انهيار العملة المحلية وسوء الأوضاع المعيشية: نظرة على مأساة المواطنين في عدن “تقرير استطلاعي”

خاص – المساء برس| تقرير: محمد بن عامر|

تتزايد مخاوف سكان مدينة عدن وغيرها من المدن الجنوبية الخاضعة لسيطرة الحكومة التابعة للتحالف، مع استمرار انهيار العملة المحلية، الذي تسبب في زيادة تكاليف استيراد السلع الغذائية المدفوعة بالعملة الأجنبية، وارتفاع تكاليف النقل والتشغيل الأخرى، وهو ما أدى إلى ارتفاعات جنونية لأسعار هذه السلع، في وضع خطير ومقلق يزيد من تدهور الظروف المعيشية للمواطنين الذين يعيشون بالفعل في ظروف اقتصادية صعبة للغاية منذ اندلاع الحرب في مارس 2015م.

وفي هذا السياق، يروي (المساء برس) قصص عدد من المواطنين في عدن الذين تم التواصل معهم سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو هاتفياً، بخصوص تدهور العملة المحلية وتأثيره على جودة حياتهم وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية، على النحو التالي:

أحمد، موظف حكومي، أعرب عن استيائه الشديد من الجرعة السعرية الجديدة، حيث قال: أصبحت الحياة مستحيلة بالنسبة لي ولأسرتي، فمصدر دخلي لا يكفي لتغطية النفقات الأساسية بالإضافة إلى دفع رسوم الخدمات العامة مثل ايجار الشقة وفواتير الماء والكهرباء. وأضاف: زيادة تكاليف المعيشة تعني أنني أواجه صعوبة في تأمين احتياجات أسرتي وأطفالي الذين يبكون أمامي بسبب عجزي عن تلبية مُتطلباتهم البسيطة، وهذا يقطع قلبي بطريقة لا توصف، ولا يسعني القول سوى ان اتمنى تحسن الوضع الاقتصادي لأتمكن من توفير مستقبل أفضل لي ولأسرتي.

صحفي من محافظة لحج يعمل لدى إحدى الوسائل الإعلامية التابعة لحكومة معين في عدن، فضل عدم ذكر هويته، يصرح بالقول: يعيش المواطنون الجنوبيون حياة يومية صعبة، حين يُلاحظ انشغال القادة السياسيين والمسؤولين بالسفر والبحث عن الراحة والرفاهية خارج البلاد، فقد غادر رئيس مجلس الرئاسة العليمي إلى ألمانيا، ويتواجد رئيس الحكومة معين في بريطانيا، وتتباين مواقع وزراء الحكومة بين الرياض وأبو ظبي والقاهرة وغيرها من العواصم العربية، مما ترك عدن والمدن الجنوبية الأخرى تصارع العواصف والأزمات بمفردها، متابعاً: كل ما يجري للشعب الجنوبي هو نتيجة الخدعة الكبرى الذي تعرض لها عندما شُنت عاصفة الحزم، ووعدت السعودية وحلفاؤها بإنهاء الأزمات وتحسين الأوضاع في اليمن، غير أن العواصف والمآسي تتوالى وتتفاقم يومًا بعد يوم مما يكشف حقيقة هذه الحملة العسكرية وأهدافها الخطيرة.

موظف آخر في القطاع الحكومي يُدعى سالم، يعبّر عن استيائه من عدم اتخاذ القادة السياسيين والمسؤولين –  الذين يبدو أنهم غير مبالين بمعاناة المواطن ومستقبله الاقتصادي – إجراءات فعالة لمكافحة هذه الأزمة المتفاقمة، يقول: نعاني من قلة قدرتنا على شراء السلع والخدمات بسبب التضخم وتدهور العملة، وإذا استمرت هذه الحالة، قد نضطر لاتخاذ إجراءات تقشفية وتقليل النفقات على الأشياء غير الضرورية، وبما أن الرواتب لم تتغير، فإن الأمور أصبحت صعبة للغاية لنا، ولا يمكننا تحمل كل هذه الزيادات ونحن نعيش على دخل محدود، مشيراً بالقول: بينما والمواطن يعيش هذه الظروف المأساوية تجد القيادات والمسؤولين يتسكعون في المدن الخليجية و الأوروبية بدلاً من العمل على إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية وتخفيف معاناة المواطنين.

ويرى الموظف سالم أن التركيز على إنهاء الحرب والتدخلات الأجنبية وإعادة الاعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في اليمن هو الأولوية الأساسية لجميع المواطنين اليمنيين، وإذا تم تحقيق ذلك، ستشهد البلاد تحسنًا في القدرة الشرائية للمواطنين وستفتح آفاقًا أفضل لمستقبلٍ مزدهر.

من جانبه، أشار المواطن علي، وهو مالك باص، إلى تأثير تدهور العملة المحلية على قدرته في تلبية احتياجات أسرته الأساسية. قال: “تصبح المواد الغذائية أغلى بشكل مستمر، وتصبح فواتير المنزل أصعب في تسديدها، وأنا لا استطيع  توفير احتياجات أطفالي بالمقدار الكافي، متابعاً: التضخم العالي يخنقنا تدريجياً، ونحن نشعر بالإحباط لأننا غير قادرين على تلبية احتياجاتنا الأساسية، وختم حديثه قائلاً: نحتاج إلى اتخاذ إجراءات فعالة للحد من التضخم وتحقيق استقرار العملة المحلية، وإلا فإن هذه الحياة ستبتلعنا احياء عاجلا أو آجلا.

محمد، صاحب محل بقالة، يشارك قصته قائلاً: “أعاني بصفتي صاحب بقالة من تدهور العملة المحلية، اضطررت لزيادة أسعار المنتجات التي أبيعها بسبب ارتفاع التكاليف، وهذا أثر سلبًا على الزبائن، وأصبح العديد منهم غير قادرين على تحمل الأسعار الجديدة، وبالتالي، يؤثر ذلك على حجم المبيعات وأرباحي، بالإضافة إلى ذلك، أواجه صعوبة في إعادة تمويل متجري.”

وأضاف محمد : “الأوضاع الاقتصادية في عدن تتدهور بسرعة مخيفة، ولا نستطيع تحمل تكاليف المعيشة المتزايدة. فالأسعار ترتفع باستمرار، وتفقد العملة المحلية قيمتها يوماً بعد يوم، وهذا يصعب علينا تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمأوى والملابس، وأحيانًا يتعين علينا تقليص النفقات وتحديد الاحتياجات، مستدركاً: أشاهد البعض من جيراني القريبين يعيشون في ظروف صعبة جدًا، حيث يفتقرون إلى وسائل العيش الأساسية، وتحتم علي تقديم المساعدة لهم عن طريق فتح حسابات لهم لتغطية بعض المصروفات اليومية الضرورية، حتى يتمكنوا من سدادها عندما تتحسن الأوضاع، وتابع: لا يمكنني البقاء مكتوف الأيدي وأنا أشاهدهم يعانون بهذه الطريقة المؤلمة”.

إلى ذلك، يعبّر ابراهيم، طالب جامعي من يافع، يدرس في جامعة عدن، عن قلقه حول مستقبله، قائلاً: “التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار يجعلان استمراري في التعليم العالي أمرًا صعبًا، فأنا أعيش في حالة من القلق بسبب هذه الأوضاع لأن عائلتي غير قادرة على توفير المزيد من المال لي، وقد يُجبرني هذا على العمل لكي أستطيع التوفيق بين احتياجات المعيشة من سكن وطعام واحتياجات الجامعة، وربما قد يكون مستقبلي مثل مستقبل الآخرين، ولكن لا يهمني هذا في الوقت الحاضر، ما يهمني الآن هو أن أتفوق في دراستي وبإذن الله الغد سيكون أفضل”.

عيسى موظّف في إحدى المنظمات في عدن، يقول: “أحصل على راتب لا بأس به، ولكن من الصعب عليّ تأمين احتياجاتي الأساسية واحتياجات زوجتي وطفلي الرضيع الجديد، بالإضافة إلى دعم والداي المسنين، تحديدًا، الأمر صعب عندما يتعلق الأمر بالغذاء الذي ارتفع سعره بشكل ملحوظ، ففي الأمس، شعرت باليأس تقريبًا عندما أنذرت زوجتي أن التسوق أصبح أمرًا صعبًا لنا وللمواطنين الآخرين المتضررين، وأصبح من المستحيل تحمل أسعار المواد الغذائية الباهظة، فالميزانية ضيقة لدرجة أنها لم تعد تكفي لتلبية أبسط الحاجات.

ونوه عيسى بقوله: لا أخفي عليكم أن العديد من أقاربي يعانون من نقص التغذية، وهناك أسر عديدة تعجز عن إطعام أطفالها بالمأكولات الطازجة والمغذية بالشكل الذي يحتاجه نموهم الصحي في ظل الظروف القاسية”، مبيناً أن انهيار العملة المحلية أمام الدولار يؤدي إلى زيادة الأسعار وتفاقم الأزمة الإنسانية، وعلى الرغم من أن السكان يعيشون بالفعل في ظروف صعبة، يزيد هذا التدهور الحاد في القيمة الشرائية من معاناتهم ويحال دون حصولهم على المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والزيت والسكر وغيرها، وهم بحاجة شديدة إلى توفير هذه المواد، ولكن المال المتاح لديهم لا يكفي.

وتجدر الإشارة إلى أن ما تم ذكره هنا ليس سوى بعض الجوانب الرئيسية التي تعكس معاناة المواطنين في عدن بسبب تدهور العملة وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية؛ وذلك لا يشمل جميع الظروف والمصاعب التي يواجهونها، ولكن يسلط الضوء على بعض التأثيرات المأساوية على حياتهم اليومية.

 

 

 

قد يعجبك ايضا