مجلة أمريكية تكشف: لماذا الهزيمة الأمريكية أمام إيران أعمق أثراً من نكسة فيتنام؟
متابعات _ المساء برس|
وصفت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران بأنها تمثل هزيمة استراتيجية فادحة لواشنطن، مرجحة أن تداعياتها المستقبلية ستفوق في حدتها وعمقها ما خلفته حرب فيتنام، التي ظلت لعقود طويلة مرادفاً للفشل السياسي والعسكري الأمريكي.
وأوضحت المجلة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب خاضت هذه الحرب أملاً في تركيع طهران وإعادة هندسة موازين القوى إقليمياً، إلا أن النتائج جاءت على النقيض تماماً؛ إذ ازدادت إيران تصلباً ونفوذاً، بينما تصدع البنيان القيادي والهيبة الدولية للولايات المتحدة بشكل قد يمتد لسنوات طوال.
وأشار في مقال نشره، بول موسغريف، أن قرار ترامب بشن الحملة ضد إيران كان قراراً فردياً رغم التحريض الخارجي، مؤكداً أن هذا الانخراط أفضى إلى “كارثة استراتيجية” تتجاوز في أبعادها الهزيمة في فيتنام.
ولفت المقال إلى أن سرعة وتيرة الصراع أضفت طابعاً غير واقعي على أهداف ترامب، كما أن قلة الخسائر البشرية الأمريكية في هذه الحرب ساهمت في حجب الحجم الحقيقي للهزيمة، فعلى الرغم من مقتل آلاف الإيرانيين من عسكريين ومدنيين، لم تتجاوز الخسائر الأمريكية 20 جندياً، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بـ “الحرب الأمريكية” في فيتنام التي حصدت أرواح الملايين من سكان جنوب شرق آسيا، بينما فقدت الولايات المتحدة أقل من 60 ألف جندي.
ويستعرض المقال كيف تحولت “فيتنام” في الذاكرة الوطنية الأمريكية إلى رمز للغطرسة والاستنتاج الخاطئ، حيث أظهر استطلاع لمجلس شيكاغو للشؤون العالمية عام 2014 أن 58% من الأمريكيين اعتبروها “لحظة مظلمة”، مقابل 12% فقط رأوها مصدر فخر.
ورغم أن الحرب كانت بعيدة الأثر على الاستراتيجية الأمريكية الأوسع ولم تكن “نظرية الدومينو” حقيقية، إلا أن تداعياتها كانت مدمرة إقليمياً، وإن خرجت أمريكا منتصرة في الحرب الباردة، بل وأصبحت فيتنام اليوم قوة صديقة لها.
أما في حالة الحرب ضد إيران، فالمشهد مغاير تماماً؛ إذ أضحت الولايات المتحدة أكثر ضعفاً، وتضررت مصالحها الاستراتيجية الجوهرية.
وبينما أذهلت واشنطن العالم ببراعتها العسكرية في حرب الخليج 1990-1991، كشف الصراع مع إيران عن ضعف في الترسانة الأمريكية وعدم جاهزية لمواجهة خصوم أقوياء، ولعل رمزية الفشل تجلت في مأساة مقتل طالبات إيرانيات نتيجة خطأ في البيانات.
وعلى الرغم من كفاءة أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية في التصدي للمسيرات والصواريخ، إلا أن نجاح إيران في اختراقها يثير شكوكاً حول مدى فاعليتها على المدى الطويل، استراتيجياً، فشلت الحرب في تغيير النظام، بل عززت من قبضة الحرس الثوري، وصمد البرنامج النووي الإيراني أمام الغارات المشتركة.
كما أشار المقال إلى أن تداعيات الحرب طالت القيادة الدولية الأمريكية؛ حيث تحمل الحلفاء الإقليميون أعباء التكاليف، وأدركت إيران أن تحكمها بمضيق هرمز يمنحها ورقة ضغط اقتصادية عالمية، وهو ما يهدد حرية الملاحة التي تعد ركيزة استراتيجية أمريكية تاريخية منذ عهد توماس جيفرسون، وقد يؤدي تسليح طرق التجارة إلى إلحاق ضرر دائم بالاقتصاد العالمي.
وخلافاً لما حدث بعد فيتنام، حيث استطاعت واشنطن الانسحاب والتركيز على قضايا أخرى، يبدو الانسحاب من الخليج اليوم بالغ الصعوبة؛ نظراً للترابط الاقتصادي العالمي، والاعتماد على موارد الخليج من الهيدروكربونات إلى الألومنيوم والأسمدة، إضافة إلى التزام واشنطن تجاه “إسرائيل”.
وختاماً، يحذر المقال من أن الولايات المتحدة ستواجه هذه التداعيات في ظل ضعف داخلي وخارجي متزايد، مع تراجع ثقة الحلفاء، وانحسار الرغبة الشعبية في خوض الحروب، مما يجعل هذه الهزيمة أكثر وطأة وديمومة من نظيرتها في فيتنام، وسيبقى السؤال الذي سيطرحه الطلاب في المستقبل هو ذاته: “لماذا؟”، دون أن يجدوا إجابة شافية أو مُرضية.