لماذا لجأت السعودية إلى استخدام صواريخ باليستية قديمة رغم امتلاكها أسطولاً جوياً متطوراً؟
متابعات خاصة _ المساء برس|
اعتبر خبراء ومحللون عسكريون أن استخدام السعودية صاروخاً باليستياً صينياً قديما من طراز DF-15 لاستهداف قوات صنعاء في جبهة مأرب، يثير تساؤلات واسعة حول الأسباب العسكرية التي دفعت الرياض إلى اللجوء إلى صاروخ باليستي لضرب جبهة متحركة، في وقت تمتلك فيه واحداً من أكبر أساطيل الطيران الحربي في المنطقة.
وأشار الخبراء إلى أن صوراً متداولة خلال الساعات الماضية من جبهة مأرب أظهرت ما قيل إنه استخدام سعودي لصاروخ باليستي صيني من طراز DF-15.
ولفتوا إلى أن السعودية تمتلك مئات الطائرات الحربية المتقدمة، من بينها مقاتلات F-15 وتايفون قادرة على تنفيذ ضربات واسعة باستخدام كميات كبيرة من القنابل والذخائر الموجهة.
وأوضح الخبراء أن مقاتلة واحدة من طراز F-15 تستطيع حمل عدة أطنان من القنابل والذخائر في طلعة جوية واحدة، فيما يحتاج صاروخ DF-15 إلى عمليات تجهيز وتحضير للإطلاق، ويحمل رأساً حربياً محدوداً مقارنة بالحمولة التي تستطيع المقاتلات حملها.
وتساءل الخبراء عن الأسباب التي تدفع السعودية إلى استخدام صاروخ باليستي لضرب جبهة تتحرك فيها القوات والآليات بصورة مستمرة، في حين تستطيع في الظروف الطبيعية، إرسال عدة طائرات وإلقاء أطنان من القنابل الموجهة على الأهداف نفسها.
ورأى الخبراء أن هناك عاملاً أجبر السعودية على استخدام الصاروخ الباليستي، ويتمثل في الضغوط التي بدأت تتعرض لها الحلقة اللوجستية التي يقوم عليها سلاح الجو السعودي في جنوب المملكة.
وأشاروا إلى أن هجمات صنعاء خلال الأيام الماضية لم تكن عشوائية، موضحين أنها استهدفت بصورة متكررة ودقيقة قواعد ومنشآت تمثل أهمية مباشرة للقدرة السعودية على إدارة عملياتها الجوية.
ولفت الخبراء إلى أن قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط تعرضت للقصف أكثر من مرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكدين أنها تعد واحدة من أهم القواعد التي تعتمد عليها السعودية في تنفيذ ودعم عملياتها الجوية فوق اليمن.
واعتبر الخبراء أن استهداف القواعد والمنشآت والقدرات المرتبطة بالطاقة والوقود قد يشكل ضغطاً مباشراً على البنية اللوجستية التي يعتمد عليها سلاح الجو السعودي.
وأوضحوا أن امتلاك السعودية مئات الطائرات لا يعني أن هذه الطائرات قادرة على العمل بصورة مستقلة، مشيرين إلى أن تشغيل القوة الجوية يتطلب سلسلة متكاملة من القواعد الآمنة، ووقود الطائرات، والذخائر، وعمليات الصيانة، وقطع الغيار، والأطقم الأرضية، والمستودعات والمنشآت اللوجستية.
وأكد الخبراء أن استهداف هذه الحلقة لا يستهدف بالضرورة عدد الطائرات نفسها، وإنما القدرة على إبقاء تلك الطائرات في الجو وتنفيذ عشرات الطلعات الجوية بصورة يومية.
وأشار الخبراء إلى أن اتساع مساحة السعودية يضيف عاملاً آخر إلى المعادلة العسكرية، موضحين بأنه إذا أصبح تشغيل الطائرات من قواعد مثل خميس مشيط وأبها أكثر صعوبة، واضطرت السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على قواعد أبعد مثل الطائف أو قواعد تقع في وسط وشمال المملكة، فإن المسافات التي يتعين على الطائرات قطعها للوصول إلى اليمن ستزداد بصورة كبيرة.
ولفتوا إلى أن زيادة المسافات تعني استهلاك كميات أكبر من الوقود في كل طلعة، وزيادة ساعات الطيران، وارتفاع الحاجة إلى عمليات الصيانة، فضلاً عن زيادة الاعتماد على طائرات التزود بالوقود جواً.
وأكد الخبراء أن هذه العوامل قد تؤدي، في النهاية، إلى تقليص عدد الطلعات الجوية التي تستطيع السعودية تنفيذها يومياً، حتى في حال عدم حدوث أي تغيير في العدد الإجمالي للطائرات التي تمتلكها.
وأضافوا أن امتلاك السعودية عدد كبير من الطائرات لا يعني بالضرورة القدرة على تشغيل العدد نفسه بالمعدل ذاته، إذا تعرضت القواعد والمنشآت والقدرات اللوجستية التي تعتمد عليها تلك الطائرات لضغوط مستمرة.
وفي ما يتعلق بالذخائر، أشار الخبراء إلى أن الجزء الأكبر من القوة الجوية السعودية يعتمد على منظومات وطائرات أمريكية، كما أن نسبة كبيرة من القنابل والذخائر التي تستخدمها تلك الطائرات تعتمد على الإمدادات الأمريكية، بما في ذلك الذخائر الموجهة ومنظومات JDAM.
وأوضحوا أن السعودية كانت خلال الحرب السابقة على اليمن قادرة على استخدام أعداد كبيرة من القنابل والذخائر الأمريكية والحصول على إمدادات جديدة بصورة مستمرة، لكن الخبراء لفتوا إلى أن الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها المخزونات الأمريكية نتيجة التطورات العسكرية والحروب الإقليمية قد تجعل قدرة واشنطن على تعويض ما تستهلكه السعودية من الذخائر أكثر تعقيداً مقارنة بالسنوات الماضية.
وأشاروا إلى أن موافقة واشنطن خلال الأيام الماضية على صفقة جديدة للسعودية تشمل آلاف القنابل والذخائر الموجهة، تعكس استمرار الحاجة إلى تعزيز المخزونات السعودية من الذخائر الجوية.
ورأى الخبراء أن هذه العوامل مجتمعة تجعل استخدام صاروخ DF-15 أكثر قابلية للتفسير من الناحية العسكرية والعملياتية.
وأوضحوا أن الصاروخ الباليستي لا يحتاج إلى تشغيل مقاتلة F-15، ولا يحتاج إلى وقود للطائرات، ولا يتطلب استخدام طائرات للتزود بالوقود جواً، كما أنه لا يعتمد بصورة مباشرة على القواعد الجوية نفسها التي تتعرض للهجمات في جنوب السعودية.
وأضافوا أن استخدام الصاروخ الباليستي لا يتطلب أيضاً استهلاك قنابل وذخائر جوية موجهة، يعتمد جزء كبير منها على الإمدادات الأمريكية.
واعتبر الخبراء أن استخدام DF-15 قد لا يكون مجرد استعراض للقوة أو رسالة سياسية، بل يعكس محاولة لاستخدام وسائل ضرب بديلة تقلل من الاعتماد على القوة الجوية والبنية اللوجستية التي تتعرض لضغوط متزايدة.
وأكدوا أن استخدام صاروخ باليستي ضد هدف كان يمكن، في الظروف الطبيعية، التعامل معه عبر عدة طائرات وإلقاء أطنان من القنابل، قد يمثل أحد أبرز المؤشرات على تغير الحسابات العسكرية والعملياتية.
وختم الخبراء بالإشارة إلى أن استخدام السعودية لصاروخ DF-15 في جبهة مأرب قد يكون مؤشراً على أن الضربات اليمنية المتكررة بدأت تؤثر فعلياً في الحلقة اللوجستية التي يقوم عليها تشغيل سلاح الجو السعودي في جنوب المملكة.