كيف نصبت الإمارات فخاً مميتاً للسعودية في جنوب اليمن؟

تقرير خاص _ المساء برس|

تشهد المحافظات الجنوبية تطورات سياسية وميدانية متسارعة تعكس استمرار الصراع السعودي الإماراتي، وفي آخر تطورات المشهد، فقد نظم المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، يوم أمس، تظاهرات حاشدة في مدينة عدن ومدينتا سيئون والمكلا بمحافظة حضرموت، ضد السعودية والسلطات المحلية الموالية لها، تنديداً بسلسة الإجراءات المتواصلة التي تنفذها الرياض ضد الانتقالي في محاولة لتحجيم حضوره السياسي والعسكري. 

وتأتي هذه الاحتجاجات بعد أكثر من ستة أشهر على إعلان الإمارات انسحابها من جنوب اليمن تحت ضغط سعودي، وهو انسحاب لم يكن نهاية للدور الإماراتي بقدر ما مثّل بداية مرحلة جديدة من الصراع بين الحليفين السابقين على النفوذ والسيطرة في جنوب اليمن، وذلك على حساب سيادة اليمن واستقراره. 

 

خلفية الصراع السعودي الإماراتي في الجنوب

برغم أن الخلافات بين الرياض وأبوظبي في جنوب اليمن بدأت منذ السنوات الاولى من الحرب على اليمن بسبب اختلاف الأجندات وأطماع النفوذ، إلا أن الخلافات بين الطرفين ظهرت بصورة أكثر وضوحاً في ديسمبر الماضي، عندما اجتاحت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتياً محافظتي حضرموت والمهرة، الأمر الذي اعتبرته السعودية تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها في شرق اليمن.

وردّت الرياض بسلسلة من الإجراءات المضادة تمثلت في تنفيذ الطيران السعودي غارات استهدفت معدات عسكرية إماراتية في ميناء المكلا، وممارسة ضغوط سياسية مباشرة على أبوظبي، من خلال توجيه رئيس “مجلس القيادة الرئاسي” رشاد العليمي طلباً فورياً للإمارات بمغادرة البلاد، وأمام هذا التصعيد اضطرت الإمارات إلى الانسحاب من جنوب اليمن، وإن كان ذلك على مضض، وهي تحمل في ذاكرتها السياسية ما تعتبره إهانات سعودية لن تنساها إلى الأبد. 

الانسحاب الإماراتي: هزيمة أم فخ استراتيجي؟

اعتقدت الرياض عقب انسحاب الإمارات أن الساحة الجنوبية أصبحت مهيأة بالكامل أمامها، وأن السيطرة على الجنوب اليمني باتت مسألة أيام فقط، إلا أن القراءة الإماراتية للمشهد كانت مختلفة تماماً، فخلال سنوات حضورها في جنوب اليمن، لم تعتمد أبوظبي على الأدوات العسكرية فقط، بل عملت على بناء شبكة واسعة ومعقدة من العلاقات السياسية والاجتماعية والقبلية مع الفاعلين المحليين والمجتمعات الجنوبية، ولم تكن هذه العلاقات مجرد ترتيبات تكتيكية مؤقتة، بل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى ضمان استمرار النفوذ الإماراتي حتى في حال الانسحاب العسكري المباشر.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن الإمارات كانت تدرك أن انسحابها لن يؤدي بالضرورة إلى خسارة نفوذها، بل ربما يضع السعودية أمام تحديات معقدة يصعب إدارتها منفردة، وما تشهده المحافظات الجنوبية اليوم من حراك متواصل ضد السعودية يمثل، يعد دليلاً على نجاح تلك الاستراتيجية إلى حد كبير.

المسارات السعودية لاحتواء الوضع بعد الانسحاب الإماراتي

عقب إعلان ما اعتبرته السعودية انتصاراً في يناير الماضي، إثر انسحاب قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة نتيجة عملية عسكرية مشتركة نفذتها مع فصائل موالية لها، سعت السعودية إلى تثبيت نفوذها عبر عدة مسارات متوازية، أهمها فرض أمر واقع عسكرياً، حيث اعتمدت الرياض على القوة العسكرية لمحاولة فرض سيطرتها المباشرة على المحافظات الشرقية والجنوبية، مع السعي إلى تقليص نفوذ المجلس الانتقالي وإبعاد رئيسه عيدروس الزبيدي عن المشهد السياسي.

وبالتوازي مع التحركات العسكرية، عملت السعودية على استقطاب قيادات المجلس الانتقالي العسكرية والسياسية من خلال الإغراءات السياسية والمالية، حتى تحولت الرياض إلى مركز استقبال دائم للقيادات الجنوبية المختلفة.

كما لجأت السعودية إلى استدعاء شخصيات عسكرية وسياسية جنوبية كانت قد أُقصيت خلال السنوات الماضية على يد المجلس الانتقالي، بهدف استخدامها كقوة موازنة لنفوذ الانتقالي داخل الجنوب، إلا أن هذه المسارات، رغم تنوعها، لم تحقق النتائج المرجوة بالشكل الذي كانت تطمح إليه الرياض.

تصاعد السخط الشعبي ضد السعودية

تكشف التطورات الميدانية في المحافظات الجنوبية عن تصاعد واضح في حالة الغضب الشعبي تجاه السعودية، فقد أصبح تمزيق صور القيادات السعودية خلال الاحتجاجات والتظاهرات التي ينظمها المجلس الانتقالي أمراً معتاداً، وهو تطور لم يكن مألوفاً قبل انسحاب الإمارات من الجنوب.

ويشير هذا التحول إلى أن النشاط الإماراتي لا يزال فاعلاً ومؤثراً في توجيه المزاج السياسي والشعبي داخل المحافظات الجنوبية، رغم غياب الحضور العسكري الإماراتي المباشر.

كما أن استمرار قدرة المجلس الانتقالي على حشد الشارع ضد السعودية يعكس حجم النفوذ الذي لا تزال أبوظبي تحتفظ به عبر شبكاتها المحلية وعلاقاتها المتجذرة في جنوب اليمن.

إن تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والخدمية كان يمثل فرصة للرياض لتعزيز حضورها وكسب التأييد الشعبي بعد انسحاب الإمارات، إلا أن هذا المسار لم يشهد تقدماً ملموساً، وعلى الرغم من الوعود السعودية المتكررة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية عقب الانسحاب الإماراتي، إلا أن تلك الوعود ذابت تدريجياً دون نتائج ملموسة على الأرض، وبذلك أثبتت الرياض مجدداً بشكل عملي بأن استراتيجيتها لا تختلف كثيراً عن استراتيجية الإمارات، حيث تقوم كلتاهما على إبقاء الوضع الاقتصادي والمعيشي في اليمن في حالة ضعف وهشاشة مستمرة، بهدف تسهيل السيطرة على القرار. 

وفي هذا السياق، شهدت المحافظات الجنوبية خلال الأسابيع الماضية، تدهوراً مستمراً في الخدمات الأساسية وعلى رأسها الكهرباء، ما أدى إلى تنظيم احتجاجات شعبية واسعة ومتكررة وحالات عصيان مدني وفوضى أمنية وخدمية. 

ورغم الإعلان المتكرر للسعودية عن تقديم دعم مالي لحكومة عدن الموالية لها، والترويج الإعلامي الواسع لهذه المساعدات، إلا أن الواقع الميداني لا يعكس أي تحسن حقيقي في مستوى الخدمات أو الأوضاع المعيشية. 

الرهان الإماراتي على الفشل السعودي

في ظل استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية والخدمية وتصاعد حالة السخط الشعبي ضد السعودية، تبدو الإمارات وكأنها تراهن على عامل الزمن، فأبوظبي تستند إلى شبكة علاقاتها السابقة مع الشخصيات والكيانات المحلية في الجنوب، وتسعى إلى استثمار تراكم الإخفاقات السعودية من أجل إعادة تثبيت حضورها ونفوذها في المشهد الجنوبي.

وتقوم رؤيتها هذه على احتمالين، إما بالعودة المباشرة إلى المشهد نتيجة إخفاق الرياض، أو دفع السعودية إلى الاعتراف بعدم قدرتها على إدارة الجنوب منفردة، ومن ثم دعوتها مجدداً للمشاركة في احتواء الوضع وفق صيغة جديدة لتقاسم النفوذ والمصالح.

انعكاسات المشهد في الجنوب على صورة السياسة السعودية في اليمن

عند النظر إلى المشهد اليمني بصورة شاملة، شمالاً وجنوباً، يتضح أن السياسة السعودية تجاه اليمن أصبحت أكثر وضوحاً لغالبية اليمنيين، ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة القوى الموالية لها، يترسخ الاعتقاد بأن السعودية لا تستهدف معالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية بصورة جذرية، بقدر ما تسعى إلى إدارة المشهد السياسي والعسكري بما يضمن استمرار حالة الانقسام والهشاشة، باعتبارها أدوات تساعد على إدارة التوازنات المحلية وتعزيز النفوذ الخارجي.

ومن هذا المنظور، يرى مراقبون أن الأجندة السعودية لا تختلف جوهرياً عن الأجندة الإماراتية، وأن أحد عشر عاماً من الحرب والصراع أصبحت كافية لاستخلاص هذه الاستنتاجات.

أما في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء، فإن حالة السخط تجاه السعودية ظلت مرتفعة بصورة مستمرة، نتيجة مماطلتها في المضي نحو عملية سلام شاملة، واستمرار السياسات العدائية المرتبطة بالحصار، رغم مرور ما يقارب أربع سنوات على إعلان الهدنة.

الخلاصة

تشير المعطيات الحالية إلى أن السعودية تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على نفوذها في جنوب اليمن، بعد أن فقدت تأثيرها في الشمال، كما أن الصراع غير المعلن مع الإمارات، إلى جانب السياسات الاقتصادية والخدمية التي لم تحقق تحسناً ملموساً في حياة المواطنين، أسهما في تآكل مكانة الرياض داخل المحافظات الجنوبية.

وفي المقابل، تبدو الإمارات وكأنها نجحت في بناء نفوذ طويل الأمد في الجنوب يتجاوز الوجود العسكري المباشر، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات المحلية التي تمكنها من التأثير في الأحداث حتى بعد انسحابها الرسمي.

وبناءً على ما تكشفه التطورات الميدانية والشواهد السياسية الراهنة، فإن جنوب اليمن لا يزال ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين الرياض وأبوظبي، مايشير إلى أن الفترة القادمة ستشهد مزيد من التوتر والتصعيد. 

 

قد يعجبك ايضا