ماهي رهانات السعودية في اليمن؟

ومايسطرون _ ضرار الطيب|

مع انطلاق أول خطوات صنعاء نحو إنهاء العدوان والحصار والاحتلال السعودي، من خلال تدشين خط رحلات جوية بين مطاري صنعاء وطهران، جاء رد فعل الرياض المتأرجح بين التصعيد والتهرب من الواقع ومن المسؤولية، ليوضح بعض ملامح الموقف الرئيسي للمملكة تجاه التطور الجديد في ساحة الصراع مع صنعاء، ويوضح أيضا اعتماد الرياض على عدة رهانات رئيسية في التعامل مع الملف اليمني.   

أين تقف السعودية الآن؟:

في خطاب يوم عاشوراء، جدد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي التأكيد على التحرك لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال الأمريكي السعودي “بكل الوسائل المشروعة”، ولم يوجه أي دعوة أو تحذير للسعودية، كما لم يكشف عن طبيعة الخطوات التي سيتم اتخاذها.

هذا وضع السعوديين في موقف غير مريح، لأنهم يعلمون جيدا أن هذا التحرك يأتي في قلب الصراع الدائر منذ أكثر من 11 عاما، لكن صنعاء لم تكن قد وجهت في ذلك الوقت تهديدا صريحا للرياض، ولم تعلن عن خطوات معينة مفصلة، وهو ما جعلهم يرون أن أي تفاعل رسمي وواضح سيمثل علامة ضعف، بل قد يكون متهورا، ويحقق نتيجة سلبية.

لكن هذا لا يعني أن السعودية اكتفت بالانتظار، فهي بالتأكيد كانت تستعد، وقد أظهرت بالفعل بعض ملامح هذا الاستعداد عقب أول دعوة من القيادة اليمنية للتحرك الجديد، حيث أعلن السفير السعودي محمد آل جابر عن تقديم “منحة” جديدة للحكومة العميلة في عدن بأكثر من 224 مليون ريال سعودي، ثم بدأت السعودية بتحشيد القبائل اليمنية لقتال صنعاء وممارسة أعمال تخريبية مثل قطع الطرقات، وهو ما كشف بوضوح عن حرص سعودي على التصدي لأي تحرك من صنعاء، حتى لو لم يكن “تصعيدا” ضد السعودية.

اتضح هذا بشكل أكبر عندما بدأت صنعاء أولى خطوات كسر الحصار، من خلال تدشين رحلات جوية بين مطاري صنعاء وطهران، حيث أقدم الطيران الحربي السعودي بشكل عدواني تماما على محاولة منع الرحلة الإيرانية الأولى من الهبوط، قبل أن تجبره الدفاعات الجوية اليمنية على التراجع، ويأتي بيان القوات المسلحة اليمنية متوعدا برد شامل على أي انتهاك سعودي جديد للأجواء أو استهداف لليمن، وهو ما تعاملت معه السعودية بمزيج من التعنت والتهرب من المسؤولية، فقد أصدرت بيانا تجاهل موضوع الرحلة الجوية، واكتفى بالإشارة إليها كـ”انتهاك للسيادة”، مع التهديد باتخاذ إجراءات عسكرية في حال تكرار تلك الرحلة، لتضع بذلك أساسا للسردية التي ستتبناها الحكومة العميلة التي أوكلت إليها مهمة الحديث بإسهاب عن الرحلة وتبني الإجراءات العسكرية نيابة عن السعودية.

تبلور هذا المزيج على أرض الواقع، عندما وصلت الرحلة الإيرانية الثانية إلى الأجواء اليمنية، حيث حاولت السعودية منعها من الهبوط في مطار صنعاء من خلال شن غارات على مدرج المطار، ولكنها دفعت الحكومة العميلة لتبني عملية القصف بشكل رسمي، على الرغم من عدم منطقية ذلك، حيث يعلم الجميع أن الأخيرة لا تمتلك أي طيران حربي ولا تمتلك قرار شن مثل هذا الهجوم أصلا. 

كانت خلاصة الموقف السعودي الذي أوضحته محاولة منع هبوط الرحلتين الإيرانيتين والتصريحات التي رافقت ذلك، هي أن الرياض ترفض تماما أي تحرك من جانب صنعاء نحو تغيير الوضع القائم، حتى لو كان هذا التحرك دون مستوى استئناف الضغط العسكري على المملكة، وأنها في هذا السياق ستلجأ إلى توظيف كل الأدوات التي تمتلكها بشكل عدواني.

هذا لا يعني بالضرورة أن السعودية قد اختارت التصعيد الشامل، ولا يعني أيضا أنها تستبعد هذا الخيار تماما، وهي ربما لا تزال حتى الآن توزان بين أكثر من خيار وتنتظر المزيد من التطورات، لكن الثابت هو أنها ترفض بوضوح فكرة ترك اليمن وشأنه، وهذا يعني أن سلوكها خلال المرحلة القادمة سيكون مرتبطا بشكل كبير بالرهانات الأساسية التي تبنى عليها سياسة “إخضاع صنعاء” التي تشكل جوهر النظرة السعودية لليمن منذ عقود طويلة.

الرهان على الأذرع المحلية:

لعل أبرز ما تراهن عليه السعودية بشكل واضح في اليمن هو الوكلاء المحليين، الذين كانوا الواجهة الرئيسية والوقود الأساسي لمشروع العدوان على اليمن منذ البداية، ليس فقط في مرحلة المواجهة، بل أيضا في طموحات ما بعد السيطرة على اليمن.

إن مسألة تخلي السعودية عن أذرعها المحلية في اليمن في النهاية منطقية وواضحة، لكنها لن تحدث على الأرجح قبل تتيقن الرياض تماما بالوصول إلى النهاية فعلا، وهو ما لا يبدو حاصلا إلى الآن، فعندما لجأت الرياض إلى الهدنة و”خفض التصعيد” وهي المرحلة التي بدا فيها للبعض أن السعودية قد وصلت إلى قناعة بأنها هزمت، أظهرت أنها لا زالت تتكئ بشكل كبير على وكلائها لتغيير واقع هزيمتها حتى من خلال “مفاوضات السلام”، وكان دور “الوساطة بين اليمنيين” الذي بدأت بانتحاله منذ ذلك الوقت إلى الآن، مظهرا واضحا لهذا الرهان.

لقد حرصت السعودية أن تربط الكثير من تفاهمات وملفات السلام بأتباعها في اليمن، سواء من حيث فرض التفاوض معهم كطريق أساسي للتوصل إلى التفاهمات نفسها، أو من حيث ربط عملية تنفيذ الاتفاقات بهم، وبينما قد يبدو ذلك معقولا من الناحية الدبلوماسية، باعتبار أن السعودية تبحث عن “حفظ ماء الوجه” وأنها تستطيع في النهاية إجبارهم على التوقيع أو التنفيذ، فإن معطيات الواقع قد أثبتت أن هذا الربط عبارة عن وسيلة للتنصل عن الالتزامات وإبقاء مساحة مفتوحة للمماطلة والتعطيل قدر الإمكان، بل أنه يشكل أداة لترسيخ النفوذ السعودي، الذي يجسده هؤلاء الوكلاء، كأمر واقع في حاضر ومستقبل المشهد اليمني.

وقد حرصت الرياض خلال فترة خفض التصعيد على السعي لإعادة ترتيب صفوف وكلائها وتوحيدهم، خصوصا مع انسحاب الإمارات، من أجل تعزيز دورهم في الصراع مع صنعاء، بل استخدمتهم فعليا للتصعيد بأشكال متنوعة، وكانت محاولة استهداف البنوك العاملة في المناطق الحرة عام 2024 خلف واجهة قرارات البنك المركزي بعدن، وجهود توظيف هؤلاء الوكلاء في إطار المعركة بين صنعاء والأمريكيين والإسرائيليين، بما في ذلك على الجبهة البحرية، دلائل واضحة على أن رهان السعودية على المرتزقة اليمنيين يمتد إلى سياقات استراتيجية واسعة.

ومع تحرك صنعاء الآن نحو حسم الصراع مع التحالف السعودي، فإنه من البديهي أن السعودية تراهن على توظيف عملائها لمواجهة هذا التحرك، سواء على مستوى المواجهة العسكرية، أو حتى على المستوى الدبلوماسي.

من المرجح أن السعودية قد عملت خلال الفترة الماضية -وخصوصا مع الانخراط الأمريكي الإسرائيلي المباشر والواسع في استهداف اليمن- على ضمان وصول المزيد من الدعم العسكري إلى مرتزقتها اليمنيين، وأنها قد أعدت خططا لتحريكهم في مسارات متعددة، بما في ذلك مسار رفع الكلفة الداخلية لأي توجه من صنعاء نحو تغيير الوضع القائم، كما أنها ستوظفهم في إطار أي مسار للتهدئة وإطلاق عملية سلام، على نحو مماثل لما شهدته السنوات الماضية.

ويشير ادعاء السعودية بأن الحكومة العميلة كانت قد وافقت على “خارطة الطريق” وأن صنعاء هي من رفضت، إلى إصرار سعودي واضح على فرض المرتزقة كطرف أساسي في الصراع ليس فقط سياسيا بل أيضا عسكريا واقتصاديا وأمنيا.

لقد تبنى ما يسمى “المجلس الرئاسي” قصف مطار صنعاء، وفي نفس الوقت أبدى هذا المجلس استعداده لإعادة تشغيل رحلات للخطوط الجوية اليمنية من وإلى مطار صنعاء، إذا تم الاتفاق مع ذلك، وهذا “الترغيب والترهيب” الواضح لا يعكس فقط طبيعة الموقف السعودي، بل يعكس طبيعة رهان الرياض على توظيف أدواتها في ترسيخ هذا الموقف وتثميره.

هذا الأمر يضع صنعاء أمام حقيقة إصرار السعودية على عدم الذهاب نحو حل حقيقي، وأن تغيير الموقف السعودي سيتطلب فرض واقع عسكري وسياسي جديد وصارم على الرياض.

الحقيقة أن صنعاء قد نجحت عمليا في جعل رهان السعودية على مرتزقتها مكلفا وخطيرا خلال المرحلة الماضية، من خلال تحميل الرياض بشكل مباشر مسؤولية تحركات أدواتها، وهي مسؤولية واقعية وليست مصطنعة، وقد رسخ موقف القيادة اليمنية عام 2024 هذه المعادلة بشكل حاسم، عندما توعدت بقصف المنشآت الحيوية للمملكة ردا على التصعيد ضد البنوك.

لقد فرضت صنعاء على السعوديين مسارا معقدا للموازنة بين فوائد ومخاطر رهانهم على الحكومة العميلة، وهم يتعاملون مع ذلك عادة من خلال التفاهمات الجزئية، حيث يظهرون أنهم قادرين على إجبار وكلائهم على قبول تلك التفاهمات، من أجل كسب ثقة صنعاء، لكن هذه السياسة قد لا تنجح في المرحلة القادمة، إذ يبدو بوضوح أن صنعاء لم تعد تقبل بترك أي مساحة أمام السعودية لاستخدام المرتزقة كأداة مناورة دبلوماسية.

لكن من الواضح أن السعودية لم تصل بعد إلى قناعة بخسارة الرهان على المرتزقة، ولذلك ستعمل على تعزيز هذا الرهان برهانات أخرى. 

الرهان على الموقف الأمريكي والإسرائيلي:

يشكل الرهان السعودي على الموقف الأمريكي (والإسرائيلي بشكل واضح مؤخرا) جزءا جوهريا من موقفها تجاه ملف اليمن، وقد أظهر تراجعها عن توقيع اتفاقية “خارطة الطريق” وربط السلام مع اليمن بمصالح ومطالب الولايات المتحدة وإسرائيل في الصراع الإقليمي الأوسع، أن السعوديين يعلقون آمالا على إمكانية تحقيق مكاسب من خلال استغلال انخراط الأمريكيين والصهاينة في استهداف اليمن.

كما أظهر البيان السعودي الذي اعتبر العمليات العسكرية اليمنية المساندة لغزة “رفضا للحلول السلمية” أن الرياض لا زالت متمسكة بإخضاع الملف اليمني للشروط الأمريكية والإسرائيلية، وأن أي جهود جديدة للسلام ستصطدم مرة أخرى بالاصطفاف السعودي مع الأمريكيين والإسرائيليين.  

لقد كان اندفاع المرتزقة اليمنيين خلال معركة طوفان الأقصى لتقديم خدماتهم لواشنطن و”تل أبيب” ضد صنعاء، بالاستفادة من الوضع الذي تشرف عليه السعودية، مؤشرا واضحا على أن الرياض تأمل في الحصول على التزام أمريكي إسرائيلي كامل بالعمل ضد اليمن، وقد عبرت المطالب المفصلة التي قدمها المرتزقة من اجل التحرك في تلك المرحلة، عن حرص السعودية على ضمان ذلك الالتزام، مع إغراء الأمريكيين والإسرائيليين بتقديمه.

هذا الرهان ينطوي بطبيعة الحال على رهان آخر بشأن تطورات الصراع الإقليمي، فمثلما أثبتت السعودية أنها منفتحة على الانخراط في تصعيد أمريكي إسرائيلي شامل ضد إيران، وتحمل تداعيات ذلك التصعيد (كان بن سلمان يشجع ترامب على مواصلة ضرب إيران رغم تضرر السعودية من إغلاق مضيق هرمز والضربات الإيرانية)، فإنه من المرجح أنها ستكون منفتحة أيضا على المشاركة في تصعيد مماثل ضد اليمن، بل قد ترى أن اليمن أقل قدرة على الصمود من إيران، في وجه مثل هذا التصعيد.

وقد كشف موقع (أكسيوس) أن الرياض طلبت من الإدارة الأمريكية (قبل قصف مطار صنعاء) دعما لشن عملية عسكرية ضد اليمن، وهو ما يعكس بوضوح حجم الرهان السعودي على الأمريكيين فيما يتعلق باليمن، حتى بدون الحصول على التزام أمريكي كامل يعالج المخاوف السعودية من تداعيات التصعيد.

وليس من المستبعد أن تلجأ الرياض إلى إغراء الأمريكيين والإسرائيليين بشن حملة مشتركة ضد اليمن، خصوصا وأنهم يتطلعون منذ فترة لإقناع الرياض بالعودة إلى التصعيد ضد صنعاء، وقد أصبحوا يؤكدون أن اليمن جبهة رئيسية بالنسبة لهم، وفي هذا السياق قد ترى السعودية أن توظيف الوكلاء سيكون أكثر فائدة، وقد تطمئنها فكرة أن إسرائيل أصبحت تتواجد في إقليم “أرض الصومال” القريب من اليمن.

وبطبيعة الحال، فإن الرهان السعودي على الأمريكيين والإسرائيليين يشمل أيضا التعويل على نفوذهم الدولي والإقليمي في سياق الضغط على صنعاء وتقييد خياراتها، فقد تحاول الرياض في أن تصور تحرك صنعاء لانتزاع الحقوق، كجزء من المعركة الإقليمية، من أجل حشد أكبر قدر من الضغوط لتحجيم هذا التحرك وربطه بتطورات الوضع في المنطقة سلما وحربا. 

ومن الواضح أن صنعاء تدرك جيدا هذا الرهان السعودي، وهي على أية حال قد أثبتت قدرتها على التعامل مع الضغوط وكذلك مع الجبهات المتعددة، كما أن طبيعة التحرك الجديد نحو كسر الحصار وإنهاء العدوان والاحتلال تجعل السعودية أقل قدرة على تحويل الأمر إلى مشكلة إقليمية أو دولية، لأن التوجه نحو تغيير الوضع داخل اليمن على النحو الذي يحقق ويبرز هدف إنهاء معاناة اليمنيين، يجعل أي مبررات تحاول السعودية تسويقها للتصعيد أو الضغط على صنعاء مكشوفة تماما، بل يعزز مشروعية خيارات صنعاء.

الرهان على السلام التكتيكي:

أبرزت هدنة عام 2022 وسنوات “خفض التصعيد” الماضية رهانا آخر يستند إليه الموقف السعودي تجاه اليمن، وهو الرهان على “السلام” كأمر تحرص عليه صنعاء من حيث المبدأ، إذ بدا بوضوح أن الرياض ترى في هذا الحرص “فجوة” يمكن من خلالها تجنب السلام الفعلي، واستبداله بوعود ودوامات تفاوضية وتفاهمات جزئية وتعقيدات دبلوماسية لكسب الوقت وإبقاء المجال مفتوحا لمواصلة استهداف اليمن والإضرار به بدون تداعيات فورية كبيرة.

عند نقطة ما من المرحلة القادمة، وسواء حدث تصعيد شامل، أم لا، من المرجح للغاية أن تلجأ السعودية إلى المفاوضات والتفاهمات، لكن بدون عزم على تحقيق سلام فعلي (ليس قبل أن تضطر إلى ذلك بشدة، وذلك حين تكون صنعاء قد فرضت واقعا جديدا يقلب كل رهانات الرياض رأسا على عقب).

وقد بدا حديث السعودية الأخير بشأن موافقة وكلائها على “خارطة الطريق” مع إعلان الحكومة العملية عن استعدادها لتشغيل رحلات “متفق عليها” من وإلى مطار صنعاء الدولي، كمحاولة لإغراء صنعاء بالعودة إلى المسار الدبلوماسي السابق، بدلا عن التوجه نحو تغيير الوضع القائم، وهي في نفس الوقت محاولة ابتزاز لصنعاء من خلال جعلها تبدو رافضة للحلول (المطروحة) مع التغطية على حقيقة أن ما هو مطروح ليس حلا في الأصل.

ولحسن الحظ، أن لدى صنعاء اليوم تجربة تفاوضية غنية، تكفي لتجنب الدخول في أية مفاوضات أو تفاهمات بلا مستقبل مضمون وملموس، كما أن الوضع في اليمن قد وصل بالفعل إلى نقطة تتطلب مقاربات مختلفة لمسألة التفاوض، وهذا أصلا ما يعكسه التحرك الذي أطلقته القيادة اليمنية لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال، بدلا عن توجيه المزيد من التحذيرات والنصائح للسعودية لتنفيذ التفاهمات.

لا يعني هذا أن صنعاء سترفض التفاوض تماما، لكن السعودية ستواجه هذه المرة على الأرجح جداول زمنية حاسمة، وشروطا مفصلة لا تقبل التأويل، وحاجة إلى ضمانات فعلية، وضغطا مستمرا في الميدان، ولن يكفي هذه المرة تحقيق تقدم جزئي في ملف ما، مع تجميد بقية الملفات. 

ومن المهم الإشارة إلى أن الرهان السعودي على التفاوض التكتيكي، لا يقتصر على استخدام الوسطاء الذين تقدرهم صنعاء، وإظهار نوع من “الإيجابية” الزائفة، بل يشمل أيضا محاولة اللجوء إلى حلفاء صنعاء الإقليميين مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد سبق للرياض أن لجأت إلى طهران وحتى إلى “حزب الله” الذي رد عليها بأنه ليس وسيطا بل “طرفا” يقف مع صنعاء ومع “أنصار الله”، وبقدر ما كشفت هذه المحاولات عن تناقض فاضح بين سلوك السعودية وروايتها التي تقوم على أساس أن مشكلة اليمن تكمن في ارتباطه بإيران وبمحور المقاومة، فإنها كشفت أيضا عن استقلالية قرار صنعاء وصعوبة التأثير عليه. 

مساحة المناورة:

هناك رهانات أخرى سقطت فعليا خلال السنوات الماضية، ولكن لا يمكن أن نستبعد احتفاظ السعودية بها، فهي معروفة بسوء تقديرها للوضع في اليمن، مثل الرهان على المزيد من الحرب الاقتصادية، أو الرهان على إحداث انقسام في الجبهة الداخلية المناهضة للعدوان، أو الرهان على تصفية القادة، أو حتى الرهان على استخدام القوة الغاشمة.

وهناك رهانات جديدة قد تظهر لاحقا، مثل الرهان على تفخيخ مرحلة ما بعد القبول بواقع إنهاء العدوان والحصار والاحتلال، والعمل على أن يبقى اليمن عالقا في وضع سيء طويل الأمد، خصوصا مع استمرار الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو تحويل البلاد إلى بؤرة لصراعات داخلية تغذيها السعودية بأشكال غير مباشرة، لكن قوة موقف صنعاء الآن، وتنوع أدواتها، وتماسك جبهتها الداخلية، وخبرتها المتراكمة في التعامل مع الأعداء مع دقة رؤيتها لواقع الصراع في المنطقة، كفيلة بالتغلب على هذه الرهانات تماما.

وبالمحصلة، يمكن القول إن رهانات السعودية في اليمن قد تمنحها مساحة للمناورة ومحاولة مقاومة واقع الهزيمة لبعض من الوقت، لكن هذه المساحة ستكون ضيقة جدا، والتكلفة ستكون عالية، والوقت المكتسب سيكون أقصر مما تظن، والنتيجة النهائية لن تقتصر على الفشل، بل ستتضمن ارتدادات عكسية، وهذا طبعا مرتبط بمدى قدرة صنعاء على تطوير أدائها في كافة مجالات المواجهة بما يتناسب مع هدف “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال”.

 

*الخبر اليمني 

قد يعجبك ايضا