الباحث السياسي الفلسطيني صالح أبو عزة: النظام السعودي يتقرب من “إسرائيل” ويحقق أمنياتها برفضه وقف العدوان على اليمن
وما يسطرون – المساء برس .. صالح أبو عزة|
حوار اجراه موقع عرب جورنال
صنعاء أقامت الحجة على الرياض بعد رفضها للسلام، والصبر اليمني قد بلغ مداه إزاء قيام السعودية بالتراجع عن التزامها بمخرجات خارطة الطريق.
النظام السعودي لا يملك الحصافة والحكمة السياسية لتدارك الخسائر قبل وقوعها، وهو ما يجعله اليوم يحتاج إلى خسائر مؤلمة واستراتيجية حتى يعدل في سياساته.
النظام السعودي يتقرب من “إسرائيل” ويحقق أمنياتها برفضه وقف العدوان على اليمن، حيث يواجه أعداء الكيان نيابة عنه.
أرامكو، درة تاج الذهب الإيرادي للموازنة السعودية، ربما تصبح هذه الدجاجة التي تبيض ذهبا دجاجة عاجزة عن البيض أصلا، إذا استمرت الضربات اليمنية.
محور المقاومة مشروع للنهضة الإسلامية في مواجهة الاستعمار الصهيوني الغربي، واليمن وإيران تقودانه لإنهاء الهيمنة.
الولايات المتحدة تدعم تحالفات المنطقة ونقل الأعباء الأمنية لوكلائها لضمان إخضاع المنطقة وبقائها تحت المظلة الأمريكية.
طوفان الأقصى شكل لحظة تاريخية مفصلية والخسائر في الساحات عُوضت بالإسناد اليمني والإيراني ضمن مخاض التغيير المستمر.
لا يمكن لأي دولة عربية أن تقف اليوم على الحياد؛ فهنالك خياران: إما أن تكون مع المقاومة، أو أن تكون مع نهج الإبادة.
“إسرائيل” لم تنكمش استيطانياً بل تسعى للسيطرة على الضفة الغربية وإعادة الاستيطان في غزة وجنوب لبنان وسوريا.
=================================================
_ كيف تقرأون مسار التطورات في اليمن مع استمرار التعنت السعودي ورفضه رفع الحصار ووقف العدوان على البلد؟ وكيف تقيمون أداء القوات المسلحة اليمنية في هذه المواجهة مع نجاحها في فرض معادلاتها العسكرية من خلال الحصار الخانق على الملاحة البحرية والجوية السعودية من جهة وتقدماتها الميدانية في الداخل من جهة أخرى؟ وأي نصيحة توجهونها للنظام السعودي الذي ما زال يمضي باتجاه التصعيد ويحشد التحالفات والمرتزقة لشن عدوان واسع على اليمن بدلاً من التوجه نحو تنفيذ المطالب اليمنية المشروعة والمتمثلة بوقف العدوان ورفع الحصار والكف عن التدخل في شؤون اليمنيين؟ وأي عواقب خطيرة ومتوقعة في حال استمرت الرياض في ممارسة هذا النهج العدائي ضد الشعب اليمني وقامت بدفع دول إقليمية للمشاركة في عدوانها على اليمن؟
لا شك أن الصبر اليمني قد بلغ مداه إزاء قيام السعودية بالتراجع عن التزامها بمخرجات خارطة الطريق والتي تنص بشكل واضح على رفع الحصار عن اليمن. صبرت صنعاء على تراجع السعودية عن تنفيذ هذا الاتفاق لأسباب متعلقة بأنها زامنت الفترة التي قررت فيها صنعاء إسناد قطاع غزة أمام الإبادة الجماعية الإسرائيلية الأمريكية، فلذا كان هنالك أولوية للقيادة في صنعاء بالذهاب إلى تسخير كافة الإمكانيات الإعلامية والمادية والعسكرية والسياسية وغيرها للوقوف إلى جانب أشقاهم الفلسطينيين، وربطت إسنادها بوقف الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
ولكن منذ أكتوبر 2025، ومع توقف الإبادة الجماعية بشكلها العالي – إذ نعتبر كفلسطينيين بأن هنالك انتقالا في موجة الإبادة الجماعية وطريقتها من مستويات عليا شهدتها منذ 7 أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2025 إلى مستويات متدنية تمارسها “إسرائيل” بحق القطاع – فلذا مع توقف الإسناد اليمني جراء انتهاء حرب الإبادة الجماعية الموسعة، ذهبت صنعاء للانشغال بأمورها الداخلية والمتعلقة بأن هنالك حصارا سعوديا يمارس ضد الموانئ والمطارات اليمنية، هذا الحصار الذي أدى خلال سنوات امتدت إلى اثني عشر عاما إلى استشهاد ما يقارب مليون وأربعمائة ألف يمني.
ووجه السيد عبد الملك الحوثي تحذيراته وتنبيهاته للنظام السعودي في معرض إقامة الحجة على السعودية بأن تذهب إلى السلام وأن تذهب إلى مد يد الإخاء مع اليمن، إلى أن النظام السعودي بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان ضرب بعرض الحائط اليد اليمنية الممدودة للسلام والدعوة اليمنية لتنفيذ خارطة الطريق. هذا التعنت السعودي كان له عدد من الأسباب والمرجعيات والخلفيات، وأهم هذا التعنت هو روح الثأر والانتقامية التي يوصف بها أفراد العائلة المالكة في السعودية؛ بمعنى ليس لديهم طريقة سياسية حكيمة لمحاولة تجاوز الخلافات مع الجيران. ربما رأينا سلوكها المتعنت مع قطر، رأينا سلوكها المتعنت مع الإمارات، رأينا سلوكها تجاه الفلسطينيين وطريقة التعامل ما بعد 7 أكتوبر وحتى ما قبل7 أكتوبر. فلذا هذه الروح الانتقامية التي يتمتع بها بن سلمان والعائلة الحاكمة تجعلهم يحتاجون إلى خسائر مؤلمة واستراتيجية حتى يعدلوا في سياساتهم، بمعنى أنه ليس لديهم الحصافة السياسية والحكمة السياسية لتدارك الخسائر قبل وقوعها، فهذه نقطة في إدارة السياسة الخارجية السعودية.
والسبب الثاني في هذا التعنت هو أعتقد أن هذا الملف يقربهم من إسرائيل أكثر. اليمن عدو لـ”إسرائيل”، اليمن شارك في الإسناد لغزة، فلذا هنالك خصومة كبيرة وعداوة كبيرة تنظر بها “إسرائيل” إلى صنعاء والقوات المسلحة اليمنية، فلذا يظهر بن سلمان وكأنه يحقق الأمنية الإسرائيلية بأن تكون أياد غير إسرائيلية هي التي تواجه أعداء “إسرائيل” بدلا من “إسرائيل” مباشرة، أي أن النظام السعودي يعتدي على اليمن نيابة عن “إسرائيل”.
وهذا يكشف المسارعة الإسرائيلية في إدانة الهجمات اليمنية تجاه السعودية وفي إعلان أنها تقف إلى جانب الرياض في مواجهة صنعاء، وأن صنعاء هي عدو مشترك للرياض و”تل أبيب”، وأن “إسرائيل” مستعدة لتقديم الخدمات اللوجستية في دعم العدوان على اليمن.
والسبب الثالث هو الموقف الأمريكي. الموقف الأمريكي ليس داعما للمصالحة السعودية اليمنية، وإنما ربما يكون له يد كبيرة ومؤثرة في دعم السعودية في قرار تجديد العدوان على اليمن.
هذا من جانب. ومن الجانب اليمني أعتقد أن هذا التعنت تواجهه صنعاء بمسارين أساسيين:
المسار الأول هو المسار السياسي والدبلوماسي؛ حيث تعلن بأنها على استعداد لوقف هجماتها وفك الحصار الذي فرضته منذ سبتمبر على السعودية جراء معادلة الحصار بالحصار، ولكن مقابل حل سياسي عادل للمسألة اليمنية متعلق بأن تقوم السعودية بكافة التزاماتها وأن ترفع الحصار بشكل شامل ونهائي عن اليمن. هذا المسار الأول، فلذا تتعاطى القيادة اليمنية مع أي وساطات ضمن هذه القاعدة الأساسية.
والثاني هو المسار العسكري. المسار العسكري ينقسم أيضا إلى قسمين أساسيين ومركزيين:
القسم الأول هو مسار تحرر وطني في بعض الجبهات في بعض المحافظات اليمنية الخاضعة للوصاية السعودية والقوات الموالية والميليشيات الموالية للسعودية. فلذا نرى هذا التقدم الكبير الذي انجزته صنعاء في فترة زمنية قصيرة عسكريا في تحرير كامل الساحل الغربي وصولا إلى باب المندب، لتحرير ما يقارب 98% من محافظة تعز، والمرجح أيضا أن تستكمل عملية التحرير لتشمل كامل مدينة تعز. وبذلك يسقط أحد حصون أو المناطق التي تحصنت فيها السعودية وميليشياتها على عكس رغبة الشعب اليمني الموجود في تعز والحجرية وذباب والمخا وغيرها من هذه المناطق التي كانت محتلة من السعودية وميليشياتها وخاضعة لوصايتها.
والقسم الثاني الأساسي في المسار العسكري هو تدفيع السعودية أثمان عدوانها على اليمن عبر الاستهدافات المباشرة لحقول الطاقة وحقول النفط ومنشآتها وغيره وصولا إلى المطارات، وخاصة مطار الملك خالد في الرياض، ضمن معادلة تحصين العاصمة بالعاصمة والمدنيين اليمنيين مقابل المنشآت النفطية السعودية واستمرار العدوان. معنى ذلك أن أرامكو، درة تاج الذهب الإيرادي للموازنة السعودية، ربما تصبح هذه الدجاجة التي تبيض ذهبا دجاجة عاجزة عن البيض أصلا، ناهيك عن بيض الذهب إذا استمرت الضربات اليمنية.
_ بالعودة للقاء الذي جمع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الإماراتي محمد بن زايد في أبوظبي، بمشاركة مسؤولين وممثلين عن دول عربية من بينها السعودية الشهر الماضي؛ كيف تقرؤون الأبعاد والدوافع الجيوسياسية المباشرة وغير المباشرة لتوقيت هذا اللقاء ومكان انعقاده؟ وما هي الخلفيات التي دفعت هذه الأطراف العربية للمشاركة في اجتماع على هذا المستوى العالي؟ وهل يمكن ربط هذا التحرك الميداني بالتصعيد الإقليمي والعدوان على اليمن والمواجهة مع إيران والتطورات في مضيقي هرمز وباب المندب والأحداث المتسارعة في القرن الأفريقي؟ وهل يمثل هذا الاجتماع مؤشراً ودليلاً علمياً على انتقال التعاون والتنسيق بين الكيان وهذه الأطراف الإقليمية إلى مستوى جديد من التحالف العسكري والأمني الموجه ضد القوى المناهضة للهيمنة الأمريكية الصهيونية في المنطقة؟
الواضح أن “إسرائيل”، وخاصة نتنياهو، لديه مشروع في المنطقة يقوم ضمن عنوانين أساسيين؛ العنوان الأول هو تغيير الشرق الأوسط، وتغيير الشرق الأوسط يعني هدم الدول والقوى المقاومة لمشروع الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية. وهنا نشير بالحرب المتنقلة والمتغيرة باتجاه الجمهورية الإسلامية في إيران والجمهورية اليمنية كدولتين من دول محور المقاومة، وتجاه حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وتجاه حزب الله في لبنان، وتجاه المقاومة الإسلامية في العراق.
تلتقي في أجزاء من هذا الحلم حول تغيير الشرق الأوسط وصناعة شرق أوسط جديد خالي من قوى المقاومة للإمبريالية والصهيونية مع رغبات الإمارات التي ترى بأنها حرب ضد الإسلام السياسي، ورغبات السعودية للقضاء على عدو تجده عدوا تاريخيا في اليمن لإعادة فرض الوصاية مجددا على كامل الأراضي اليمنية وإخضاع اليمن لمعادلة أن تكون الحديقة الخلفية الدائمة للسعودية. هذه الرغبات لدى هذه الأطراف تجعلهم في قائمة واحدة ضد أعداء مشتركين متمثلين بمحور المقاومة.
وهنا خطأ تاريخي ترتكبه السعودية والإمارات وعدد من الدول العربية بالتحالف مع “إسرائيل” ضد مشاريع النهضة للأمة العربية والإسلامية؛ لأن محور المقاومة يمثل مشروعا للنهضة الإسلامية في مقابل مشروع الاستعمار الصهيوني الأمبريالي الغربي في المنطقة. هذه السياسة يحاول نتنياهو قدر الإمكان استغلالها لدى هذه الدول، وبوجود مشروع تغيير الشرق الأوسط الجديد الذي يمهد في نهاية المطاف وفي الفكر الصهيوني لإقامة إسرائيل الكبرى والتسيد على هذه المنطقة من النيل إلى الفرات ومن العراق إلى مصر.
تعقد من أجل ذلك تحالفات في المنطقة؛ فهنالك تحالف واضح ما بين الإمارات و”إسرائيل” من جانب، وهنالك رغبة إسرائيلية في نقل مستويات التعاون الإسرائيلي السعودي إلى مستويات أعلى تشمل التطبيع والتعاون العسكري الواسع وغيره. وهذا يتسق مع مشروع أمريكي أساسي وهو نقل الأعباء الأمنية لوكلائها في كل منطقة لتتفرغ لمشاريع أكبر؛ بمعنى تؤيد الولايات المتحدة هذه المشاركات وهذه التحالفات التي تقوم في المنطقة – وخاصة إذا كانت هذه التحالفات مع “إسرائيل” – على أن توجّه كل هذه التحالفات ضد أعداء الولايات المتحدة من جانب، وتضمن هذه التحالفات إخضاع هذه المنطقة للولايات المتحدة وابقاءها تحت المظلة الأمريكية، وثالثا ضمان المصالح الأمريكية نيابة عن القوات الأمريكية. فهذا المسار تدعمه الولايات المتحدة بشدة.
_ مع مرور 3 أعوام كاملة على اندلاع عملية طوفان الأقصى، كيف ترون حجم الانعكاسات الجذرية التي خلفتها هذه المحطة الفاصلة على واقع الأمة العربية والإسلامية وتأثيراتها على محاولات إعادة ترسيم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط؟ وكيف نجح الثبات الأسطوري لقطاع غزة وبطولات المقاومة في إرساء قواعد ردع مستحدثة نسفت الحسابات الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي ومن خلفه قوى الدعم الغربي؟ إلى جانب ذلك، ما هو تقييمكم للأبعاد الاستراتيجية والنوعية لساحات الإسناد والمواجهة في كل من اليمن، لبنان، العراق، وإيران، وكيف ساهمت استراتيجية وحدة الجبهات في صياغة قواعد اشتباك إقليمية غير مسبوقة؟
طوفان الأقصى والسابع من أكتوبر شكل لحظة تاريخية مفصلية في تاريخ الأمة، وأصبحنا نطبَع كلمة “ما قبل السابع من أكتوبر وما بعد السابع من أكتوبر”. السابع من أكتوبر الذي بدأ في غزة ولكنه حط رحاله في كافة المنطقة، فهنالك تغيير جوهري في المنطقة.
غزة دفعت أثمانا كبيرة خلال هذه الحرب، وربما تعرضت لخسائر بشرية ومادية ضخمة. كذلك في لبنان، هنالك جزء من الخسارات المتعلقة بالأراضي والمتعلقة بالقدرات وغيره، ولكن هنالك عملية مستمرة -خاصة في لبنان- لمحاولة تجاوز الآثار الماضية والابقاء على مشروع المقاومة قائما، كذلك في غزة للحظات مفصلية أخرى تستعيد فيها المقاومة زمام المبادرة.
ولكن هذه الخسائر التي وقعت في بعض الساحات، باعتقادي أنها عُوّضت بالإسناد اليمني والإيراني؛ بمعنى أنه لا يمكن أن ننظر إلى المنطقة بمعيار وطني أو بمعيار محلي، أو أن نتناول الملف الفلسطيني حصرا. حينها سنتحدث فقط عن الخسائر البشرية الضخمة (ربع مليون فلسطيني بين شهيد وجريح خلال ثلاث سنوات، ربع مليون من أساس سبعة مليون فلسطيني متواجدين في كامل الأرض الفلسطينية، وهذا رقم ضخم).
وحينما نتحدث عن احتلالات جديدة في جنوب لبنان، إذا ما تناولنا الملف اللبناني حقا فهذه خسائر، ولكنها يجب أن يُنظر إليها ضمن المنظور العام لما يحصل من تغييرات في المنطقة، وخاصة على أطراف حليفة للبنان وفلسطين حينما نشير إلى اليمن والعراق وإيران، وخاصة جبهتي اليمن وإيران؛ هاتين الجبهتين اللتان تحاولان إنجاح مشروع محور المقاومة في القضاء على الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية في المنطقة.
فلذا ما زلنا حتى هذه اللحظة، رغم مرور ثلاث سنوات، نحن في مخاض التغيير، وهذا المخاض هو مخاض ولادة، والآلام فيها آلام كثيرة وأوجاع كثيرة وتضحيات كثيرة، ولكن في نهاية المطاف -في نهاية هذا المخاض- سنشهد هذا التغيير. هذا التغيير ينظر إليه على مديات متوسطة وبعيدة حول تأثير طوفان الأقصى وتأثير إسناد غزة وتأثير المعارك التي حصلت ما بعد سبعة أكتوبر إلى التغيير الذي يطمح إليه محور المقاومة.
وأعتقد -استشرافا- أننا سنصل في نهاية المطاف إلى الهدف الأساسي لهذه المعركة الكبرى؛ حيث تتحقق أهداف محور المقاومة وتُكسر أهداف الحلف الإسرائيلي الأمريكي. فلذا علينا أن ننظر حينما نتناول السابع من أكتوبر بصورة عامة أولا، وأننا ما زلنا في مرحلة المخاض ولم نصل إلى خط النهاية حتى نرى النتائج المرجوة.
وأعتقد أن هنالك بعض الأطراف والنخب تحاول استعجال هذه النتائج بالحديث عن الخسارة بحكم ما تعرضت له غزة من تدمير وجنوب لبنان من احتلال وغيره، وأعتقد أن هذا فهْم قاصر لهذه المعركة الكبرى؛ لأنه يجب النظر إلى أن هذه معركة محورية، ونحن أمام نقطة تاريخية للانتقال من مربع إلى مربع، ومن سياسة إلى سياسة، ومن أهداف إلى أهداف. فلذا نحن ما زلنا في المرحلة الانتقالية التي سنصل في نهايتها إلى تحقيق الأهداف بإذن الله تعالى.
_ كيف تنظرون إلى التصعيد الإسرائيلي الواسع في الضفة الغربية المحتلة؟ وهل هو مقدمة لشن عملية هجومية عدوانية واسعة مشابهة لما حدث في قطاع غزة في ظل المعطيات على الأرض وما نسمعه من تصريحات تصعيدية على لسان مسؤولي الاحتلال؟ وهل تعتقدون أن الكيان المحتل يمضي بشكل صريح لتمرير مخططات الضم والتهجير للشعب الفلسطيني من كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة وغير المحتلة؟ وما التداعيات الخطيرة لهذه العملية، إن حدثت، على الداخل الفلسطيني من جهة، وعلى الجوار العربي من جهة أخرى؟ وما تعليقكم على التطورات المتعلقة بغزة في ظل استمرار الكيان في خرق اتفاق وقف إطلاق النار؟
في “إسرائيل” -وبناءً على النتائج الداخلية التي حصلت داخل فلسطين المحتلة- ينظرون بأنهم أمام لحظة يمكنهم فيها التوسع داخل الضفة الغربية، والدين الأكبر المتعلق بما يسمى “يهودا والسامرة”، حيث يُنظر إلى الاستيطان كقيمة صهيونية وقيمة أمنية في ذات الوقت.
وهذه الحكومة -التي أُنشئت وعُقد ائتلافها أواخر عام 2022 لنتائج انتخابات الكنيست الأخيرة- سمّت نفسها بأنها حكومة الاستيطان وحكومة التوسع الاستيطاني؛ فلذا نرى منجزات -بين قوسين- في هذا الجانب حققتها في الضفة الغربية أمام عدم تحرك عربي وإاسلامي رسمي حول هذا الملف. وهنالك سيطرة كبيرة على الأراضي الفلسطينية في الضفة؛ فالضفة بالمناسبة مساحتها الجغرافية تعادل ثلاثة عشر ضعفا أو خمسة عشر ضعفا لقطاع غزة أو أكثر (نحن نتحدث عن غزة بمساحة ثلاثمائة وستين كيلومترا، ولكن الضفة أكثر من خمسة آلاف كيلومتر)، والإسرائيلي الآن يسيطر على أكثر من سبعين بالمئة من الضفة الغربية ويسعى لمزيد من الاستيطان وغيره.
وهنالك توسع في هذا المشروع، وتوسع في مفهوم تهجير الفلسطينيين، وتوسع في مفهوم السيطرة على الأرض، وتوسع في مفهوم زيادة عدد المستوطنين في الضفة الغربية وغيره؛ فلذا هنالك نشاط محموم لإسرائيل حول هذا الملف. بالإضافة إلى أن هنالك مؤسسات استيطانية تحاول إقناع الحكومة والذهاب إلى أبعد من الضفة الغربية بإعادة الاستيطان في بعض المناطق في قطاع غزة، وفي بعض المناطق في جنوب لبنان، وفي بعض المناطق أيضا في جنوب سوريا.
فلذا إسرائيل حتى هذه اللحظة لم تنكمش استيطانياً بنظرة أن مشروعها الاستيطاني قد هزم، على العكس، هي ترى بأنه يجب التقدم في هذا المسار. فلذا لماذا نرى بأن هنالك ضرورة لعقد هذا التحالف بين قوى المقاومة وتنسيق المواقف وغيره؟ لأن “إسرائيل” لن يردعها للانكماش والتراجع سوى الفعل المقاوم وخاصة الفعل العسكري، في ظل فشل مشاريع التطبيع مع “إسرائيل” مقابل الأرض.
“إسرائيل” تجاوزت منذ زمن بعيد فكرة السلام مقابل الأرض، وهي تتحدث عن السلام مقابل السلام، والسلام مقابل الأمن، ولا تتحدث أبدا عن فكرة أن نخلي بعض المناطق العربية في مقابل أن تقوم أنظمة عربية بالتطبيع معنا. والسبب في ذلك أن الأنظمة العربية -وإن تبنت بعض الشعارات المزيفة والمضللة لغايات الضحك على شعوبها وغيره- إلا أنها ما زالت تذهب باتجاه عدم الاكتراث بما تقوم به “إسرائيل” وإقامة علاقات معها على قاعدة السلام مقابل السلام. وحتى “إسرائيل” ذهبت أبعد من هذه النقطة إلى تعبير “السلام من خلال القوة”، يعني دفع الأنظمة بالخوف لإقامة العلاقات معها.
فنحن أمام إسرائيل التي ما زالت مؤمنة بأنها باستطاعتها أن تغير الشرق الأوسط، وباستطاعتها أن تتوسع استيطانياً وإحلالياً واستعمارياً، وباستطاعتها أن تحتفظ بالأراضي التي احتلتها في فلسطين ولبنان وسوريا وغيره. إلا أن هذا يعيدنا إلى الفكرة الأساسية حول طوفان الأقصى، وفكرة أننا ما زلنا في مرحلة المزاحمة على نتائج هذا الطوفان الذي ستمتد آثاره لسنوات وسنوات مقبلة بين مشروعين: مشروع طوفان الأقصى، ومشروع الإبادة الجماعية.
لا يمكن لهذه المنطقة أن تكون في المنتصف ومنتصف المحاور، بمعنى أن تقف دولة عربية على موقف الحياد من ذلك؛ فهنالك خياران: إما أن تكون مع المقاومة، أو أن تكون مع نهج الإبادة الذي تمارسه “إسرائيل” ومن خلفها الولايات المتحدة واللوبيات والجماعات والأفراد الذين يؤيدون “إسرائيل”.
عرب جورنال