النفير القبلي في اليمن.. قراءة في استجابة المجتمعات المحلية لدعوة الحوثي
خاص – المساء برس|
عندما أطلق قائد أنصار الله عبدالملك بدرالدين الحوثي دعوته الصريحة لإنهاء “العدوان” والحصار، كان يراهن على رصيد عميق من الثقة والالتفاف الشعبي الذي أثبتت الأيام أنه الأداة الأكثر فاعلية في معادلة التصدي لقوى التحالف السعودي الإماراتي .
واليوم، بعد أسبوعين من تلك الدعوة، لم يعد السؤال: هل استجابت القبائل والمجتمعات المحلية؟ بل: كيف تحولت هذه الاستجابة إلى موجة عارمة من النفير القبلي والرسمي تجتاح المحافظات؟
منذ تلك الدعوة، و القبائل تتداعى وتستنفر في مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرة صنعاء، وتوالت إعلانات النكف القبلي والنفير العام، وصولاً إلى وقفات اليوم، وهذا لم تعد هناك محافظة في شمال اليمن إلا وأعلنت النفير العام وأكدت جهوزيتها.
قبائل جبل الشرق بذمار أعلنت اليوم “استنفارها الكامل رسمياً وشعبياً”، وقبائل الجبين بريمة رفعت شعار “النفير العام لكسر الحصار”، وقبائل مبين بحجة دعت إلى “الالتحاق بالدورات العسكرية استعداداً للجولات القادمة”، فيما نظمت قبائل الرجُم بالمحويت لقاءً قبلياً مسلحاً.
وهناك الكثير من القبائل اليمنية، التي لبت النداء، وأعلنت النفير و الجهوزية العالية لمواجهة ما أسمتها دول “العدوان”.
القبيلة شريك مؤسساتي
في معظم التجارب العربية كانت العلاقة بين القبيلة والدولة محكومة بإحدى صيغتين: الاحتواء والترويض، أو الصراع والإقصاء. ما يحدث في اليمن يختلف جوهرياً. أعادت صنعاء تعريف العلاقة بين المركز والمحيط القبلي وفق معادلة جديدة؛ أن القبيلة تحولت إلى شريك مؤسساتي في بنية الدولة نفسها.
وثمة طاقة أعمق تحرك هذه المجتمعات، مصدرها منظومة عقائدية تشكلت عبر سنوات طويلة من التعبئة الفكرية والدينية. “الجهاد” ومواجهة “المستكبرين” تحولا إلى جزء من نسيج الهوية الجماعية، يتناقلهما الأبناء عن الآباء، وتكرسهما المساجد والمدارس ووسائل الإعلام، وتثبتهما الدماء التي سالت في معارك الدفاع عن السيادة.
وحين يصدر النداء يستجيب هؤلاء الناس كمؤمنين بواجب وجودي. هذا هو الفارق النوعي بين الجيش النظامي الذي تحركه البيروقراطية العسكرية، والجيش الشعبي الذي تحركه العقيدة. الأول يقاتل لأنه أُمر، والثاني يقاتل لأنه “مؤمن”. وفي هذه الفجوة بين الدافعين تكمن القدرة التعبوية الهائلة التي تتمتع بها صنعاء.
الذاكرة الجمعية
ثمة عامل آخر لا يقل أهمية، هو ما يمكن تسميته بالذاكرة الجمعية للمعاناة. على مدى أحد عشر عاماً من الحرب والحصار، تشكل في وجدان الشعب اليمني إحساس عميق بالمظلومية الموحدة. هذا الإحساس المشترك أنتج ما يشبه عقداً اجتماعياً جديداً بين القيادة والمجتمع بحيث أن القيادة تصون السيادة وتدافع عن الكرامة، والمجتمع يمنحها الشرعية والمقاتلين والموارد، في علاقة تبادلية وجودية تتجاوز الحسابات السياسية الظرفية وتربط مصير الطرفين برباط لا ينفصم.
إعداداً لمعركة قادمة
التحول النوعي هنا أن النفير لم يعد موجهاً لتعزيز الموقف التفاوضي بقدر ما هو إعداد فعلي لمرحلة ما بعد التفاوض.
صنعاء التي خبرت لعبة المفاوضات طيلة سنوات، تدرك أن الهدن ومرحلة خفض التصعيد وحدها لا تنتزع الحقوق، وأن ما يفرض على طاولة الحوار هو ما يفرض أولاً في الميدان.
من هنا يأتي هذا الاستنفار كرسالة مزدوجة. للداخل بأن المعركة قادمة، وللخارج بأن الوقت ينفد، وأن اليمن الذي صمد أحد عشر عاماً تحت الحصار هو اليوم يمن يعلن جهوزيته لإنهاء هذا الحصار بقوة السلاح إذا لم يرفع بالتفاوض.
وفي كلا المسارين، تبدو صنعاء وقد حسمت خيارها: لم يعد مقبولاً أن يمضي عام آخر على هذا الحال.