كيف عملت السعودية على إجهاض اقتصاد اليمن؟ ولماذا تستنفر لإبقاء الحصار اليوم؟
تقرير _ المساء برس|
لم تكن الحرب على اليمن عام 2015 والتي مازالت مستمرة إلى اليوم بداية المعركة السعودية على اليمن، بل إنها تمثل الفصل الأخير في استراتيجية سعودية طويلة الأمد، هدفت إلى تحويل اليمن من دولة ذات ركائز قوية إلى دولة هشة تفتقر إلى أبسط المقومات مايجعلها بحاجة مستمرة للدعم السعودي المحدود، والمشروط بهيمنة مطلقة للرياض على كل الملفات .
وفي هذا التقرير المختصر نسلط الضوء على الأركان التي قامت عليها السياسة السعودية في “إضعاف البنية الاقتصادية لليمن” منذ عقود، وكيف تُمثل معادلات الردع التي أعلنتها صنعاء مؤخراً رداً على هذا التاريخ من التعطيل.
خريطة التعطيل الممنهج.. إجهاض السيادة الاقتصادية:
كشفت العقود الماضية أن القرار الاقتصادي اليمني كان مكبلاً بأدوات سعودية تهدف إلى منع أي “استقلال مالي” قد يجعل اليمن نداً إقليمياً، وتتمثل أبرز محطات هذه السياسة في حرب شاملة عبر عدة مسارات أولها استهداف الشخصيات التي تتجه نحو تحقيق الاستقلال وعلى رأسها اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، بالإضافة إلى تفعيل مسارات أخرى مباشرة وغير مباشرة، منها: ملف الطاقة (النفط والغاز)، حيث فرضت الرياض خطاً أحمر على استغلال الثروة النفطية اليمنية، خاصة في محافظات الجوف، مأرب، وحضرموت.
وفي اتفاقية ترسيم الحدود فرضت السعودية بنداً أمنياً يحظر التنقيب في مسافة 50 كلم من الشريط الحدودي، كما مارست الرياض ضغوطاً مباشرة على شركات عالمية (مثل “هنت” الأمريكية وشركات فرنسية) للانسحاب من قطاعات التنقيب، مستخدمة النزاعات الحدودية كذريعة قانونية والإغراءات المالية، وفقاً لماكشفته وثائق نُشرت خلال السنوات الماضية.
كما نُشرت تقارير صحفية مبنية على معلومات فنية تشير إلى عمليات حفر مائلة قام بها الجانب السعودي لسحب النفط من حقول حدودية يمنية، مستغلة ضعف الدولة المركزية في حماية ثرواتها.
وإلى جانب تلك الإجراءات التي قيّدت اليمن من الحصول على ثرواته السيادية لبناء اقتصاده، فعّلت السعودية استراتيجية “اللجنة الخاصة”، وهذه اللجنة التي مازالت قائمة إلى اليوم تعد بمثابة أداة لتفتيت القرار السيادي؛ حيث تضخ أموالاً خارج أطر ميزانية الدولة لولاءات قبلية ومسؤولين سياسيين وعسكريين، مما خلق سلطة موازية تعطّل مشاريع التنمية وتجعل الدولة اليمنية عاجزة عن اتخاذ قرارات اقتصادية استراتيجية دون إذن من الرياض.
ولم تكتف الرياض عند هذا الحد، بل عملت عبر أدواتها المختلفة على تحطيم الإنتاج المحلي، ودفع البلاد نحو الاعتماد الكلي على الاستيراد بنسبة تجاوزت 85%، مما جعل الاقتصاد اليمني هشاً وسهل الانهيار عند أي أزمة سياسية.
وخلال العقود الماضية ووفقاً لما كشفته الوقائع والوثائق فإن الرياض عملت – بالتكامل مع حلفائها – على إعاقة تطوير موانئ اليمن وعلى رأسها ميناء عدن، خوفاً من أن يتحول اليمن إلى مركز دولي للترانزيت يهدد موانئها وحلفائها ويمنح اليمن استقلالاً مالياً.
أما في السنوات الأخيرة فقد قصفت السعودية بطائراتها كل البنى الاقتصادية اليمنية _ رغم محدوديتها _ في محاولة لكسر إرادة اليمن وفرض أجنداتها الخاصة، ولم تكتف بالقصف وحسب، بل كثّفت من عمليات الحصار بالتزامن مع تفعيل شراء الولاءات وإثارة الفتن الداخلية بما يؤدي إلى تحقيق أهدافها وتنفيذ مصالحها، وما انقسام اليمنيين في الأعوام الماضية واصطفاف البعض منهم إلى جانب الرياض والتنكر لبلدهم، إلا نتاج للدور السعودي الممتد لعقود عبر اللجنة الخاصة في شراء المواقف والولاءات.
الخوف السعودي من معادلة كسر الحصار:
إن إعلان قائد أنصار الله عبدالملك الحوثي عن معادلة “المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار” ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو إعلان لانتهاء زمن التبعية التي فُرضت على اليمن لعقود.
وفي هذا الإطار فإن السعودية ترى في هذه الخطوة خطر وجودي لنفوذها _ مع أنها حق كامل لليمن _ وتحشد كل ما لديها لإفشال هذه الخطوة، وما قصفها لمطار صنعاء الدولي قبل أيام، إلا دليل على أنها ترى بأن استقلال صنعاء في قرارها السياسي والاقتصادي والعسكري نهاية لنفوذها في اليمن.