من اتفاق الجزائر 1981إلى تفاهمات يونيو 2026.. لماذا لا تثق طهران بوعود واشنطن؟

تقرير – هاشم الدرة .. المساء برس|

لا تنظر إيران إلى أي اتفاق مع الولايات المتحدة بوصفه نهاية للصراع أو بداية لمرحلة جديدة من الثقة المتبادلة، بل تتعامل معه باعتباره محطة مؤقتة في مسار طويل من الحذر الاستراتيجي الذي تشكل عبر عقود من التجارب المتراكمة. فبالنسبة لصناع القرار في طهران، لا ترتبط أزمة الثقة مع واشنطن بالخلافات السياسية أو الأيديولوجية فحسب، بل تستند إلى سجل ممتد من الاتفاقات والتفاهمات التي تراجعت الولايات المتحدة عنها أو أعادت تفسيرها بما يخدم مصالحها المتغيرة.

وفي ظل الحديث عن تفاهمات جديدة بين طهران وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعود إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد مع كل جولة تفاوض: هل يمكن الوثوق بالتعهدات الأميركية؟

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، دخلت إيران والولايات المتحدة في سلسلة من التفاهمات المباشرة وغير المباشرة، إلا أن معظمها انتهى إلى مزيد من الشكوك وتراجع الثقة.

البداية كانت مع اتفاق الجزائر عام 1981، الذي أنهى أزمة احتجاز موظفي السفارة الأميركية في طهران. ونص الاتفاق، الذي جرى برعاية جزائرية، على التزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتسوية النزاعات المالية عبر آليات قانونية متفق عليها.

غير أن طهران رأت أن العقود اللاحقة حملت شواهد متكررة على استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية الأميركية، واعتبرت أن مبدأ عدم التدخل لم يترجم عمليا إلى سياسات مستقرة، خصوصا مع استمرار العقوبات وتوسيعها، واتهام واشنطن المتكرر لإيران بدعم حركات المقاومة في المنطقة.

وخلال ثمانينيات القرن الماضي، زادت الحرب العراقية الإيرانية من تعميق فجوة الثقة، بعدما قدمت الولايات المتحدة دعما عسكريا وسياسيا واستخباراتيا واسعا للعراق، في الوقت الذي فرضت فيه قيودا وعقوبات إضافية على طهران.

وفي تسعينيات القرن الماضي، تبنت واشنطن سياسة “الاحتواء المزدوج” تجاه إيران والعراق، وفرضت سلسلة من العقوبات الاقتصادية المتلاحقة، كان أبرزها قانون العقوبات على إيران وليبيا عام 1996، الذي استهدف الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة الإيراني.
لكن المحطة الأكثر دلالة في الذاكرة الإيرانية جاءت مع الاتفاق النووي الموقع عام 2015 بين إيران ومجموعة “5+1″، فقد وافقت طهران بموجب الاتفاق على فرض قيود واسعة على برنامجها النووي، وتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب، وخفض عدد أجهزة الطرد المركزي، والسماح برقابة غير مسبوقة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. وقد أكدت الوكالة الدولية في تقارير متتالية التزام إيران ببنود الاتفاق.

ورغم ذلك، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو 2018 انسحاب بلاده أحاديا من الاتفاق، وأعاد فرض عقوبات مشددة ضمن سياسة “الضغوط القصوى”، في خطوة اعتبرتها طهران دليلا قاطعا على هشاشة أي تفاهم لا يستند إلى ضمانات ملزمة تتجاوز حدود الإدارات الأميركية المتعاقبة.

ومنذ ذلك الحين، تحولت مسألة الضمانات إلى العقدة الرئيسية في أي مفاوضات جديدة، إذ تصر إيران على أن المشكلة لا تكمن في نصوص الاتفاقات، بل في غياب آليات تضمن عدم انسحاب واشنطن منها مستقبلا.

وتعززت هذه القناعة مع تعثر محاولات إحياء الاتفاق النووي خلال الأعوام الماضية، وسط تمسك طهران بضرورة الحصول على التزامات عملية تحميها من تكرار سيناريو 2018، في حين أكدت الإدارات الأميركية المتعاقبة عدم قدرتها على تقديم ضمانات قانونية تمنع أي رئيس أميركي مستقبلي من الانسحاب مجددا.

وبالنسبة لإيران، فإن تجربة العقود الأربعة الماضية أفرزت معادلة سياسية واضحة تقول إنه لا يمكن بناء التفاهم مع واشنطن على أساس الثقة، بل على الردع ووجود ضمانات قابلة للتنفيذ.

ولم تتوقف أزمة الثقة الإيرانية بالولايات المتحدة عند حدود انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في 8 مايو/أيار 2018، بل تعمقت بصورة أكبر مع تطورات الأعوام اللاحقة، وصولا إلى حرب الأيام الـ12 التي اندلعت بين 13 و24 يونيو 2025، وما تلاها من تفاهمات واتفاقات ما زالت طهران تتعامل معها بقدر عال من الحذر.

فمع اندلاع الحرب إثر الهجمات التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على منشآت نووية وعسكرية إيرانية، دخلت الولايات المتحدة على خط المواجهة سياسيا وعسكريا، بالتوازي مع رسائل أميركية متكررة تؤكد السعي إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، وخلال أيام المواجهة، حرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تقديم نفسه بوصفه داعما للحلول الدبلوماسية، مؤكدا في أكثر من مناسبة أن واشنطن لا تسعى إلى حرب مفتوحة مع إيران.

غير أن الخطاب الأميركي، سرعان ما اصطدم بالوقائع الميدانية، فبينما كانت التصريحات الأميركية تتحدث عن فرص للتهدئة، استمرت العمليات العسكرية واتسع نطاقها، ما عزز القناعة الإيرانية بأن الرسائل الدبلوماسية الأميركية لا تعني بالضرورة التزاما سياسيا ثابتا، بل قد تستخدم كأداة لإدارة الصراع وكسب الوقت.

وفي 24 يونيو 2025، أعلن ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أنهى حرب الأيام الـ12، وقدم الاتفاق حينها باعتباره مدخلا لمرحلة جديدة من التفاهمات الإقليمية، إلا أن استمرار التوتر في عدد من الملفات، وفي مقدمتها الملف اللبناني، أبقى الشكوك الإيرانية قائمة حيال قدرة واشنطن على إلزام حلفائها بما يتم الاتفاق عليه.

وتعمقت هذه الشكوك مع اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير 2026، والتي اعتبرتها طهران دليلا إضافيا على هشاشة أي تفاهمات لا تستند إلى ضمانات عملية وملزمة.

وعقب أشهر من التصعيد، توصلت طهران وواشنطن إلى مذكرة تفاهم جديدة وقعت يوم الجمعة 19 يونيو 2026 بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ونصت على تثبيت وقف إطلاق النار، واستئناف المسار التفاوضي بشأن البرنامج النووي، وتخفيف بعض القيود الاقتصادية، ووقف إطلاق النار في لبنان والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة مؤخرا، مقابل التزامات متبادلة تتعلق بخفض التصعيد وضمان أمن الملاحة في المنطقة.

لكن، وعلى الرغم من الترحيب الحذر بالمذكرة، لم تبد طهران استعدادا للتعامل معها بوصفها نقطة تحول نهائية في العلاقات مع واشنطن. فالتجارب السابقة، من اتفاق الجزائر عام 1981، مرورا بسياسة الاحتواء المزدوج في تسعينيات القرن الماضي، ووصولا إلى الاتفاق النووي عام 2015 والانسحاب الأميركي الأحادي منه عام 2018، رسخت داخل المؤسسة الإيرانية قناعة بأن المشكلة لا تكمن في توقيع الاتفاقات، بل في ضمان استمراريتها.

وبالنسبة لصناع القرار في إيران، فإن السؤال الذي يسبق أي تفاهم جديد لم يعد يتعلق بمضمون الاتفاق أو حجم المكاسب التي يحققها، بل بمدى قدرة الولايات المتحدة على الالتزام بتعهداتها عند تغير الإدارات أو تبدل الأولويات السياسية.

ولهذا، تنظر طهران إلى الاتفاق الأخير باعتباره اختبارا جديدا للولايات المتحدة، وليس نهاية لمسار طويل من انعدام الثقة، فالتاريخ، يثبت أن الضمانات العملية وحدها هي القادرة على حماية الاتفاقات، أما الوعود السياسية، فقد أثبتت التجربة أنها قابلة للتبدل في أي لحظة.

ولهذا، تنظر طهران إلى أي اتفاق جديد مع إدارة ترامب من زاوية مختلفة عما كانت عليه في السابق. فالتفاوض، من وجهة نظرها، لا يعني نهاية الصراع، بل يمثل أداة لإدارته، مع الإبقاء على أعلى درجات الحذر من احتمالات تغير المواقف الأميركية أو التراجع عن الالتزامات عند تبدل الإدارات أو تغير الأولويات.

قد يعجبك ايضا