سد النهضة اكتمل وامتلأ وبدأ بالتوليد واليوم مصر تفتح الملف بعد 15 عاما
متابعات – المساء برس|
بعد اعوام من اكتمال سد النهضة الإثيوبي وملئه بالمياه وتدشين الاستفادة منه بتوليد الكهرباء، استيقظت مصر السيسي من سباتها لترفع مجددا سقف خطابها تجاه أديس أبابا، في تحرك يأتي بعد سنوات من بناء المشروع وتجاوز مراحل كان يفترض أن تكون فيها مصر أكثر حضورا وتأثيرا، لتجد نفسها أمام سد قائم وواقع مائي جديد يصعب تغييره بالتصريحات والمواقف المتأخرة.
التصعيد المصري الحالي يثير مفارقة واضحة في توقيته، فالقضية لم تبدأ مع اكتمال السد، بل منذ إعلان إثيوبيا مشروعها وبدء أعمال التشييد عام 2011، وخلال السنوات التي تعاقبت فيها مراحل البناء والملء والتشغيل، أصبح المشروع ينتقل من خطة إثيوبية إلى منشأة مكتملة على النيل الأزرق.
وبينما كان يفترض بالقاهرة أن تجعل مراحل التفاوض السابقة على البناء والملء ساحة الحسم الرئيسية، يأتي الخطاب المصري الحالي بعد وصول إثيوبيا إلى نقطة متقدمة جدا في تنفيذ مشروعها، لتلوح القاهرة اليوم بالخيارات القانونية وتعلن رفضها للأمر الواقع، في وقت أصبح فيه السد حقيقة مائية وجغرافية لا يمكن التعامل معها كما لو أن المشروع ما يزال في مرحلة المخططات.
وتحاول مصر في هذه المرحلة إعادة تقديم موقفها باعتباره دفاعا عن أمنها المائي وحقوقها في مياه النيل، إلا أن توقيت التصعيد يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى هذه المواقف بعد اكتمال المشروع، خصوصا أن المطالب المصرية الحالية تتركز على قواعد تشغيل السد والتعامل مع سنوات الجفاف، بينما تجاوزت إثيوبيا بالفعل مراحل التشييد والملء التي كانت تمنح القاهرة مساحة أوسع للضغط والتفاوض.
وفي الوقت الذي ترفع فيه القاهرة خطابها ضد ما تصفه بالتصرفات الأحادية، تتمسك أديس أبابا بأن السد يمثل مشروعا سياديا للتنمية واستثمار الموارد الطبيعية، وترفض أن تتحول الموافقة المصرية إلى شرط مسبق أمام مشاريع دول المنبع، مستندة في خطابها إلى أن دول حوض النيل تملك حقوقا سيادية في استثمار مواردها.
وتستحضر إثيوبيا في المقابل تجربة السد العالي، معتبرة أن مصر بنت مشروعها المائي من دون أن تجعل موافقة دول المنبع شرطا مسبقا، بينما تطالب اليوم بمنحها دورا حاسما في مشاريع الدول الأخرى، وهو ما تستخدمه أديس أبابا للدفع باتجاه اتهام القاهرة بازدواجية المعايير ومحاولة فرض وصاية على دول حوض النيل.
أما القاهرة، فتصر على أن جوهر اعتراضها يرتبط بتشغيل سد النهضة وتأثيراته المحتملة على تدفقات المياه إلى مصر والسودان، وتطالب باتفاق قانوني ملزم ينظم الملء والتشغيل وآليات التعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد.
غير أن انتقال القاهرة إلى التصعيد بعد اكتمال السد وملئه يجعل خطابها الحالي أقرب إلى التعامل مع نتيجة أصبحت قائمة بالفعل، بدلا من التأثير في مشروع كان لا يزال في مراحله الأولى، وهو ما يمنح الموقف الإثيوبي مساحة أكبر للقول إن زمن محاولة إيقاف المشروع أو فرض شروط مسبقة عليه قد انتهى.
وبذلك يتحول سد النهضة من مشروع كانت القاهرة تملك سنوات للتعامل معه إلى واقع مكتمل تحاول مصر اليوم إعادة فتح ملفه من جديد، في مشهد تبدو فيه التحركات المتأخرة أقرب إلى محاولة إظهار الحضور السياسي وذر الرماد في عيون الشارع المصري، أكثر من كونها تحركا قادرا على إعادة عقارب المشروع إلى الوراء.