بين اغتيال هنية بطهران “سراً” ومحاولة الاغتيال في قطر “علناً”.. الاحتلال يُكرٍّس استباحة المنطقة كأمر واقع
خاص – المساء برس| تقرير: يحيى محمد الشرفي|
لم يعد خافياً على أحد بأن الاحتلال الإسرائيلي يسعى بشكل شبه يومي لفرض حالة الاستباحة العسكرية لدول المنطقة (العربية) تحديداً، ويريد فرضها وتكريسها كأمر واقع على شعوب وأنظمة هذه الدول القبول به والتعامل معه كحدث عادي جداً لا يستدعي من هذه الدول المستباحة ليس فقط الرد بالمثل الذي يعتبره الاحتلال جريمة كبيرة ترتكبها هذه الدولة أو تلك بل لا يستدعي من وجهة نظره (الاحتلال) التنديد والاستهجان بالبيانات الدبلوماسية والإعلامية.
ما حدث في العاصمة القطرية الدوحة مؤشر خطير جداً على سعي الاحتلال الإسرائيلي بالفعل إلى تكريس واقع جديد في الأمة العربية قائم على قيام إسرائيل باستباحة أي دولة عربية واستهدافها في أي وقت يريد، وهذه الاستباحة لا تُمارس على دول بعينها دون أخرى بل إنها قد تطال أيضاً دولاً عربية مصنفة على أنها دول صديقة أو شبه صديقة أو على أقل تقدير دول غير معادية للاحتلال الإسرائيلي كما هو الحال مع دولة قطر التي تعتبرها “إسرائيل الرسمية” دولة غير معادية لها.
توسيع الاستباحة تدريجياً
عندما اغتال الاحتلال الإسرائيلي رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس الشهيد اسماعيل هنية، أثناء ما كان يتواجد في العاصمة الإيرانية طهران، لم يعلن الاحتلال رسمياً ولم يعترف رسمياً بأنه هو من قام بتنفيذ عملية الاغتيال، صحيح أنه احتفل بالحدث وتفاعلت معه القيادات السياسية الإسرائيلية بما في ذلك رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو باعتباره إنجازاً إسرائيلياً، لكن لم يُصرّح الاحتلال أو يعترف رسمياً بأنه قام باغتيال هنية في طهران، ثم لاحقاً تكشفت الحقائق والتسريبات التي خرجت للصحافة الإسرائيلية والأمريكية بأن اغتيال إسرائيل لهنية تم عن طريق عملاء للاحتلال مزروعين داخل إيران، على الرغم من أن العلاقة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي هي علاقة عداء صريح وواضح وبينهما حالة حرب عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية.
أمام هذه الظروف وحالة العداء والحرب التي تحيط أو ترسم العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والجمهورية الإسلامية في إيران، فإن الاحتلال الإسرائيلي كان بالإمكان تنفيذ عملية اغتيال هنية عن طريق قصف مقر استضافته في طهران بالمقاتلات الإسرائيلية من الجو وهو ما يعني قيام الكيان باستباحة أجواء إيران وانتهاك السيادة الإيرانية، لكن ما حدث هو أن تم تنفيذ الاغتيال ثم تجاهل “إسرائيل الرسمية” هذا الاغتيال ولم تعترف به.
في حالة قطر أقدم الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ جريمة اغتيال لعدد من القيادات الفلسطينية السياسية التابعة لحركة حماس وهم قيادة الصف الأول وبينهم الوفد الرئيسي المفاوض أثناء ما كانوا متواجدين في دولة عربية كضيوف ويتمتعون بحماية هذه الدولة عوضاً عن كونهم يتمتعون بالحماية والحصانة التي يمنحها لهم القانون الدولي وينطبق عليهم ما كان ينطبق على الشهيد اسماعيل هنية في طهران، لكن في حالة قطر، أقدم الاحتلال الإسرائيلي على انتهاك السيادة القطرية بشكل معلن ومعترف به واستهداف دولة قطر وعاصمتها عسكرياً بغارات جوية أطلقت من عدد من المقاتلات الإسرائيلية التي اخترقت الأجواء القطرية وأعقبها إعلان رسمي من الاحتلال بقيامه بتنفيذ عملية قصف على دولة قطر طالت قيادة حركة حماس بهدف قتل هؤلاء القادة، وفي الوقت الذي كانت فيه هذه القيادات مُستضافة في دولة قطر التي تمارس دور الوسيط والمحايد بين الطرف الفلسطيني المستهدف وبين الطرف الإسرائيلي الذي قام بتنفيذ هذا الاغتيال، وفي الوقت الذي تعتبر فيه دولة قطر التي تم انتهاك سيادتها والاعتداء عليها هي دولة مُستضيفة لوفدي المفاوضات من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وأكثر من ذلك ترتكب إسرائيل هذه الجريمة وهذا الانتهاك والاستباحة ضد دولة الموقف الرسمي الإسرائيلي تجاهها هو أنها ليست فقط دولة محايدة بل دولة ليست معادية لـ”إسرائيل”، مع ذلك يتم استباحتها بهذه الطريقة وهذا الانتهاك دون مراعاة حتى لكونها دولة تقيم علاقات غير معلنة مع الاحتلال الإسرائيلي وتستضيف على أراضيها مكتب تنسيق للاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات طويلة.
ليس من الصعب على الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة استخباراته التي تراقب كل صغيرة وكبيرة في المنطقة وتتجسس على كل شيء أن تقوم باغتيال قيادة حركة حماس داخل العاصمة القطرية دون أن يقر الاحتلال رسمياً بتبنية عملية الاغتيال وربما قد يكون بإمكانة تنفيذ الجريمة دون أن ينتهك السيادة القطرية، لكنه في هذا العدوان أراد الاحتلال وتعمّد أن تتم عملية اغتيال الوفد الفلسطيني والقيادة السياسية لحماس بهذه الطريقة التي يُكرّس فيها الاحتلال أن بإمكانه استباحة أي دولة عربية صديقة أو معادية أو محايدة.
ما بين اغتيال هنية ومحاولة اغتيال الحيّة وجبارين ومشعل وغيرهم من قيادة الصف الأول السياسيين لحماس هناك توسّع تدريجي لانتهاكات الاحتلال واستباحته العسكرية والعدوانية على عدد من الدول العربية في المنطقة بما في ذلك دول أصبحت من الدول الصديقة للاحتلال كما هو الحال مع سوريا (الجولاني) التي تنحني للاحتلال خضوعاً وإذعاناً وتسعى جاهدة لنيل رضى بنيامين نتنياهو على حساب الأرض والعرض ومع ذلك لم تسلم سوريا من انتهاكات واعتداءات واستباحة الاحتلال الإسرائيلي سواءً باحتلال مناطق جديدة من الجنوب السوري والسيطرة على مساحات تفوق مساحة قطاع غزة بعشرات الأضعاف أو بالاستهداف العسكري بالقصف الجوي والبحري يستهدف عمق المدن السورية بما في ذلك العاصمة والمقرات السيادية السورية، وقبل ذلك هناك الاعتداءات الإسرائيلية على المدن اللبنانية من الجنوب وحتى الشمال بما في ذلك العاصمة حتى مع وجود قيادة لبنانية يمكن اعتبارها بأنها أقرب للأمريكي والإسرائيلي منها للمقاومة اللبنانية وحزب الله.
تحذير مبكّر للحوثي مما حدث في قطر
أواخر العام الماضي كان زعيم أنصار الله عبدالملك الحوثي، قد حذر الدول العربية من أن العدو الإسرائيلي لا يسعى فقط للنيل من قطاع غزة والقضاء على المقاومة الفلسطينية واللبنانية والقضاء على أي شكل من أشكال المقاومة التي تواجه مخططه الصهيوني الاستباحي والتوسعي والاحتلالي للمنطقة العربية وفرض هيمنته الواسعة السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى السيادية على شعوب ودول المنطقة، بل إن العدو الإسرائيلي يسعى لفرض الاستباحة على أي بلد عربي أو إسلامي في أي وقت يريد ويستهدف من يشاء وكيفما يشاء من دون أن يرد عليه أحد، بل ويجرّم من يريد الردّ على ما يمارسه من استباحة ويستهدفه إعلامياً ودبلوماسياً ويوظف المجتمع الدولي بأكمله لمحاربة هذا البلد أو ذاك إذا ما رفض القبول بأن تستبيح إسرائيل سيادته.
يقول الحوثي في خطابه في الـ26 من ديسمبر 2024، “الأمريكي والإسرائيلي يسعون بالفعل إلى ترسيخ وتثبيت معادلة الاستباحة لأمتنا، أن تكون أمةً مستباحةً في كل بلدانها دون رد فعل، وإذا صدر رد فعلٍ من أحد، فيتَّهم، ويحارب، ويعتدى عليه، ويواجه من الجميع، الحملات الإعلامية، واللوم الشديد، الدعايات توجه ضده، العمل العدواني، الاستهداف العسكري والأمني يوجَّه ضده، ويجرَّم فيما يفعله، وهذا شيءٌ مؤسفٌ جداً! يراد للأنظمة في العالم العربي والإسلامي، بعد أن يُجزأ ويقسَّم، أن تكون أنظمة شكلية، لكنَّ دورها الفاعل يكون في تنفيذ الأجندة الأمريكية والإسرائيلية.”، وهذا بالفعل ما قام به اليوم الاحتلال الإسرائيلي وجسّده عملياً في دوحة قطر.