ميناء المخا.. من نقطة ارتكاز إماراتية لقوات طارق صالح إلى منشأة عسكرية شلتها صواريخ صنعاء
متابعات – المساء برس|
وتكشف سلسلة من التقارير والتحقيقات، التي نشرت على العديد من الوكالات الإخبارية الدولية، إلى جانب تقارير أممية، أن الميناء استخدم في استقبال ونقل معدات عسكرية، وأن وجود النشاط التجاري لم يمنع تحول أجزاء واسعة من المنشأة ومحيطها إلى منطقة ذات وظيفة عسكرية واضحة وصرفه.
وتعود نقطة التحول إلى عام 2017، عندما سيطرت القوات الموالية للتحالف على المخا وفق توافق إماراتي خفي مع علي عبدالله صالح حيث انسحبت قواته التي كانت تسيطر على المدينة وأجبر اللجان الشعبية اليمنية الموالية للجيش اليمني في صنعاء على الانسحاب، غير أنه كان يفترض، وفقا للرواية الرسمية للحكومة اليمنية الموالية للتحالف، أن تعود المدينة وميناؤها إلى سيطرتها، غير أن الوقائع اللاحقة أظهرت مسارا مختلفا، ففي أكتوبر من العام نفسه، نشرت الجزيرة تقريرا قالت فيه إن صورا خاصة أظهرت تحويل ميناء المخا ومحيطه إلى ثكنة عسكرية إماراتية، وإن المنطقة أصبحت مغلقة أمام السكان.
وتحدث التقرير عن إقامة عشرات الوحدات السكنية لإيواء مئات الجنود، وإحاطة الميناء بسور، بالتزامن مع حرمان الصيادين من الوصول إلى البحر.
ولم يتوقف الأمر عند الوجود العسكري المباشر، ففي سبتمبر 2018، وصفت تقارير دولية المخا بأنها مدينة تحولت إلى منطقة عسكرية، ونقلت عن مصادر حكومية موالية لعبد ربه منصور هادي أن الميناء أصبح عسكريا خارجا عن نطاق سيطرتهم، بينما كانت القوات الإماراتية تمنع الصيادين من ممارسة نشاطهم.
وفي التقرير نفسه، أشارت التقارير إلى أن السيطرة على المدينة تمت من قبل القوات الحكومية والإماراتية في فبراير 2017، لكن المدينة لم تعد إلى وضعها الطبيعي بعد ذلك، وإنما بقيت منطقة عسكرية إماراتية بحته.
طارق صالح.. القوة المحلية التي ارتبطت بالمشروع الإماراتي
في هذه المرحلة ظهر طارق صالح كأحد أهم الأدوات المحلية للمشروع الإماراتي في الساحل الغربي، فقد عادت قوات “الحرس الجمهوري” الموالية لطارق والتي انسحبت من المدينة إلى ميناء المخا بعد تلقيها دعما لوجستيا من الامارات، وأكدت التقارير وصول مدرعات ودبابات وأسلحة حديثة إلى قوات طارق صالح، التي اتخذت من الساحل الغربي نقطة انطلاق لنشاطها العسكري، وهو ما أكدته أيضا تقارير إخبارية نشرتها قناة الجزيرة.
ولم تكن علاقة طارق صالح بالإمارات مجرد تعاون عسكري عابر، فالجزيرة وثقت في مادة تعريفية نشرتها عام 2018 أن طارق صالح أصبح حليفا للإمارات بعد خروجه من صنعاء، وأن مصادرها تحدثت عن وجوده في معسكر إماراتي بعدن بهدف تشكيل ألوية خاصة بقيادته، كما نقلت عن مصدر حكومي أن أبو ظبي كانت تضغط على الرئيس عبد ربه منصور هادي لقبول بقاء طارق في عدن وتشكيل قوات بقيادته.
ومع انتقال هذه القوات إلى المخا، أصبح الساحل الغربي بالنسبة إلى طارق صالح أكثر من جبهة عسكرية ضد صنعاء؛ فقد تحول إلى مركز نفوذ عسكري وسياسي خاص، تدور حوله شبكة من القوات والمواقع والموانئ والجزر القريبة من باب المندب.
مركز صنعاء للدراسات أشار في تقريره السنوي لعام 2019 إلى أن الإمارات كانت تدفع رواتب قوات طارق صالح وتقدم لها دعما لوجستيا عبر قاعدة عسكرية تحتفظ بها في مدينة المخا، وذكر التقرير أن نحو عشرين ضابطا إماراتيا كانوا موجودين في تلك القاعدة وفقا لأبحاث المركز، كما ربط المركز بين الوجود الإماراتي في المناطق الساحلية وبين هدف أوسع يتمثل في تعزيز النفوذ على الموانئ وخطوط التجارة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
“المتحري”.. عندما انتقلت الرواية من الاتهام إلى الوثائق والصور
الوثيقة الإعلامية الأبرز في هذا الملف تبقى تحقيق برنامج “المتحري” الذي بثته قناة الجزيرة في ديسمبر 2020 تحت عنوان “الطريق إلى الساحل”.
التحقيق لم يكتف بالحديث عن وجود إماراتي في المخا، بل قال إنه حصل على وثائق وأرشيف ومقاطع فيديو تكشف طبيعة النشاط الإماراتي في الساحل الغربي.
ووفقا لما نشرته الجزيرة عن التحقيق، فقد تم توثيق تحويل ميناء المخا إلى قاعدة عسكرية تستخدم في إنزال وتحميل السلاح، كما أظهرت المقاطع وصول معدات عسكرية إلى الميناء عبر سفن تجارية قادمة من القاعدة الإماراتية في إريتريا.
وهذه النقطة تحديدا تعيد طرح السؤال حول طبيعة استخدام الميناء: إذا كانت المعدات العسكرية تصل عبر سفن تجارية، فإن الشكل الخارجي للرحلة لا يكشف بالضرورة عن طبيعة الحمولة أو الغرض النهائي منها، وبحسب التحقيق، كان الميناء يؤدي وظيفة لوجستية مرتبطة بالقوات المدعومة من الإمارات على الساحل الغربي، بينما كانت الواجهة التجارية للميناء قائمة في الوقت ذاته.
ولم يكن طارق صالح بعيدا عن هذه الصورة. فقد خصص “المتحري” جزءا من الحلقة لدوره في الساحل الغربي، وذكرت الجزيرة أن التحقيق وثق قواته ومواقع انتشارها وتدريباتها، إضافة إلى وجود ضباط إماراتيين إلى جانب قيادة هذه القوات، كما تحدث التحقيق عن وصول قوات مدربة إلى الساحل، وعن استخدام الميناء ضمن شبكة الإمداد المرتبطة بهذه القوات.
من ميناء تجاري إلى نقطة إمداد عسكري
تتكرر الصورة نفسها في تقرير آخر لقناة الجزيرة نشر في سبتمبر 2020، قبل بث تحقيق “المتحري”، التقرير قال إن الإمارات تستخدم ميناء المخا لنقل الإمدادات العسكرية إلى القوات التي تدعمها في الساحل الغربي، وإن الميناء شهد حشودا من المعدات العسكرية ومخازن للسلاح، وأنه أصبح أشبه بثكنة عسكرية تحت إدارة وإشراف ضباط إماراتيين.
كما أشار التقرير إلى أن الاستحداثات التي جرت داخل الميناء شملت مباني وعنابر تستخدم في الأغلب لتخزين السلاح والمعدات. وذهب التقرير إلى أن القوات المدعومة إماراتيا استخدمت الميناء بصورة حصرية لنقل الإمدادات العسكرية واللوجستية إلى قواتها في الساحل الغربي.
والأهم أن هذا الوصف لم يبق محصورا في تقارير إعلامية ذات موقف سياسي معين. ففي تقريرها لعام 2022، قالت لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة إن طبيعة الدعم الإماراتي للقوات الموجودة على الساحل الغربي ظلت غير شفافة، لكنها وثقت مقاطع فيديو تظهر مركبات عسكرية تدخل ميناء المخا. كما نقل التقرير عن الإمارات إقرارها بأنها قدمت دعما لهذه القوات قبل 2019، فيما أشار إلى استمرار وجود إماراتي على الساحل الغربي حتى بعد تقليص القوات الإماراتية المباشرة.
لماذا المخا بالذات؟
الإجابة ترتبط بالموقع قبل أي شيء آخر.
ميناء المخا يقع على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، وهو الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ولذلك فإن السيطرة عليه لا تمنح صاحبها منشأة بحرية فحسب، وإنما تمنحه موقعا متقدما على واحد من أهم خطوط الملاحة الدولية.
وهذا ما يفسر، تركيز الإمارات ووكلائها على الساحل الغربي، حيث أشار المركز إلى تطوير قدرات خفر السواحل وإنشاء مهبط للطائرات في المخا وتطوير الميناء، إلى جانب إنشاء بنى دعم لوجستي عسكري في الجزر القريبة من باب المندب، ومنها ميون وزقر.
وفي هذا السياق، لا تبدو المخا منشأة منفصلة عن شبكة جغرافية أوسع، فالميناء يأتي ضمن سلسلة من المواقع تمتد من باب المندب إلى الساحل الغربي، وترتبط بمواقع عسكرية وجزر ومهابط طائرات ومراكز للقوات المحلية المدعومة من أبو ظبي.هل كانت التجارة غطاء للنشاط العسكري؟
هنا يجب التفريق بين أمرين.
الأول أن ميناء المخا ميناء تجاري تاريخي بالفعل، ولا يمكن إنكار هذا الدور، والثاني أن إعادة تقديمه بوصفه ميناء تجاريا لا تنفي استخدامه العسكري خلال السنوات التي أعقبت سيطرة القوات المدعومة إماراتيا عليه.
بل إن المفارقة الأساسية تكمن في أن النشاط التجاري للميناء ظل محدودا لسنوات، في حين وثقت مصادر متعددة نشاطا عسكريا واضحا داخله وحوله.
ففي 2017، أكدت تقارير وكالات دولية من بينها قناة الجزيرة إن الميناء تحول إلى منطقة عسكرية مغلقة، وفي 2018 تحدثت عن تحوله إلى ميناء عسكري، وفي 2020 قالت إن الميناء يستخدم لنقل الإمدادات العسكرية وإن فيه مخازن للسلاح، وفي تحقيق استقصائي للعام 2020، تحدثت عن وصول معدات عسكرية عبر سفن تجارية قادمة من القاعدة الإماراتية في إريتريا.
ومن هنا يمكن صياغة الاستنتاج : لم يكن النشاط التجاري هو النشاط الوحيد للمخا خلال مرحلة السيطرة الإماراتية، بل توجد أدلة متعددة على أن الوظيفة العسكرية واللوجستية كانت مكونا أساسيا من استخدام الميناء.
المخا كجزء من مشروع إماراتي أوسع
الوقائع المتعلقة بالمخا تصبح أكثر وضوحا عند وضعها ضمن مسار النفوذ الإماراتي على السواحل اليمنية.
مركز صنعاء أشار في تقريره السنوي لعام 2018 إلى أن أبو ظبي سعت إلى بناء نفوذ على امتداد المناطق الساحلية، وأنها سيطرت عبر حلفائها المحليين على عدد من الموانئ، بينها المخا، في الوقت الذي كانت فيه القوات الإماراتية تقود عمليات عسكرية باتجاه موانئ الساحل الغربي الأخرى.
أما مركز الجزيرة للدراسات، فقد تحدث عن شبكة من القوات المدعومة إماراتيا تمتد على الساحل بين باب المندب والحديدة، وعن تطوير الموانئ والمهابط وقدرات خفر السواحل، وربط ذلك بنفوذ أبو ظبي في البحر الأحمر.
وفي تحقيق “المتحري”، ذهبت الجزيرة أبعد من ذلك، وقالت إن الوثائق والمقاطع التي حصل عليها البرنامج كشفت وسائل الإمارات للسيطرة على الساحل الغربي، وإن ميناء المخا أصبح جزءا من منظومة تستخدم في إنزال وتحميل السلاح، مع وصول معدات عسكرية من القاعدة الإماراتية في إريتريا، وهكذا يظهر المخا كحلقة ضمن مشروع أوسع، لا كمنشأة معزولة.
الخلاف بين العليمي وطارق صالح يكشف انقسام المعسكر المناهض لصنعاء
تطور المشهد لاحقا إلى انقسام داخل القوى التي يفترض أنها تعمل تحت مظلة واحدة.
فطارق صالح أصبح عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، لكنه احتفظ في الوقت نفسه بقوة عسكرية واسعة تتمركز في الساحل الغربي وتتخذ من المخا مركزا رئيسيا لها. وفي المقابل، ارتبط رئيس المجلس رشاد العليمي بصورة أوثق بالمسار السعودي، وهو ما ظهر بوضوح مع تصاعد الخلافات داخل مجلس القيادة.
وفي يوليو 2025، نقلت الجزيرة عن مصادر يمنية وجود خلافات حادة بين العليمي وطارق صالح، وصلت إلى اتهامات متبادلة بشأن الإقصاء وإضعاف مؤسسات الدولة، بينما أقر العليمي بوجود تباينات داخل المجلس.
ثم جاءت أزمة ديسمبر 2025 لتكشف الانقسام بصورة أكثر وضوحا، عندما وقف طارق صالح إلى جانب ثلاثة أعضاء آخرين في مجلس القيادة ضد قرارات العليمي المتعلقة بإنهاء الوجود العسكري الإماراتي في اليمن.
كما استمر بعد الإعلان الإماراتي عن الانسحاب تأثير أبو ظبي المباشر على قوات طارق صالح التي تتخذ من المخا مقرا لها وتتلقى دعما إماراتيا واسعا.
وهنا تبرز المفارقة: طارق صالح والعليمي يجلسان داخل مجلس واحد، لكنهما يمثلان في الواقع شبكتين من النفوذ الإقليمي؛ الأولى مرتبطة تاريخيا بالدعم الإماراتي وقوات الساحل الغربي، والثانية أقرب إلى الرياض في إدارة الملف السياسي والعسكري.
من يملك المخا يملك ورقة في معركة باب المندب
تاريخ المخا منذ 2017 لا يشير إلى مجرد تنافس على ميناء تجاري.
السيطرة على الميناء جاءت ضمن عملية عسكرية واسعة على الساحل، ثم أعقبها انتشار إماراتي، وتأسيس وتوسيع قوات محلية مرتبطة بأبو ظبي، وتحويل الميناء ومحيطه إلى منطقة عسكرية، ثم ظهور طارق صالح كقائد للقوة المحلية الرئيسية في المنطقة.
وعندما تتزامن هذه الوقائع مع موقع المخا القريب من باب المندب، ومع تطوير منشآت عسكرية ومهابط ومراكز دعم على الساحل والجزر، يصبح الميناء جزءا من معادلة السيطرة على الممر البحري وليس مجرد بوابة تجارية لتعز.
ولهذا فإن الرواية التي تقدم المخا باعتباره ميناء تجاريا فقط تتجاهل جزءا كبيرا من تاريخ المنشأة منذ 2017 حيث تحول 90% من نشاطه إلى الجانب العسكري.
المخا ومينائها خلال سنوات السيطرة الإماراتية وقوات طارق صالح وحتى اليوم ظلت تمارس وظيفة عسكرية واللوجستية واحتلت هذه الوظيفة موقعا استثنائيا في إدارته واستخدامه، إلى درجة دفعت الكثير من الوكالات الدولية إلى وصفه في أكثر من تقرير بأنه ثكنة عسكرية أو ميناء عسكري.
عودة القصف.. ماذا تكشف الضربات الأخيرة؟
الضربات الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية الموالية لصنعاء على المخا أعادت هذه الوظيفة إلى الواجهة، فقد أعلنت إدارة الميناء في أغسطس 2026 تعليق جميع العمليات التجارية والبحرية بعد تعرضه لأكثر من 25 صاروخا، واللافت أن المتحدث العسكري في صنعاء قال إن الاستهداف طال تجمعات للقوات السعودية ومخازن أسلحة، بينما قالت القوات التابعة للحكومة إن الضربات أصابت أحياء مدنية ومنشآت في المخا، دون أي شاهد ودليل من المدينة والميناء الذي تم منع أي كاميرا تابعة لأي مؤسسة إعلامية الاقتراب منه.
وهنا تحديدا تعود الأسئلة التي لم تحسمها سنوات الحرب: لماذا بقي ميناء المخا محاطا بالوجود العسكري؟ ولماذا ارتبط اسمه باستمرار بقوات طارق صالح والإمدادات العسكرية الإماراتية؟ ولماذا ظلت عملية تحويله إلى منشأة تجارية كاملة متعثرة طوال سنوات، بينما استمر استخدام المنطقة في بناء القوة العسكرية والنفوذ على الساحل؟
الإجابة لا تحتاج إلى افتراضات كثيرة بقدر ما تحتاج إلى قراءة التسلسل الزمني نفسه.
فمنذ 2017، ظهرت تقارير عن تحويل الميناء إلى منطقة عسكرية. وفي 2018 أصبح طارق صالح وقواته المدعومة إماراتيا جزءا أساسيا من المشهد العسكري في المخا، وفي 2020 وثقت وكالات دولية وأممية استخدام الميناء للإمدادات العسكرية، وفي 2022 وثقت لجنة خبراء الأمم المتحدة دخول مركبات عسكرية إلى الميناء، وأقرت الإمارات أمام اللجنة بتقديم دعم عسكري للقوات الموجودة على الساحل قبل 2019.
وبذلك، فإن القضية الأساسية ليست ما إذا كان ميناء المخا يحمل صفة “تجارية” على الورق، وإنما أي وظيفة كانت أكثر تأثيرا في واقع الميناء خلال سنوات السيطرة الإماراتية: وظيفة المرفأ التجاري، أم وظيفة المركز العسكري واللوجستي المرتبط بقوات طارق صالح والمشروع الإماراتي على البحر الأحمر.
وحتى مع التحفظ على وصف التجارة بأنها مجرد غطاء، فإن السجل الموثق يشير بوضوح إلى أن المخا لم يكن ميناء تجاريا خلال تلك المرحلة، وأن استخدامه العسكري لم يكن حادثا عابرا، بل مسارا امتد لسنوات وارتبط بشبكة النفوذ الإماراتي وقوات طارق صالح وموقع باب المندب الاستراتيجي، ما يسقط الرواية التي تدعي أن صنعاء استهدفت أعيانا مدنية.