاستمرار بتسريع خطط التحديث الباهظة (مثل بناء القطع البحرية الكبرى والجيل السادس من الطائرات) بالتوازي مع تخصيص المليارات لسداد خدمة الدين.

​تآكل القدرة على الحروب البرية المباشرة: أدرك الخصوم الدوليون أن المديونية القياسية تحرم واشنطن من رفاهية خوض نزاعات استنزاف برية طويلة الأمد على غرار غزو العراق وأفغانستان، وهو ما يضعف قيمة “الردع التقليدي”.

​4. التحول نحو “العدوانية منخفضة التكلفة” (Low-Cost Aggression)

​لم تؤدِّ الضغوط المالية إلى تخلي واشنطن عن نفوذها، بل دفعتها إلى تغيير أدوات هيمنتها ونقل مركز الثقل العسكري والسياسي نحو أنماط أقل تكلفة على الخزانة الفيدرالية:

​الحروب بالوكالة (Proxy Wars): نقل العبء البشري واللوجستي المباشر إلى الحلفاء المحليين أو الإقليميين، مع الاقتصار على توفير الغطاء التسليحي والاستخباري، لتجنب كلفة الانتشار العسكري المباشر.

​تسليح أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا: الاعتماد المكثف على العقوبات الشاملة، والحروب السيبرانية، والتحكم في سلاسل إمداد التقنية الحساسة كأدوات ردع واستنزاف للخصوم دون الحاجة لتحريك الأساطيل والقواعد.

​خصخصة الأزمات وإلغاء “الحماية المجانية”: الضغط المتزايد على أعضاء حلف الناتو والدول الآسيوية الموالية لزيادة إنفاقها الدفاعي الذاتي إلى مستويات تتجاوز 2% أو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس تراجع قدرة واشنطن على تقديم غطاء أمني غير مشروط.

​5. الخاتمة: تداعي المركزية والتحول نحو التعددية

​يقف النظام الدولي أمام التحول الأكثر عمقاً في هيكليته النقدية والعسكرية؛ إذ لم يعد بإمكان الولايات المتحدة الاعتماد المفتوح على طبع سندات الخزانة لتمويل نفوذها الخارجي دون الإضرار بأساسات اقتصادها الداخلي واقتصادات حلفائها.

​إن لجوء الدول الدائنة وتكتلات مثل “بريكس” إلى تنويع أصولها، وتكثيف شراء الذهب كملجأ آمن، وتفعيل التبادل التجاري بالعملات الوطنية، ليس مجرد مناورة اقتصادية، بل هو بداية تفكك تنفيذي لـ “عقد الحماية”. ومع تراجع قدرة أمريكا على تمويل حضورها العسكري المباشر، يتجه المشهد الدولي بخطوات ثابتة نحو نظام متعدد الأقطاب، يعاد فيه تشكيل التحالفات الأمنية والمالية بعيداً عن مركزية الدولار وهيمنة القطب الواحد.

عرب جورنال

قد يعجبك ايضا