النفير القبلي.. كيف تبني صنعاء أقوى أوراق الردع؟

تقرير _ المساء برس|

تشهد المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء منذ أكثر من أسبوعين حالة من الحراك القبلي المتصاعد، تمثلت في تنظيم وقفات قبلية مسلحة ولقاءات موسعة، وذلك عقب دعوة قائد أنصار الله، عبدالملك الحوثي إلى الاستعداد لمعركة كسر الحصار.

ولا يُنظر إلى هذه التحركات، وفق قراءة مراقبين، باعتبارها مجرد فعاليات تضامنية أو مواقف قبلية اعتيادية، وإنما باعتبارها جزءاً من عملية تعبئة سياسية واجتماعية وعسكرية واسعة تهدف إلى تهيئة الجبهة الداخلية لمواجهة مرحلة جديدة من الصراع، في ظل تصاعد الخطاب السياسي والعسكري لصنعاء بشأن إنهاء الحصار واستعادة السيطرة على الثروات الوطنية.

القبيلة في المعادلة الجديدة.. من الحاضنة الاجتماعية إلى ركيزة الردع: 

مثّلت القبيلة اليمنية، تاريخياً، أحد أهم عناصر القوة في المجتمع اليمني، غير أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة دفعت بها إلى أداء أدوار تتجاوز الإطار الاجتماعي التقليدي، لتتحول إلى جزء من منظومة الردع الوطني.

فالوقفات المسلحة التي تشهدها مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء لا تقتصر على إعلان التضامن والتأييد، بل تحمل رسائل متعددة المستويات، داخلياً وخارجياً، فمن جهة، تؤكد استمرار تماسك الجبهة الداخلية، ومن جهة أخرى تبعث برسائل إلى السعودية وحلفائها بأن أي تصعيد عسكري لن يقتصر على مواجهة تشكيلات عسكرية محدودة، وإنما سيجد أمامه بيئة اجتماعية وقبلية واسعة تعلن استعدادها للمشاركة في المعركة.

ويرى مراقبون أن هذا المشهد يعزز من معادلة الردع التي تسعى صنعاء إلى ترسيخها، عبر رفع كلفة أي خيار عسكري يستهدفها، ليس فقط من الناحية العسكرية، وإنما أيضاً من الناحية السياسية والاجتماعية، بما يجعل أي مواجهة مفتوحة أكثر تعقيداً بالنسبة لخصومها.

كما يرى محللون أن استمرار خروج القبائل بهذا الزخم يمثل مؤشراً على فشل الرهان الذي تبنته الرياض وواشنطن خلال السنوات الماضية والقائم على استنزاف المجتمع اليمني اقتصادياً ومعيشياً وصولاً إلى إضعاف حاضنته الشعبية، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحصار تحول إلى عامل تعبئة بدلاً من أن يكون أداة ضغط، وأنه أسهم في تعزيز حالة الاصطفاف الداخلي بدلاً من تفكيكها.

مضامين البيانات القبلية خارطة طريق للمرحلة المقبلة: 

تكشف البيانات الصادرة عن الوقفات القبلية خلال الأيام الماضية عن وجود خطاب سياسي وعسكري متناسق يتجاوز عبارات التضامن التقليدية إلى الإعلان عن خطوات عملية تعكس استعداداً لمرحلة جديدة، فقد ركزت البيانات على فتح مراكز التدريب والتأهيل، واستمرار دورات التعبئة العسكرية، وتنفيذ المناورات الميدانية، بما يشير إلى أن الاستعدادات لا تقتصر على الجانب الخطابي، وإنما تمتد إلى بناء جاهزية بشرية وتنظيمية تحسباً للتطورات القادمة. 

كما أكدت البيانات تمسك القبائل بمبدأ “وحدة الساحات”، وربطت الموقف اليمني بالتطورات الإقليمية، خصوصاً في ظل استمرار التوتر في المنطقة، معتبرة أن ما يجري في اليمن يشكل جزءاً من مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة و” إسرائيل” وحلفائهما. 

وفي الجانب الاقتصادي، برزت قضية الثروات الوطنية باعتبارها أحد المحاور الأساسية في الخطاب القبلي، حيث ربطت البيانات بين فك الحصار واستعادة السيطرة على النفط والغاز والموارد السيادية، باعتبار ذلك جزءاً من معركة استعادة القرار الوطني المستقل.

الحراك الشعبي والخبرات المتراكمة: 

يرى مراقبون أن الحراك القبلي الحالي لا يمكن فصله عن التجربة التي راكمتها صنعاء خلال العامين الماضيين في إدارة الحشد الجماهيري، فقد شهدت المحافظات الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء، على مدى أشهر طويلة، تنظيم فعاليات أسبوعية ومسيرات جماهيرية واسعة دعماً لغزة، شارك فيها ملايين اليمنيين في مئات الساحات، وهو ما وفر خبرة تنظيمية كبيرة في إدارة الحشود والتعبئة الشعبية.

وأشاروا أن هذه التجربة لم تكن مجرد نشاط تضامني، بل أسهمت في بناء حالة من الجاهزية النفسية والاجتماعية، وعززت من قدرة المؤسسات الرسمية والشعبية على تنظيم الفعاليات الكبرى بصورة مستمرة الأمر الذي انعكس اليوم في سرعة الاستجابة لدعوات التعبئة والاستنفار.

كما ساعد هذا التراكم في تعزيز التماسك الداخلي وتقليص تأثير الانقسامات الاجتماعية وبناء خطاب تعبوي موحد يربط بين القضايا الوطنية والتطورات الإقليمية.

معادلة الردع الجديدة.. التكنولوجيا العسكرية والعمق القبلي: 

يرى محللون إلى أن أبرز ما يميز صنعاء في المرحلة الحالية هو الجمع بين عنصرين رئيسيين في معادلة القوة، الأول يتمثل في التطور العسكري الذي شهدته قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة خلال السنوات الماضية، وما رافقه من عمليات بعيدة المدى غيّرت كثيراً من الحسابات العسكرية في المنطقة.

أما العنصر الثاني فيتمثل في العمق القبلي والبشري، الذي يوفر احتياطياً واسعاً للتعبئة والاستنفار، ويمنح القيادة في صنعاء قدرة على الاستمرار في أي مواجهة طويلة الأمد.

ويرى المحللون أن اجتماع هذين العنصرين خلق معادلة مختلفة عما كانت عليه الحرب في سنواتها الأولى، إذ لم تعد القوة تقاس فقط بحجم التسليح، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع على الصمود والاستمرار في دعم خياراته السياسية والعسكرية.

الرسائل والخلاصة: 

يحمل الحراك القبلي، وفق تقديرات خبراء، عدداً من الرسائل السياسية والعسكرية أبرزها التأكيد على تماسك الجبهة الداخلية ورفع مستوى الردع تجاه أي تصعيد محتمل، وإظهار أن قرار المواجهة لن يكون قرار مؤسسة عسكرية فحسب، بل خياراً يحظى بإسناد قبلي وشعبي واسع.

تشير المؤشرات الميدانية إلى أن الحراك القبلي الذي تشهده المحافظات الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء يمثل أحد أبرز أدوات بناء القوة الداخلية في المرحلة الراهنة، فإلى جانب القدرات العسكرية التي راكمتها صنعاء خلال السنوات الماضية، باتت القبيلة تمثل رصيداً استراتيجياً يوفر عمقاً بشرياً وسياسياً يعزز من قدرتها على الردع والمناورة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه التهديدات المتبادلة بين صنعاء والرياض، وتتصاعد التصريحات بشأن معركة كسر الحصار، تبدو الوقفات القبلية ورسائلها المتكررة جزءاً من عملية إعداد شاملة تهدف إلى ترسيخ معادلة جديدة، قوامها أن أي مواجهة مقبلة لن تكون محكومة فقط بتوازنات السلاح، بل أيضاً بقدرة كل طرف على الصمود ومواجهة التحديات.

 

قد يعجبك ايضا