كيف أطاحت إيران بغرور ترامب؟

ومايسطرون _ زكريا الشرعبي _ المساء برس|

‏أطاحت إيران بغرور ترامب، كشفت ضعفه، وأسقطت سطوته وتهديداته، أمسكت به من رسنه، وأوقفت ذلك الجنون، ويبدو أنه أدرك أن عدوانه على إيران كان الحماقة الكبرى في تاريخه، لقد توهم أنه كما اغتال الحاج قاسم سليماني وكما نفذ اعتداء يونيو العام الماضي وكما حدث في فنزويلا فإن الأمر سيكون مماثلا أيضا هذه المرة.

يقول ويتكوف إن ترامب كان يسأله والأساطيل الأمريكية ما زالت تنقل إلى المنطقة لماذا لم يستسلم الإيرانيون حتى الآن !، ونقلت نيويورك تايمز أن ترامب رغم تحذيرات البعض في محيطه اتخذ القرار بالمضي بعد خطة نتنياهو وكأن الأمر لديه مجرد تجربة لن يترتب عليها أي خسائر.

عندما بدأ العدوان على إيران، توهم أن رد إيران سيكون محدودا، وربما أغري بتقارير من البنتاغون والاستخبارات تبالغ في حجم الضرر الذي لحق بالإيرانيين، وكان يظهر ليكرر كل يوم بأن إيران انتهت، بل في اليوم الأول من العدوان كتب على حسابه وأعاد ذلك حساب البيت الأبيض : “استسلام غير مشروط” ويقصد بذلك ما يطلبه من إيران.

كعادة الإمبراطوريات، تغريها القوة وتعتقد أن الردع طقس سحري يمكن ممارسته من خلال استعراض القوة وفي أكثر الأحوال استخدام القوة الجوية لإقناع الخصم بعدم جدوائية المقاومة والاستسلام لمشيئة المهاجمين.

بعد أربعين يوما من العدواان والرد الإيراني تبين لترامب الكلفة الحقيقية، فعلى الميدان، دمرت إيران أو الحقت أضرارا كبيرة بـ بـ 228 منشأة وهدف أمريكي في المنطقة، أي كل المنشآت، كل القواعد التي تم بناءها أمريكيا على مدى عقود لحماية الكيان، والهيمنة على المنطقة، وردع خصوم أمريكا الآخرين من الوصول إلى منابع الطاقة وممرات التجارة، تحطمت بصواريخ إيران، 5 رادارات AN-TPY المخصصة لمنظومة ثاد، تم تدميرها، ولم يتبق سوى 9 رادارات تملكها أمريكا في كل العالم.. أصبحت أمريكا عمياء والصواريخ الإيرانية تنتقي أهدافها بسهولة، ثم استنزاف دفاعي غير قابل للتعويض على مدى السنوات القليلة المقبلة، واستنزاف في الأسلحة الاستراتيجية وصل إلى مستويات خطرة.

هنا نصف القصة أو أقل من النصف، الخسائر الاستراتيجية هي الأكبر.

لقد قامت الاستراتيجية الأمريكية على السيطرة على المشاعات العالمية، البحر والفضاء، وتحت ذلك الهيمنة على إمدادات الطاقة ومصادرها للحفاظ على شروط هيمنة البترودولار، تلك شروط القوة العظمى عالميا، وبدونها تآكل وانحسار.

لم يتوقع الأمريكيون أن إيران ستذهب نحو إغلاق مضيق هرمز، وأن هذا الإغلاق سيتحول من ظرف آني محكوم بمدة الحرب إلى إدارة مستدامة، وعلى خلاف الحروب الأمريكية السابقة، انعكس الرد الإيراني بتأثير مباشر على جيوب المواطنين الأمريكيين، لقد فعلت إيران قوتها الكامنة وتحكمت بنحو 25 % من إمدادات النفط العالمية، وبينما كانت العقوبات الثانوية تضغط على إيران اقتصاديا، باتت الدول مضطرة للتواصل مع إيران رغما عن أمريكا للحصول على موافقة العبور من مضيق هرمز.

وبالعودة إلى الأهداف الرئيسية للعدوان في بداية الحرب، كان الهدف الرئيسي هو إسقاط النظام الإيراني، قال ترامب إنه ربما يصبح المرشد الأعلى لإيران، أما الهدف الثاني فكان القضاء على البرنامج النووي الإيراني، ثم القضاء على القوة العسكرية لإيران، ثم القضاء على حلفاء إيران وتفكيكهم… لقد وصف نتنياهو سابقا عام 2026 بأنه عام الحسم..

بدلا من إسقاط النظام الإيراني، أصبح النظام أكثر صلابة بفعل دعم شعبي فالإيرانيون خاضوها كحرب وجود كما فرضت عليهم، وبدلا من القضاء على البرنامج النووي، يستجدي ترامب منذ 60 يوما المفاوضات حول هذا البرنامج، أما حلفاء إيران فانتقل الدعم من صورة غير مباشرة إلى تثبيت معادلة وحدة الساحات.

في مقابل ذلك سقطت صورة أمريكا كمظلة حماية في المنطقة، بعد تعرض جميع قواعدها للاستهداف وعجزها عن حماية أي من وكلاءها، وترسخت صورة عجزها البحري بعد فشلها في هرمز، وانكشفت عيوب الامبراطورية على مستوى الجاهزية والتسليح.

إن الإمبراطورية في نهاية الأمر صورة ردع، انكسار الصورة يبعث برسائل للحلفاء وللأعداء، الحلفاء لا يعودون يثقون بها كحليف قادر على حمايتهم، الأعداء ينظرون إلى أنها قابلة للهزيمة، ولذلك فهذا وضع صعب للغاية أمام أمريكا، ستحاول أن تصنع صورة نصر ولو بتكرار الكذب، لترميم صورة الردع، فالخسارة تعني خسارة المنطقة ومن ثم الإنكفاء على نفسها. هكذا يقول التاريخ بشأن الإمبراطوريات العابرة

قد يعجبك ايضا