أمريكا: القوة العظمى للترسانة المستنفدة
ومايسطرون _ سلمان شيخ|
إن أغنى قوة عسكرية في العالم، والتي يُطلق عليها اسم “الأقوى”، بدأت تنفد من الصواريخ التي تحتاجها لخوض الحروب التي تدعي أنها مستعدة لها.
*قوة عظمى تعيش على احتياطياتها:
تنفق الولايات المتحدة على الدفاع أكثر مما تنفقه الدول العشر التالية مجتمعة، ومع ذلك، ولأشهر، ظلّت قصة تناقص مخزوناتها الدفاعية موضع جدلٍ في طيّات الوثائق المسربة وتقديرات مراكز الأبحاث، بدلاً من الاعتراف بها علنًا.
وكشف تحليلٌ أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أنه خلال الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، والتي استمرت 39 يومًا، استهلك البنتاغون ما يقارب 24 مليار دولار أمريكي من الذخائر الرئيسية في سبعة أسابيع فقط، حيث استُهلك ما يقارب نصف مخزون صواريخ باتريوت الدقيقة ونصف مخزون صواريخ ثاد الاعتراضية.
وبحلول منتصف الصيف، أفادت شبكة CNN أن مخزونات صواريخ باتريوت الاعتراضية – التي تُشكّل العمود الفقري للدفاع الصاروخي الأمريكي والحليف – قد انخفضت بمقدار الثلثين، ونقلت شبكة ABC News عن مسؤول أمريكي وصفه مخزونات باتريوت وثاد بأنها “منخفضة للغاية”.
كان رد إدارة ترامب على هذا التقرير إنكارًا شديدًا، فقد وصف الرئيس التغطية الإعلامية بأنها “أخبار كاذبة”، وأصر على أن البلاد تمتلك “كميات هائلة من الذخائر”، وأمر بفتح تحقيقات لملاحقة المسؤولين المشتبه في تسريبهم بيانات الجاهزية، واصفًا تسريباتهم بأنها “خيانة عظمى”.
لكنّ الكلام سهل، أما السياسة فليست كذلك، في يوليو/تموز، وخلال لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الناتو في أنقرة، سُئل ترامب مباشرةً عمّا إذا كانت الولايات المتحدة سترسل المزيد من صواريخ باتريوت الاعتراضية إلى أوكرانيا، وجاء ردّه ليُقوّض أسابيع من التطمينات العلنية بجملة واحدة: “لدينا صواريخ باتريوت، لكن ليس لدينا هذا العدد. نحن بحاجة إليها لأنفسنا أيضاً”، بحسب صحيفة ” ذا هيل”، وبدلاً من الصواريخ، عرض ترامب على كييف ترخيصاً لتصنيع صواريخها الخاصة.
هذا التبادل وحده يفوق قيمة أي مذكرة مسربة، تستطيع الحكومات تزييف الحقائق، لكنها لا تستطيع بسهولة تزييف قرار اتُخذ في حينه، أمام الكاميرات، لحليف.
لو كان الترسانة فعلاً بتلك القوة التي تدّعيها الإدارة، لما كان هناك مبرر لحجب صواريخ اعتراضية عن شريك يخدم أجندة غربية، وهذا الرفض هو الاعتراف الذي صُممت عمليات الإنكار لمنعه.
*ساعتان، تسيران باتجاه الساعة نفسها:
تكمن أهمية هذا الأمر، حتى خارج نطاق أوكرانيا، في عامل الوقت، إذ يُقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن استعادة مستويات ما قبل الحرب لأهم أربعة أنواع من الذخائر ستستغرق عامين على الأقل، وربما أكثر من ثلاثة أعوام لبعض الأنظمة.
وقد أقرّ وزير الدفاع بيت هيغسيث علنًا بأن عملية إعادة التموين ستستغرق “أشهرًا وسنوات… بحسب نوع السلاح”، وهذا هو العامل الأول: كم من الوقت ستستغرقه واشنطن لإعادة ملء مخازنها؟
الساعة الثانية ملك لبكين، ولا أحد في واشنطن يسيطر عليها، يُعدّ نطاق التخطيط الصيني لتحرك محتمل نحو تايوان موضوع نقاش مستمر، وإن كان غير دقيق، داخل البنتاغون والكونغرس، لكن لا جدال يُذكر في وجوده، وفي أن المخططين الصينيين يدرسون نقاط الضعف الأمريكية بدقة مماثلة لدراسة المحللين الأمريكيين لنقاط الضعف الصينية.
وفي مقال له في صحيفة وول ستريت جورنال ، حذّر سيث جونز من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن القواعد الأمريكية المنتشرة في المحيط الهادئ – اليابان، غوام، كوريا الجنوبية – مُعرّضة لترسانة صواريخ وطائرات مسيّرة صينية أكبر بكثير وأكثر تطوراً من الترسانة الإيرانية، وأن نفس الطائرات الاعتراضية التي أوشكت على النفاد في الشرق الأوسط هي المُخصصة للدفاع عنها.
لا يكمن الخطر في كون أي من هذين العاملين وحده كافيًا لاستبعاد أي طرف، بل في ما سيحدث إذا تزامنا – إذا تداخلت فترة إعادة بناء القدرات الأمريكية مع تقييم صيني بأن مخزون واشنطن من الصواريخ، واهتمامها السياسي، في أدنى مستوياته، ولطالما اعتمد الردع على حسابات الخصم للتوقيت بقدر اعتماده على أي عدد ثابت من الصواريخ الاعتراضية.
يُعدّ المخزون المستنفد الذي سيُعاد تعبئته في غضون ستة أشهر إحراجًا يمكن التعامل معه، أما المخزون المستنفد الذي سيُعاد تعبئته في غضون ثلاث سنوات، ويبقى مكشوفًا طوال فترة تتوسع فيها قدرات بكين، فهو بمثابة دعوة استراتيجية.
هذا ليس مجرد مفهوم نظري بالنسبة لحلفاء واشنطن في المحيط الهادئ، فعقيدة الضربات الكورية الجنوبية تعتمد على الذخائر الدقيقة الأمريكية الصنع لتهديد مواقع المدفعية والصواريخ الكورية الشمالية قرب المنطقة المنزوعة السلاح، كما أن ثقة تايبيه في الدعم الأمريكي تستند إلى افتراض أن مخازن الذخيرة الأمريكية لن تكون فارغة عند حلول اللحظة الحاسمة. ولا تملك أي من الحكومتين رفاهية الانتظار سنتين أو ثلاث سنوات للتأكد من صحة هذا الافتراض، كما أن إعادة بناء الترسانة لا تقتصر على زيادة التمويل فحسب، فمكونات الصواريخ الاعتراضية الرئيسية تأتي من عدد محدود من خطوط الإنتاج المتخصصة، وقد يستغرق تصنيع ودمج أنظمة التوجيه والدفع التي تدخل في صاروخ باتريوت واحد ما يصل إلى عامين حتى بعد توقيع العقد.
يستطيع الكونغرس تسريع التمويل، لكنه لا يستطيع تغيير قوانين الفيزياء أو إعادة تجهيز المصانع بين عشية وضحاها، وهذا تحديدًا ما يجعل مدة إعادة البناء التي يصفها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تُقاس بالسنوات لا بالأشهر، مهما بلغت حدة التوتر السياسي المحيط بها.
*تكلفة إدارة القصة بدلاً من النقص:
هنا يصبح ميل الإدارة إلى إخفاء الحقيقة، بدلاً من معالجة الحقائق، نقطة ضعفها، فالردع يعتمد على قدرة الخصوم والحلفاء على حد سواء على حساب المخاطر بثقة.
عندما تردّ حكومة ما على مخاوف الجرد باستدعاءات وتهديدات بالخيانة بدلاً من تقديم محاسبة موثوقة، فإنها لا تزيل حالة عدم اليقين، بل تنقلها إلى مكان آخر.
لا تحتاج بكين إلى تسريب أمريكي لمعرفة عدد صواريخ باتريوت الاعتراضية التي أُطلقت فوق إسرائيل والخليج هذا الربيع؛ فلديها أجهزة استخبارات خاصة بها لهذا الغرض، وما يُظهره رد فعل واشنطن في الواقع هو أن النظام السياسي يُفضّل إدارة الرواية على مواجهة مشكلة الإنتاج.
هناك أيضًا تكلفة خفية أقرب إلى الوطن، لا تحتاج سيول وطوكيو إلى جداول بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) لإدراك أن مخزون الصواريخ الاعتراضية نفسه، الذي بات شحيحًا في الشرق الأوسط، هو نفسه الذي وعدت واشنطن بالاستعانة به في حالة الطوارئ الكورية أو التايوانية، أو أن نفي الإدارة العلني يتناقض مع قرارها السري بحجب الصواريخ الاعتراضية عن أوكرانيا.
إن ثقة الحلفاء لا تُبنى على التصريحات الصحفية الأمريكية، بل تُبنى على مراقبة ما تفعله واشنطن فعليًا عندما يطلب أحد شركائها المساعدة، ويتضح أن الموارد المتاحة أقل مما هو مُعلن.
لا يعني أيٌّ من هذا أن الولايات المتحدة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، أو أن ترسانة الصين وقاعدتها الصناعية بمنأى تام عن ضغوط مماثلة، لكنّ التنافس بين القوى العظمى نادرًا ما يُحسم بمن يملك أكبر مخزون في اليوم الأول للأزمة، بل يُحسم بمن يستطيع الحفاظ على الإنتاج والمصداقية وثقة الحلفاء على مرّ السنين اللازمة لإعادة ملء ما استُنفد بالفعل في حرب أصغر.
كانت الحملة الإيرانية بمثابة اختبار أصغر. وردّ واشنطن عليها – الإنكار علنًا والتقنين سرًّا – يُشير إلى أنها لم تُدرك بعد ما ستتطلبه حرب أكبر، ولدى الخصوم الذين يراقبون الفجوة بين أقوال الرئيس وقراراته كلّ الأسباب لبدء حساباتهم الآن.
*الكاتب/ سلمان رافي شيخ، محلل أبحاث العلاقات الدولية والشؤون الخارجية والداخلية لباكستان
المصدر/ صحيفة “نيو إيسترن أوتلوك” الروسية