وهم “الأمة المباركة” وواقع الهيمنة العالمية

محمد بن عامر – المساء برس|

عندما نستقرأ تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن جرائمها بحق شعوب العالم لا يمكن أن تختصر في بضع صفحات، لكونها تمتد عبر قرون وتشمل تاريخ العالم نفسه دون أي مغالاة، لأننا بكل تأكيد نتحدث عن تاريخ من الاستغلال والهيمنة والعنف، و محاولة القيام بذلك هي محاولة مضحكة نوعًا ما.
 
لكن اسمحوا لي أن أشارككم لمحة من الحقيقة، كما ألقى الضوء عليها المفكر الفرنسي روجيه جارودي في كتابه “أمريكا طليعة الاضمحلال” (طبعة 1999، ترجمة عمرو زهيري).
 
يظهر جارودي كيف أن ثراء الولايات المتحدة، الذي ينسب غالباً إلى “مباركة إلهية” كما زعم رونالد ريجان، رئيس الولايات المتحدة سابقًا، هو في حقيقته نتاج استغلال منهجي للعالم، وخاصة العالم الثالث.
 
هذا الاستغلال يتجلى في فرض شروط تجارية مجحفة لصالح الولايات المتحدة لتثري نفسها على حساب الدول النامية، وإجبار الدول على استيراد المنتجات الأمريكية بغض النظر عن احتياجاتها أو قدرتها على الشراء.
 
وكذلك يتمثل في استثمار رؤوس الأموال الأمريكية في الدول ذات الأجور المنخفضة للاستفادة من العمالة الرخيصة وتحصيل أرباح هائلة، ومنح قروض بفوائد باهظة تورط الدول النامية في دوامة من الديون وتزيد من اعتمادها على الولايات المتحدة.
 
وكما جاء في كتاب الفيلسوف الفرنسي رجاء جارودي: لقد أعلن رونالد ريجان أن ثراء ورخاء الولايات المتحدة يرجع إلى كونها “أمة مباركة من الله “. لكن أحد رجال الدين الأسبان جرؤ على استهجان ما قاله ريجان واصفا إياه بأنه “تجديف وهرطقة”، لأن ثروة وقوة الولايات المتحدة لا تأتى من مباركة الله ، ولكنها ترجع إلى استغلال العالم، وفرض استيراد المنتجات الأمريكية بالقوة، وغزو رءوس الأموال الأمريكية للدول التي تنخفض فيها المرتبات ، وعبر الفوائد الاستغلالية “للقروض “.
 
يظهر جارودي أيضاً كيف أن الولايات المتحدة تصور نفسها كـ”قوة الخير” محاطة بحلفائها الذين يشتركون في نفس المبادئ (اقتصاد السوق الحر، الإيمان اليهودي-المسيحي، الديمقراطية الأمريكية)، بينما تصنف بقية العالم على أنه “إمبراطورية الشر”.
 
يقول الفيلسوف الفرنسي: ” تحتل الولايات المتحدة المتحدة رأس القائمة في تسلسل الأمم الذي وضعته، وهي محاطة بمن يمثلون مركز العالم : الحلفاء الذين تنطبق عليهم السمات الثلاث الخاصة : اقتصاد سوق حرة ، إيمان بالله يهودي- مسيحي ، انتخاب حر . على الكفة الأخرى لهذا العالم الموزع بين الخير والشر ، إمبراطورية الشر وتتمثل في البلدان التي لا تتبع اقتصاد سوق حرة ، ولا إيمانا يهوديا مسيحيا ، ولا ديموقراطية على الطريقة الأمريكية “.
 
ويقول أيضًا: انحطاط الثقافة ينبع من تاريخ الولايات المتحدة ذاتها ومن تكوينها و أن ما تقود أمريكا العالم إليه إنما هو إلى نهاية إنسانية الإنسان وتجريده من أخص خصوصياته أي تسامى المشروع الإنساني والاستسلام لحتميات اقتصادية كأنها قوانين طبيعية. إنه هبوط بالإنسان ليعيش في غابة الحيوان حيث ينهش القوى الضعيف .
 
ويردف قائلاً: إن ما يميز وحدانية السوق ( الإله الجديد الذي تحاول أمريكا فرضه علي العالم ) في الواقع هو تلك “الليبرالية الشمولية” ، وهذا الاحتقار لحرية الإنسان. ولقد أجادت الولايات المتحدة دائما استخدام الذرائع لتصل إلى ما تريد.. ومن اليسير تعداد الأمثلة لاستخدام الذرائع والافتراءات ، مثل “مكافحة الإرهاب ” ، أو “التدخل الإنساني” ، أو “حماية حقوق الإنسان ” ، لتبرير العدوان المباشر على الدول ، أو فرض القيود على الاتفاقيات الاقتصادية معها.

قد يعجبك ايضا