سيكولوجية العدوان السعودي والجوانب النفسية في قرار التصعيد الخاسر ضد اليمن

ومايسطرون _ زكريا الشرعبي|

قبل 12 عاما انطلق قرار العدوان السعودي على اليمن من افتراض سهولة الحسم وسرعته عبر التفوق الجوي في مقابل التفكك الداخلي اليمني ووجود أحزاب مرتزقة في اليمن وعملية استقطاب واسعة للقتال لصالح السعودية، إلى جانب حالة الضعف التي كانت تعانيها الدولة اليمنية في المجال العسكري، غير أن هذه الحرب سرعان ما تحولت إلى مأزق للرياض كان يجدر بها أن تراجع حساباتها وتوازن بين الكُلفة والعائد فهي لم تعد فقط حرب استنزاف لقواتها في الداخل اليمني ولكن باتت تمس عصب الوجود الاقتصادي المتمثل في النفط والاستقرار الأمني.

ورغم أن السعودية حصلت على فرصة لخفض التصعيد بدأت في العام 2022م وامتدت حتى 2026م إلا أنها لم تنتهز هذه الفرصة بالرغم من أنها جاءت حينها عقب إثبات القوات المسلحة اليمنية لصمودها الميداني في مقابل ما يعرف بالانحدار الحتمي للهجوم لدى السعودية وحلفاءها، وهي حالة نتجت عن تكيف المدافع وبناء استراتيجيات عسكرية وقدرات أسقطت عناصر التفوق الهجومي واستهدفت مراكز ثقله وصولا إلى حالة الانقضاض عليه في عدد من الجبهات المهمة وإعادة المهاجمين إلى نقطة الصفر كما حدث في محور كتاف-البقع والملاحيط وكذلك جبهات نهم ومأرب والجوف والبيضاء.

مع ذلك عادت السعودية إلى التصعيد مجددا حيث قصفت مطار صنعاء لمنع محاولة كسر الحصار الذي تفرضه على اليمن كما استهدفت مناطق بعدد من الغارات الجوية محافظة الحديدة، بالتزامن مع إعدادها لقوات عسكرية من أجل عمليات هجومية برية، وقبل ذلك تشديد الحصار على اليمن.

منطقيا لا يمكن تفسير السلوك السعودي بحساب الكُلفة والعائد، فخلال عامين منذ طوفان الأقصى أثبت اليمن قدرات عسكرية غير عادية من حيث المدى والفاعلية، وفي مواجهة قوى كبرى ، فقد واجه 5 حاملات طائرات أمريكية وطردها من البحر وانتهى العدوان الأمريكي الأمريكي بالفشل في جولتين في عهد ترامب وبايدن وخرج الأمريكيون أنفسهم بتصورات تؤكد فشل التعامل عسكريا مع اليمن بل وتسجيل اليمن مفاجآت من بينها استخدام صواريخ باليستية لإصابة أهداف متحركة، وتفوقهم في التكتيكات على الأساطيل الأمريكية، كما لا يختلف الأمر ذاته مع الكيان الصهيوني حيث فرض اليمن حظرا شاملا على الملاحة الإسرائيلية وتم تعطيل ميناء أم الرشراش، كما تم تنفيذ عمليات مكثفة استهدفت العمق الصهيوني وتجاوزت الصواريخ اليمنية منظومات حيتس وثاد.

كان يجدر بالنظام السعودي أن يأخذ هذا بالاعتبار، فسقوط مظلة الحماية الأمريكية وتخلي واشنطن عن هدفها في حماية الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، إقرارا بقوة اليمن، كان من شأنه أن يوصل رسالة أن السعودية لن تكون في حسابات واشنطن أثقل من الصهيونية

الإدارك وسوء الفهم في السياسة الدولية:

يمثل الإدراك عنصرا رئيسيا في تشكيل السياسة الدولية وصناعة القرارات، وهو أساس في الحرب، يقول صن تزو: : “إذا كنت تعرف عدوك وتعرف نفسك، فلن تخشى نتيجة مائة معركة. وإذا كنت تعرف نفسك ولا تعرف عدوك، فسوف تعاني من الهزيمة مع كل انتصار تحققه. وإذا كنت لا تعرف عدوك ولا تعرف نفسك، فسوف تستسلم في كل معركة”.

ويستند صناع القرار عند صياغة الإدراكات إلى مخزون من الأحداث التاريخية والتجارب الشخصية، إضافة إلى الدراسات المؤسسية والمعلومات الاستخباراتية، ما يوفر خارطة ذهنية لتفسيرهم للأحداث واتخاذ القرارات بشأنها، غير أنه ليس كل عملية إدراك قد تبنى على المعلومة الواقعية وتكون خالية من التحيزات المعرفية والسلوكية، الأمر الذي يجعل من المهم التركيز على إدراك القادة والبيئة النفسية لصانع القرار في مقابل النظريات التي تركز على توزيع القوة في النظام الدولي أو الخيارات العامة التي يحددها هيكل هذا النظام.

وتأتي التحيزات المعرفية التي تؤثر على صانع القرار من عدد من المؤثرات النفسية خصوصا عندما يكون القرار مرتبطا بشخص واحد على رأس نظام ديكتاتوري كما هو الحال في السعودية، ومن ضمن هذه المؤثرات ما ذكره روبرت جيرفس في كتابه الإدارك وسوء الفهم في السياسة الدولية والذي يضع مقاربة نظرية مهمة للعوامل النفسية على صناعة القرار.

1-الاستدلال الإرشادي

يعرف الاستدلال الإرشادي بكونه اختصارا ذهنيا يستخدمه الأفراد لتبسيط عملية اتخاذ القرار، حيث يتم توظيف الحالة المزاجية أو الاستجابة الانفعالية الآنية الناتجة عن المثير كمعيار كاف لترجيح خيار معين بعيدا عن التحليل المقارن المفصل للخصائص الوظيفية والمادية للبديل.

وبناء على هذا كان التعامل السعودي مع اليمن بناء على صورة ذهنية مسبقة بأن اليمن المستقل يمثل تهديدا للسعودية وهو ما شكل السياسة السعودية على مدى عقود تجاه اليمن، وأضيف إلى ذلك لاحقا تصورات ذهنية غير صحيحة تشكلت لدى الرياض تقوم على ربط التحركات اليمنية بإيران، ولذلك ذهبت السعودية لتوقيع اتفاقية بكين مع إيران متصورة أن هذه الاتفاقية ستحل مشكلتها مع اليمن.

إرشادية التوافر:

وهو اختصار ذهني أو “خلفية معرفية” يعتمد فيها العقل البشري على سرعة وتفشي تذكر أمثلة أو معلومات معينة لإصدار أحكام وتقييم مدى تكرار أو احتمالية حدوث أمر ما، فعندما يطلب منك تقييم خطر أو اتخاذ قرار، لا يقوم عقلك بالبحث في كل الإحصائيات الواقعية؛ وإنما يبحث “أقرب درج” في الذاكرة، والأشياء التي تقبع في هذا الدرج وتظهر سريعاً هي عادةً.

وقد بينت التطورات الأخيرة وقوع السعودية في هذه المعضلة، حيث ترى إمكانية تكرار ما حدث في سوريا في اليمن، وينقل عن محمد بن سلمان أنه نقل إلى ترامب حديثا أن إيران فقدت نفوذها في سوريا ولبنان ولم يتبق سوى العراق واليمن، وهو ما يعكس نمطا من التعميم بدون الخصائص الواقعية لكل طرف، بل إنه تصور قائم على أن إيران قد ضعفت بعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي وسينعكس هذا على حلفاء إيران.

تأثير الارتساء:

وهو تحيز معرفي ونفسي يميل فيه العقل البشري إلى الاعتماد المفرط على أول معلومة يتلقاها (والتي تُسمى “المرساة”) عند اتخاذ القرارات أو إجراء التقديرات، حتى وإن كانت تلك المعلومة غير منطقية أو لا علاقة لها بالموضوع.

ويبرز هذا التأُثير بالنسبة للقرار السعودي في عدد من الجوانب التي قادت إلى سلوك التصعيد الأخير .

لقد نظر النظام السعودي إلى أن مشكلة الفشل في اليمن تكمن في تفكك الأطراف التابعة له وفي وجود الإمارات كحليف له في العدوان على اليمن وإنشاءها لتشكيلات عسكرية في المحافظات الجنوبية ومديريات الساحل الغربي، وعليه قام بإنشاء هياكل قوة جديدة مثل قوات درع الوطن وقوات الطوارئ السلفية، وكان يبني وفقا للتقديرات الأولية على أن احتلال الإمارات لمناطق شاسعة من اليمن إنما هو لأنها اعتمدت على تشكيلات أنشأتها بعيدا عن الهياكل الرسمية للحكومة العميلة، وعليه فقد أجرى تغييرات محورية بدأت أولا بعزل عبدربه منصور هادي وتعيين رشاد العليمي، وثم طرد الإمارات من التحالف، ثم تشكيل قيادة مشتركة وصلت إلى الإشراف المباشر على بصمات الجنود ورواتبهم.

إن انتصار القوات المسلحة اليمنية بنظر السعودي لم تكن إلا لأن خصومها مفككين من دون دراسة واقعية لعوامل الانتصارات، بل وصل الأمر إلى البناء على معطيات بأن هناك حالة تفكك وانهيار وضعف وهي شائعات تناقلتها وسائل إعلام كنوع من الدعاية لكنها تحولت إلى معطيات لاتخاذ القرار.

كان هذا أحد الجوانب، أما الجانب الآخر فكانت التقديرات السعودية بأن اليمن أصبح بعد المعركة مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني خلال إسناد غزة مُستنزفا في قدراته العسكرية، وعليه فإن اليمن أصبح ضعيفا وسيكون الحسم بسهولة.

الانحياز التأكيدي والتنافر المعرفي:

يتظافر عامل الانحياز التأكيدي مع عامل الارتساء حيث يحبذ الأفراد المعلومات التي تعزز معتقداتهم المسبقة و يتجاهل القادة والمسؤولون الأدلة التي تتعارض مع توجهاتهم، مما يرسخ مواقفهم الأصلية، ويعد هذا شائعا في سلوك النظام السعودي بشكل عام تجاه اليمن والمنطقة حيث هناك انتقائية في المعلومات، وقد رصدنا خلال احتدام المواجهات شهادات تؤكد أن السعودية كانت تتلقى معلومات بأن الوضع الميداني للقوات التابعة لها فوق الجيد، وكانت هذه تقارير إعلامية، لكن التفسيرات التي ستأتي لاحقا ستبين لماذا يلعب هذا المؤثر دورا كبيرا

وفي مقابل الانحياز التأكيدي يأتي التنافر المعرفي فبعد إدراك خطأ التقارير والمعلومات التي تم الاعتماد عليها مسبقا، يميل صاحب القرار إلى رفض الحقائق ويبحث عن تفسيرات أخرى، وهو ما ظهر بعد تحرير مديريات الساحل الغربي حيث بدأ الإعلام السعودي يفسر أسباب الانهيار بالخيانات.

مغالطة التكلفة الغارقة:

برز هذا المفهوم خلال حرب فيتنام ويقوم على توليد التزامات غير عقلانية تجاه استكمال المسار بناءً على استثمارات سابقة، حيث سعت الولايات المتحدة إلى الاستمرار في الصراع رغم توالي الأدلة على استحالة النصر، وقد أدى تضافر العوامل النفسية مع التفسيرات الخاطئة لنوايا الفيتناميين وقدراتهم أسفر عن حرب ممتدة ذات عواقب مدمرة

والأمر ذاته مع السعودية التي ترى أنها خسرت الكثير في اليمن وينبغي استكمال الاستثمار في الحرب لحصد النتائج مع المراهنة على أن إطالة الوقت يمكن أن تفضي إلى انهيار داخلي في اليمن.

التباينات الثقافية:

افترض صانع القرار في الرياض أن الضغط العسكري والحصار الاقتصادي سيفرضان على صنعاء نفس الحسابات التي تتبناها الحكومات التقليدية، متجاهلاً أن العقيدة القتالية والبيئة السياسية تعملان وفق معايير مغايرة للألم والتكلفة والقدرة على التحمل.

متلازمة الغطرسة..

قد يُنظر إلى مصطلح الغطرسة كتعبير مجازي عن سلوك يميل عادة إلى الظلم ورفض الحقائق، لكنه في علم النفس متلازمة مرضية ، تتألف من مجموعة سمات (“أعراض”) يثيرها محفز نوعي (السلطة)، وتتراجع عادةً مع انحسار تلك السلطة. وتُصنف هذه المتلازمة كحالة مكتسبة، تميزها عن معظم اضطرابات الشخصية المستمرة طوال مرحلة البلوغ، وتعد الديكتاتوريات عرضة بوجه خاص للغطرسة لانعدام القيود المفروضة على سلوكهم أو ندرته.

وقد صيغت متلازمة الغطرسة كنمط سلوكي لدى شخص تتوافر فيه الخصائص التالية:

1. يرى العالم ساحة لتمجيد الذات عبر ممارسة السلطة.

2. يميل إلى اتخاذ إجراءات هدفها الأساسي تحسين صورته الشخصية.

3. يولي اهتماماً غير متناسب بالصورة والمظهر العام.

4. يتحدث بحماسة خلاصية وتبجيل مفرط للذات.

5. يخلط بين ذاته وبين الأمة أو المؤسسة.

6. يستخدم صيغة الجمع الملكية “نحن” في حديثه.

7. يبدي ثقة مفرطة بالذات.

8. يظهر ازدراءً صريحاً للآخرين.

9. يرى نفسه مسؤولاً أمام محكمة عليا حصراً (التاريخ أو الإله).

10. يؤمن إيماناً راسخاً ببراءته وصحة موقفه أمام تلك المحكمة.

11. يفقد الاتصال بالواقع.

12. يجنح إلى القلق، والتهور، والقرارات المندفعة.

13. يجعل الاستقامة الأخلاقية المزعومة مبرراً لتجاهل الجوانب العملية والتكلفة والنتائج.

14. يُظهر انعدام الكفاءة مصحوباً بإهمال التفاصيل الدقيقة لصنع السياسات.

وبتطبيق هذه الخصائص على سلوك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ففي سياق السمات الثلاث الأول عمل بن سلمان على تقديم الحرب على اليمن كمعركة خلاصية تنهي السياسة السابقة وتدشن مرحلة جديدة من الحزم والعزم، مع الاعتماد على افتراض حسم المعركة خلال بضعة أسابيع.

كما قدم المشاريع السياسية والتنموية في المقابل كمسار لنقل الدولة من التخلف إلى الحداثة ، مثل تسويق “رؤية 2030” ومشروع “نيوم” ومدينة “ذا لاين” بوعود تفوق الواقع التقني والمالي (بناء مدينة عمودية بمرآة عملاقة تمتد لمئات الكيلومترات وسط الصحراء)،

وقد وصف في مقابلته الشهيرة مع توماس فريدمان (نيويورك تايمز، 2017) ومع شبكة “بلومبرغ”، تحركاته بأنها “استعادة للإسلام المعتدل” وسباق مع الزمن يقوده بمفرده، مع إظهار قناعة مطلقة بقدرته على تغيير موازين الشرق الأوسط برمته.

وتظهر السمات الرابعة والخامسة والسادسة في الحملات الترويجية المكثفة في عواصم الغرب عام 2018م، والإنفاق الضخم على شركات العلاقات العامة الدولية لإبرازه شخصياً كـ “مصلح تاريخي شاب” حطم قيود المؤسسة الدينية، ومرافقة ذلك بشراء يخت “سيرين” وقصر لويس الرابع عشر ولوحة “مخلص العالم” بمئات الملايين لتكريس صورة الثراء والنفوذ الكوني.

كما لا يخفى قيامه بإنشاء جيوش الكترونية يقوم عملها كله على تمجيده وتقديمه كقائد مخلص، وكذلك قيامه بتقديم خطاب من مكتب عمه الملك فيصل بن عبد العزيز في محاولة لاستحضار التاريخ المروي عن عمه في سبعينات القرن الماضي وإن كانت الصورة التي رسمت لفيصل كزعيم قومي غير دقيقة وتتنافى مع دوره في ترسيخ الهيمنة الأمريكية على المنطقة.

كذلك قام بتجاوز النموذج التاريخي السعودي القائم على التوافق بين أجنحة آل سعود وتوزيع الوزارات السيادية، إلى تنفيذ انقلاب على ابن عمه محمد بن نايف ثم تنصيب نفسه رئيسا للوزراء، واحتكار جميع السلطات في يده، وبجانب ذلك قام باحتجاز العشرات من الأمراء وكبار رجال الأعمال والوزراء السابقين وتجريدهم من أصولهم خارج إطار القضاء؛ وهو ما يتطابق مع المعيار الخامس لمتلازمة الغطرسة حيث يرى القائد أن رؤيته الشخصية هي المعيار الحصري للنزاهة ومصلحة الدولة.

وفي السياق أيضا نجد الحديث في الخطابات الرسمية والمقابلات الصحفية باسم الدولة والمجتمع بصيغة جازمة ومطلقة، مثل: “نحن لا نضيع أوقاتنا.. نحن نغير المملكة.. الشرق الأوسط سيكون أوروبا الجديدة بفضل ما نقوم به”.

وقد ذهب إلى إقصاء وتهميش القيادات العسكرية والدبلوماسية التقليدية في الرياض التي حذرت من خطورة التورط المباشر في اليمن وطبيعة جغرافيتها الصعبة، وهو ما تمثله السمة السابعة، وتنطبق أيضا على مخالفته لكل النصائح التي وجهت إليه بشأن سياساته في المنطقة وحتى سياساته الداخلية.

وتفترض السمة الثامنة لمتلازمة الغطرسة إيمانا مبالغا فيه بالذات يقارب الشعور بكلية القدرة على الإنجاز، وذلك ما رأيناه وسمعناه عندما قال إنه يستطيع اجتثاث من وصفهم بالحوثيين في أيام قليلة وسيصل إلى صنعاء، وكذلك اليقين التام بإمكانية بناء مدينة تريليونية كـ “نيوم” وإسكان الملايين فيها وفق جداول زمنية قياسية تتحدى الواقع الجيولوجي والمالي.

إن بن سلمان يعتبر نفسه مسؤولا أمام التاريخ فقط، وأن الهدف محصور في بناء المستقبل بعيدا عن الرؤى والأطروحات الراديكالية، وهو في ذات الوقت فاقد للاتصال بالواقع إلى حد كبير خصوصا فيما يتعلق بالعدوان على اليمن، ويعتمد على حلقة استشارية مغلقة وقصيرة جداً، وهذه الحلقة صورت له لسنوات قرب انتهاء الحرب في اليمن وتفكك القوة اليمنية المقاومة للعدوان.

وتظهر سمة القلق والتهور والاندفاع بشكل واضح في تصرفاته وحتى مظهره، وهناك أمثلة على معالجته لعدد من المشاكل مثل اعتقاله لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في 2017م وفرضه للحصار على قطر، وإعدام خاشقجي، كما تظهر سمة الاستناد إلى “الرؤية العريضة” للحق الأخلاقي لتجاوز التدقيق في الواقعية والتكلفة والنتائج، في تصرفه مع اليمن حيث يواصل تمويل العدوان بمليارات الدولارات شهرياً لسنوات رغم الخسائر الميدانية، بذريعة غير واقعية هي حماية أمن المملكة .

وتنبئ جميع السمات السابقة عن عدم الكفاءة والظهور بمظهر المتخبط دون التنازل للحصول على استراتيجية عقلانية وواضحة.

ثالثا: الدولة الوظيفية:

تُعرف السعودية بكونها دولة وظيفية وفي سياق العدوان على اليمن برز الدور الأمريكي كدور رئيسي في الإعداد والتحضير والمشاركة، كما برز في عرقلة التوصل إلى تسوية، وقد حاول بن سلمان تقديم نفسه كممثل للمصالح الغربية في المنطقة فقدم نفسه معنيا بتطبيق القرار 2216 برغم أن القرار لا يمنحه الحق في العدوان على اليمن، كما يقدم نفسه بأنه الحامي للملاحة الدولية وأنه يقوم بذلك نيابة عن العالم.

وبالعودة إلى السياسة الأمريكية نجد أن واشنطن قد اتخذت مسارا يقوم على أن يتحمل وكلاءها مسؤولياتهم بينما هي تقوم بدور إشرافي من الخلف، وسعيا لذلك تقوم أجهزة الاستخبارات ومستشارو الأمن القومي بضخ تقارير ومعلومات استخباراتية انتقائية تؤجج مخاوف القيادة السعودية، وتغذي لديها مشاعر التهديد الوجودي، وتوهمها بقدرتها على الحسم السريع، وهو تلاعب أدخل صانع القرار الإقليمي عمداً في فخ “الانحياز التأكيدي” و”الارتساء المعرفي”، لتوريطه في مواجهة استنزافية تخدم في المحصلة مبيعات السلاح وتثبيت التبعية العسكرية والسياسية للغرب.

إن اتصاف بن سلمان بالرغبة في المجد الشخصي والاستبداد بالرأي وضعف الخبرة العسكرية الميدانية، قد مثل مدخلا أيضا للولايات المتحدة للدفع به قدما نحو الأمام حيث تم وصفه من قبل ترامب كـ “مصلح تاريخي وقائد إقليمي حاسم”، مما أدى إلى نفخ ثقته بذاته ومنع عنه آليات النقد الذاتي.

كما تعمّدت واشنطن وتل أبيب تأطير التغيرات في اليمن داخل عقل صانع القرار السعودي كـ “خسارة استراتيجية مطلقة تُسقط الهيبة السعودية”، لدفع القائد عمداً إلى منطقة “المقامرة وطلب المخاطرة العالية” (Risk-Seeking) بدلاً من استيعاب المتغيرات واحتوائها سياسياً، لضمان استمرار الحرب كأداة استنزاف دائم لمقدرات المنطقة واقتصادياتها.

نظرية المخاطرة:

تتكامل محددات “نظرية التوقع والمخاطرة” لدانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي في تفسير السلوك العسكري والاستراتيجي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في العدوان على اليمن وذلك من خلال تفكيك البنية الإدراكية لحسابات الربح والخسارة وتأثيرها على آلية اتخاذ القرار تحت وطأة اللايقين، إذ صنعت السعودية نقطة مرجعية تمثلت في الوضع السياسي للبلاد كحديقة خلفية خاضعة لهيمنة الرياض، ومع ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر وإسقاط الوصاية كان هذا التحول وفقا للإطار السعودي هبوطاً حاداً عن تلك النقطة المرجعية؛ و”خسارة استراتيجية مطلقة” تسلب المملكة نفوذها التاريخي على اليمن.

وقد مثل هذا التصور أحد دوافع العدوان السعودي على اليمن، فعندما سئُل السفير السعودي في لندن متى سيتم إيقاف القصف على اليمن كان رده بان ذلك يشبه سؤال متى ستتوقف عن ضرب زوجتك.

ومع تعثر الحسم العسكري وتحول الصراع إلى مأزق ممتد للنظام السعودي، تجلت آلية “عدم التكيف مع الخسائر” المقترنة بـ “مغالطة التكلفة الغارقة”؛ فالقائد الذي لم يتصالح مع خسائره يرفض تعديل نقطته المرجعية لتتطابق مع المعطيات الجديدة، ويظل متمسكاً بوضعه السابق قبل الأزمة، وانعكس هذا العجز الإدراكي في استمرار تصعيد العمليات، ومضاعفة الإنفاق التسليحي، والمجازفة بتعريض العمق الحيوي والمنشآت النفطية، لضربات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على أمل حدوث متغير مفاجئ ينقذ الرهان الأصلي، أو على الأقل يمنع من زيادة الخسائر حيث ترفض السعودية أن ترى قوة أو سيادة لدى اليمن.

قد يعجبك ايضا