من باب المندب إلى الرياض.. كيف صدمت عمليات صنعاء الرياض ورسمت معادلات جديدة؟

تقرير _ المساء برس|

انتقلت المواجهة بين صنعاء والرياض إلى مستوى جديد من التصعيد، بعدما أعلنت قوات صنعاء خلال الساعات الماضية تنفيذ سلسلة واسعة ومتزامنة من العمليات العسكرية، شملت استهداف التحشيدات السعودية في عدد من الجبهات اليمنية، وضرب مواقع عسكرية ومنشآت حيوية ومطارات في العمق السعودي، بالتوازي مع تقدم ميداني متسارع في جبهات تعز. 

وتكتسب هذه العمليات أهميتها من كونها لم تأتِ في اتجاه واحد أو على جبهة واحدة، بل ظهرت كمنظومة عمليات متزامنة امتدت من جنوب غرب اليمن في عدن وباب المندب، إلى الجوف ومأرب وجيزان، وصولاً إلى الرياض. 

جبهات الداخل.. منع السعودية من تحويل التحشيد إلى اختراق ميداني: 

في الجبهات الداخلية، أعلنت قوات صنعاء التصدي لمحاولات تقدم للتحشيدات السعودية في أكثر من محور، أبرزها جنوب غربي الوازعية، وباب المندب، وشرقي الجوف، إضافة إلى استهداف تحشيدات أخرى شرقي رغوان في مأرب.

وقالت صنعاء إن قواتها تمكنت من طرد التحشيدات التي حاولت التقدم، وتدمير عدد من الآليات والمدرعات ومقتل وإصابة المئات في صفوف القوات المدعومة سعودياً، واستهداف التجمعات التي حاولت تقديم الإسناد والتعزيز للقوات المهاجمة، ففي باب المندب تحديداً، تحدثت قوات صنعاء عن استخدام عشرة صواريخ باليستية في استهداف تجمعات التحشيدات، بالتزامن مع عمليات التصدي الميداني التي أجبرت تلك القوات على التراجع.

وتشير هذه العمليات، إلى أن صنعاء تتعامل مع التحشيد السعودي باعتباره هدفاً قبل تحوله إلى هجوم، أي أنها تحاول ضرب القوة المهاجمة في مرحلة التجمع والاستعداد، وليس انتظار وصولها إلى خطوط التماس، وهذه نقطة عسكرية ذات أهمية كبيرة؛ فكلما نجحت القوات المدافعة في استهداف القوة المهاجمة أثناء مرحلة التحشيد، ارتفعت كلفة الهجوم قبل أن يبدأ، وأصبح نقل القوات والآليات والإمدادات إلى الجبهة نفسها مخاطرة مكلفة.

وفي الجوف، أعلنت قوات صنعاء تنفيذ عشرات الضربات ضد تحشيدات سعودية شرقي المحافظة، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى واحتراق عدد من الآليات، بالتزامن مع إعلانها إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز «سي إتش-4» أثناء قيامها بمهام عدائية في أجواء المحافظة، كما أعلنت استهداف تحشيدات شرقي رغوان في مأرب، مؤكدة وقوع خسائر بشرية ومادية.

وتكشف هذه التطورات أن صنعاء تضغط نارياً بشكل متواصل على المحاور التي يمكن أن تتحول إلى ممرات لهجوم بري واسع، خصوصاً أن أي عملية برية كبيرة تحتاج إلى استطلاع جوي، وإمداد، وتجمعات بشرية وآلية، ومراكز قيادة وسيطرة، وهي جميعاً أهداف يمكن استهدافها قبل وصول القوات إلى خطوط المواجهة.

إن المشكلة التي تواجه القوات المدعومة سعودياً في الداخل اليمني لا تتعلق فقط بالخسائر البشرية أو تدمير الآليات، وإنما بقدرتها على الحفاظ على المبادرة، فأي قوة مهاجمة تحتاج إلى ثلاث مراحل أساسية تتمثل بالتحشيد، والتقدم، ثم تثبيت المواقع، وإذا تمكن الطرف المقابل من ضرب المرحلة الأولى والثانية ومنع الوصول إلى مرحلة التثبيت، فإن كثافة التحشيد تتحول إلى عبء بدلاً من أن تكون عامل قوة، وهذا ما تفعله صنعاء ضد التحشيدات السعودية في الجوف والوازعية وباب المندب ومأرب وخلف الحدود اليمنية أيضاً. 

من الوازعية إلى باب المندب وعدن.. حماية الخاصرة الجنوبية الغربية: 

وفي الجنوب الغربي لليمن، تأتي عمليات الوازعية وباب المندب في سياق بالغ الحساسية، نظراً للموقع الجغرافي للمنطقة وأهميتها على كل المستويات، ووفق المعطيات فإن العمليات ليست لصد محاولات التقدم فقط، بل جرى استهداف التعزيزات والتجمعات التي حاولت إنقاذ القوات المهاجمة، بما يعني أن الرد استهدف «الموجة الثانية» من الهجوم أيضاً.

وهذه الآلية تعني عملياً أن أي محاولة لتوسيع الهجوم البري لا تواجه فقط قوة دفاعية على خط التماس، وإنما تدخل في نطاق نيران أوسع يمتد إلى طرق الإمداد ومناطق التجمع.

وفي تطور لافت، أعلنت قوات صنعاء صباح اليوم استهداف إمدادات عسكرية سعودية وصلت إلى معسكر بدر المجاور لمطار عدن الدولي، وأسفر الهجوم عن مصرع وإصابة عدد من الضباط السعوديين، محذرة من استخدام المطار المدني لأغراض عسكرية.

وهذا الإعلان يحمل دلالة مختلفة عن ضرب التحشيدات في خطوط المواجهة، لأنه يوسع دائرة الأهداف المحتملة لتشمل العقد اللوجستية التي تستخدم في نقل القوات والإمدادات، فالمعركة الحديثة لا تُحسم فقط عند خطوط التماس؛ بل تتأثر بدرجة كبيرة بقدرة كل طرف على إيصال الرجال والذخائر والآليات والوقود إلى الجبهة، وكلما أصبحت طرق الإمداد معرضة للاستهداف، ارتفعت كلفة الحفاظ على قوة هجومية كبيرة في الميدان.

وتأتي هذه العمليات في وقت تشهد فيه محافظة تعزتقدماً متسارعاً لقوات صنعاء وانهياراً في صفوف القوات المدعومة سعودياً، وهنا تكمن أهمية التزامن بين العمليات البرية والصاروخية، فإذا كانت التحشيدات السعودية تحاول فتح جبهات جديدة أو دعم مواقعها في تعز والجنوب الغربي، فإن صنعاء تعمل في الاتجاه المعاكس من خلال الضغط على التحشيدات نفسها، وقطع قدرتها على التقدم، ثم نقل جزء من الضغط إلى العمق السعودي، وبذلك تتحول الجبهة من محاولة سعودية لفرض المبادرة إلى اختبار لقدرة الرياض على تحمل تكلفة المبادرة نفسها.

العمق السعودي.. الرياض وأبها وخميس مشيط ورابغ وجيزان: 

في المقابل، حملت العمليات داخل السعودية الدلالة الأبرز في هذه الجولة، فبحسب البيانات الصادرة عن قوات صنعاء، استهدفت العمليات مطار الملك خالد في الرياض، ومصفاة أرامكو في رابغ، ومطار أبها، وقاعدة خميس مشيط، ومعسكرات الدغارير وعاكفة والموسم، إضافة إلى مواقع حساسة في نجران وجيزان.

وهنا تظهر إحدى أهم ركائز المعادلة الجديدة تتمثل بالقدرة على فتح أكثر من مسار للضغط في وقت واحد، ففي الوقت الذي تحاول فيه السعودية تحريك قواتها داخل اليمن، تقول صنعاء إنها قادرة على إبقاء العمق السعودي تحت التهديد، بما يجعل القرار العسكري السعودي أمام معادلة مزدوجة، إذ أن أي تحرك سعودي في الجبهات اليمنية واستمرار القصف على اليمن سيواجه برد على المنشآت الاقتصادية والقواعد العسكرية داخل السعودية.

ولم تكتفِ صنعاء بإعلان استهداف المطارات، بل وجهت تحذيراً مباشراً لشركات الطيران العالمية من مواصلة الرحلات عبر الأجواء السعودية، مع استثناء أجواء مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبهذا فإن نطاق المعركة لم يعد محصوراً في القواعد والمنشآت العسكرية، وإنما يمتد إلى المجال الجوي وحركة الملاحة.

وهذه الخطوة ترفع الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي تصعيد، لأن اضطراب المطارات لا ينعكس على المؤسسة العسكرية وحدها، بل يمتد إلى شركات الطيران وحركة المسافرين والاقتصاد والسياحة وسمعة البيئة الأمنية.

ما الذي تكشفه كثافة العمليات عن قدرات صنعاء؟

أبرز ما تكشفه هذه الجولة ليس بالضرورة امتلاك سلاح واحد بعينه، وإنما امتلاك منظومة قتال متعددة الطبقات تجمع بين الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، إلى جانب الدفاع الجوي والقدرة على إدارة عمليات برية متزامنة، فالعمليات المعلنة خلال فترة زمنية قصيرة شملت أهدافاً متباعدة جغرافياً، من الرياض ورابغ وأبها وجيزان ونجران إلى الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي وعدن.

وهذا الاتساع الجغرافي يعني أن صنعاء قادرة على توزيع القوة النارية على أكثر من مسرح في الوقت ذاته، بما يصعّب على الخصم معرفة أين ستكون الضربة التالية، والأهم أن هذه العمليات تأتي بعد سنوات من تطور تدريجي في القدرات الصاروخية والمسيّرة، ما يعني أن الصراع لم يعد في صورته التقليدية التي كان فيها التفوق الجوي للسعودية يدعم القوات التابعة للرياض دون كلفة كبيرة في العمق السعودي وفي صفوف التحشيدات.

وبالتالي فإن صنعاء من خلال هذه العمليات تؤكد بأنها قادرة على الدفاع عن مواقعها وأن أي تصعيد واسع ضد اليمن ستكون له كلفة في الداخل السعودي، وهذه المعادلة تجعل الحرب أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الرياض؛ لأن الخيار العسكري لن يكون مجانياً حتى مع امتلاك السعودية قدرات جوية واستخبارية ولوجستية ضخمة.

وتكمن قوة الردع هنا في عدم الحاجة إلى تحقيق تفوق عسكري شامل على الخصم، بحيث إنه يكفي أن تمتلك صنعاء القدرة على إلحاق أضرار ذات قيمة استراتيجية بالسعودية، بحيث يصبح استمرار التصعيد مكلفاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

ومن هذه الزاوية، فإن استهداف المطارات والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية لا يحمل قيمة تدميرية فقط، بل يحمل قيمة ردعية أيضاً.

 

قد يعجبك ايضا