المستوطنون جنود بلا زي رسمي

وما يسطرون – محمد بن عامر|

الذين نراهم اليوم يهاجمون القرى الفلسطينية، ويحرقون الزيتون، ويطاردون الأهالي في قرية قصرة، ويقيمون نقاط تفتيش غير رسمية، هؤلاء ليسوا متطرفين مارقين كما يحاول الإعلام الإسرائيلي تصويرهم. هم جنود بلا زي رسمي، يؤدون دوراً لا يريد “جيش” الاحتلال الإسرائيلي القيام به علناً، لكنه يرعاه ضمنياً. هم الأداة الجديدة للاستيطان، يصنعون وقائع على الأرض، ويجعلون الضفة مكاناً لا يطاق، لإجبار الفلسطينيين على المغادرة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أدان هجوم قصرة. نعم، أدان. لكنه قال شيئاً لا يُستغرب عليه: إدانته كانت لأنهم “يتدخلون في عمل الجيش” و”يضرون بمكانة إسرائيل في العالم”. أي أن المشكلة ليست في القتل والتهجير، المشكلة في الإحراج الدبلوماسي.

وإذا نظرت إلى ما يحدث في جنين، ستجد الصورة أوضح. الكيان الإسرائيلي تقيم قاعدة عسكرية دائمة هناك لأول مرة منذ اتفاق أوسلو. في قلب منطقة كان من المفترض أن تكون تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة. هذا ليس تحصيناً للحدود؛ هذا إعلان نية. الكيان يقول بوضوح: نحن هنا للبقاء، ولن نسمح لأي سلطة فلسطينية بأن تحكم هذه المناطق فعلياً. التهجير القسري لأكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ليس حملة أمنية، إنه تمهيد لتفريغ منطقة من سكانها تمهيداً لضمها، وليس بالضرورة ضماً رسمياً. ضماً تدريجياً، صامتاً، لا يحتاج إلى قرار في الكنيست ولا إلى تغطية إعلامية.

السلطة الفلسطينية، التي تحمل اسم سلطة دون أن تملك جوهرها، كان من المفترض أن تعمل على إنهاء الاحتلال وحماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين وآلة القمع الإسرائيلية. لكنها، وللأسف، تحولت إلى سلطة تدير الاحتلال نيابة عن الإسرائيليين، بأجهزتها الأمنية، وتنسيقها الميداني، وقمعها لكل صوت مقاوم، وكأنها أصبحت امتداداً للنظام الذي يفترض أنها تحاربه.

أما أمريكا، التي تعلن رسمياً رفضها للاستيطان، فموقفها لا يعدو كونه إدانة باللسان وتقديم الأسلحة باليد. كم من مرة سمعنا إدارة أمريكية تقول “الاستيطان غير شرعي”، ثم نرى المستوطنات تتوسع بأسرع مما كانت عليه في أي وقت مضى؟

وأخيراً، يجب التنويه إلى أن كل هذا يشبه ما كان يحدث في فلسطين قبل 1948. العصابات الصهيونية كانت تنفذ عمليات عسكرية وتهجيراً تحت غطاء “الدفاع عن النفس”، والجيش البريطاني كان يتفرج أو يتدخل أحياناً لحماية تلك العصابات التي كانت الذراع غير الرسمية للمشروع الصهيوني. واليوم، يعيد المستوطنون إنتاج هذا النموذج.

*من حائط الكاتب على منصة “إكس

قد يعجبك ايضا