في حال عادت الحرب مع الرياض.. ما أوراق القوة التي تمتلكها صنعاء؟
تقرير خاص _ المساء برس|
تشير التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة إلى أن اليمن مقبل على مرحلة جديدة، إذا لم تتحرك السعودية لحلحلة الملفات العالقة مع صنعاء وبالخصوص الملفات المتعلقة بالجانب الاقتصادي، فالتوجه الذي أعلنته قيادة صنعاء خلال الأيام الأخيرة، والقائم على عناوين “كسر الحصار، وإنهاء الاحتلال، واستعادة الثروات والحقوق الوطنية”، يعكس انتقالاً من مرحلة الصبر إلى مرحلة السعي لفرض معادلات جديدة على الأرض.
وقد لاقت هذه التوجهات تأييداً واسعاً داخل مؤسسات صنعاء السياسية والعسكرية والشعبية، وهو ما يجعلها أقرب إلى مشروع وطني متكامل وليس مجرد خطاب سياسي عابر.
وفي حال انزلقت الأمور نحو مواجهة جديدة، فإن السؤال الأبرز يتمثل في: ما هي أوراق القوة التي تراهن عليها صنعاء اليوم؟ وهل تختلف معطيات أي حرب محتملة عن تلك التي حكمت المواجهات خلال السنوات الماضية؟
بيئة استراتيجية مختلفة عن الحرب السابقة:
أهم ما يميز المشهد الحالي أن البيئة العسكرية والاستراتيجية لم تعد كما كانت عند بدء الرياض الحرب على اليمن قبل أكثر من عقد في 2015، ففي السنوات الأولى للحرب كان الفارق في القدرات العسكرية يميل بصورة واضحة لصالح التحالف الذي تقوده السعودية، سواء من حيث سلاح الجو أو القدرات التقنية أو الدعم الدولي.
أما اليوم، فقد شهدت القدرات العسكرية التابعة لصنعاء تطوراً نوعياً كبيراً، سواء على مستوى الصواريخ أو الطائرات المسيرة أو القوات البرية أو أنظمة الاستطلاع والقيادة والسيطرة.
كما أن سنوات الحرب الطويلة أفرزت خبرات ميدانية واسعة لدى قوات صنعاء، وسمحت بتطوير عقيدة قتالية تجمع بين الحرب النظامية وغير النظامية، وهو ما جعل البيئة العملياتية أكثر تعقيداً أمام أي طرف يفكر بخوض مواجهة جديدة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي حرب مستقبلية لن تكون إعادة إنتاج للحرب السابقة، بل ستكون مواجهة مختلفة من حيث الأدوات والقدرات ومساحات التأثير.
منظومة الردع بعيدة المدى:
من أبرز التحولات التي شهدتها القدرات العسكرية في صنعاء خلال السنوات الأخيرة توسع منظومات الصواريخ والطائرات المسيرة بشكل غير مسبوق.
فمنذ إعلان الهدنة في أواخر عام 2022، استمرت برامج التطوير العسكري بوتيرة متسارعة، وظهرت أجيال جديدة من الصواريخ والمسيرات بعيدة المدى، إضافة إلى الإعلان عن منظومات فرط صوتية وتقنيات متقدمة في مجال التخفي والمناورة.
وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الدفاعات الجوية المتطورة لم تعد قادرة على توفير الحماية الكاملة أمام موجات الصواريخ والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة وعالية الفعالية، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للتأثير في أي مواجهة محتملة بين صنعاء والرياض.
استهداف العمق السعودي كأداة ردع استراتيجية:
إذا اندلعت مواجهة جديدة، فإن أحد أهم مرتكزات الاستراتيجية العسكرية لصنعاء سيكون توسيع نطاق الضغط على العمق السعودي.
فالقرب الجغرافي بين اليمن والسعودية يمنح صنعاء أفضلية عملياتية مقارنة بالمسافات البعيدة التي تعاملت معها خلال عملياتها الإسنادية لغزة باستهداف عمق الكيان الإسرائيلي.
وتراهن صنعاء على أن أي مواجهة طويلة ستجعل المنشآت الحيوية والبنية الاقتصادية السعودية عرضة لضغوط متزايدة، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
وتبرز هنا أهمية ما راكمته صنعاء من خبرات في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والتي من شأنها أن توسع نطاق التهديد ليشمل أهدافاً ذات حساسية اقتصادية واستراتيجية عالية.
وبالتالي، فإن المعركة القادمة لن تقتصر على خطوط التماس التقليدية، بل ستتحول إلى معركة استنزاف اقتصادي واستراتيجي، يكون فيها العمق السعودي جزءاً رئيسياً من مسرح العمليات.
ورقة الملاحة الجوية والبحرية:
إحدى أبرز الخبرات التي اكتسبتها صنعاء خلال السنوات الأخيرة تتمثل في قدرتها على التحكم بخطوط الملاحة، فخلال المواجهات المرتبطة بإسناد غزة، استطاعت صنعاء فرض حظر كلي على حركة السفن المرتبطة بإسرائيل في البحرين الأحمر والعربي، كما نجحت في فرض حظر جزئي على الملاحة الجوية في الكيان الإسرائيلي.
هذه التجربة منحت صنعاء خبرة عملية واسعة في إدارة المعارك الحديثة، وأثبتت قدرتها على توظيف الجغرافيا اليمنية في خدمة أهدافها العسكرية والسياسية.
وفي حال اندلاع مواجهة جديدة بين صنعاء والرياض، فإن هذه الورقة قد تتحول إلى أحد أهم أدوات الضغط الاستراتيجي.
القدرات البرية والمسيّرات الحديثة:
على المستوى البري، تبدو الصورة مختلفة عما كانت عليه خلال السنوات الأولى للحرب، فالقوات التابعة لصنعاء لم تعد تركز فقط على الدفاع عن مناطق سيطرتها، بل باتت تمتلك خبرة واسعة في العمليات الهجومية وإدارة المعارك المركبة.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في برامج التدريب والتأهيل وتطوير الوحدات القتالية، فضلاً عن تعزيز القدرات المرتبطة بالطائرات المسيرة التكتيكية وأنظمة الاستطلاع والاستهداف.
وفي هذا السياق، فإن قوات صنعاء قد تمتلك مسيّرات fbv التي يمتلكها حزب الله، والتي كان لها تأثير نوعي في المواجهات البرية في جنوب لبنان خلال الأسابيع الماضية، إذ أنها تتميز بعدة خصائص تجعلها من أهم الأدوات الحديثة في الحروب البرية.
وتشير المؤشرات إلى أن أي محاولة لفتح جبهات برية واسعة ضد صنعاء ستواجه بيئة عملياتية أكثر تعقيداً، في ظل توافر خبرات قتالية متراكمة وقدرات نارية متنوعة، إلى جانب قدرة عالية على المناورة واستغلال التضاريس الجغرافية.
التعبئة العامة وحجم القوة البشرية:
إلى جانب التطور النوعي في التسليح، تراهن صنعاء على عنصر القوة البشرية باعتباره أحد أهم عوامل التفوق في الحروب طويلة الأمد.
فخلال العامين الماضيين توسعت برامج التعبئة العامة بصورة كبيرة، وتم إنشاء أطر تنظيمية وتدريبية جديدة تهدف إلى رفد القوات المسلحة بقوات احتياط واسعة.
وتوفر هذه التعبئة لصنعاء قدرة أكبر على تعويض الخسائر وإدارة جبهات متعددة في الوقت نفسه، كما تمنحها مرونة إضافية في توزيع القوى وإدامة العمليات لفترات طويلة.
ومن منظور استراتيجي، فإن توفر الاحتياطي البشري المنظم يعد عاملاً مهماً في حروب الاستنزاف، خصوصاً عندما يقترن بخبرات ميدانية تراكمت على مدى سنوات الحرب.
المرونة التنظيمية والقدرة على امتصاص الصدمات:
ربما يمثل هذا العامل أحد أهم عناصر القوة لقوات صنعاء، فطبيعة البناء العسكري والتنظيمي القائم على مزيج من الوحدات النظامية وغير النظامية منحت قوات صنعاء قدرة كبيرة على التكيف مع الظروف المتغيرة.
كما أن التجربة الطويلة في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية والأمنية أفرزت خبرة واسعة في إدارة الأزمات واستيعاب الضربات وإعادة بناء القدرات بسرعة.
وهذه المرونة تجعل من الصعب تحقيق نتائج حاسمة وسريعة ضد صنعاء حتى في حال امتلاك الطرف الآخر تفوقاً تقنياً أو دعماً كبيراً.
الخلاصة:
إذا اندلعت مواجهة جديدة بين صنعاء والرياض، فإنها ستجري في بيئة استراتيجية تختلف جذرياً عن تلك التي حكمت الحرب الماضية، فصنعاء تمتلك اليوم مزيج من أدوات الردع بعيدة المدى، والقدرات البحرية والجوية المتطورة، والخبرة القتالية المتراكمة، والقوة البشرية الواسعة، والمرونة التنظيمية العالية.
كما أن أي صراع مستقبلي لن يبقى محصوراً داخل الحدود اليمنية أو في خطوط التماس التقليدية، بل سينتقل إلى العمق السعودي، وهذا ما تخشاه الرياض أكثر من أي شيئ آخر.