أمن الكيان.. العقيدة الثابتة في البيت الأبيض ودول الخليج خط الدفاع الأول

تقرير- المساء برس..هاشم الدرة|

منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية لتحالفها الاستراتيجي مع “الكيان الإسرائيلي”، تحول دعم الكيان الصهيوني إلى عقيدة ثابتة داخل البيت الأبيض، تتوارثها الإدارات الأميركية كما لو أنها جزء من الدستور غير المعلن للسياسة الخارجية الأميركية.

ومهما تغيرت أسماء الرؤساء، وتبدلت الأحزاب والشعارات الانتخابية، يبقى الثابت الوحيد هو أن أمن “الكيان الإسرائيلي” يتقدم على أي اعتبار آخر، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار المنطقة العربية أو أمن حلفاء واشنطن أنفسهم.

عقيدة أمريكية لا تتغير

على مدى عقود، لم يخرج أي رئيس أميركي عن النص التقليدي المرتبط بحماية “إسرائيل”، فالجمهوري والديمقراطي يختلفان في تفاصيل كثيرة، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة” ضمان تفوق الكيان عسكريا وأمنيا وسياسيا”.

حرص الرؤساء الأميركيون المتعاقبون دائما على التأكيد أن أمن “إسرائيل” يمثل “مصلحة أميركية عليا”، وهي العبارة التي تكررت في خطابات الرؤساء من جيمي كارتر ورونالد ريغان، وصولا إلى باراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن.

حتى خلال فترات الخلاف السياسي الظاهري بين واشنطن وتل أبيب، لم يتغير جوهر العلاقة، إذ ظلت المساعدات العسكرية والتغطية السياسية والدبلوماسية مستمرة بلا انقطاع.

ويبدو المشهد وكأن كل رئيس أميركي يتسلم مفاتيح البيت الأبيض مرفقة بوصية سياسية ثابتة “احم الكيان أولا، ثم أدر بقية الملفات”.

الخليج كخط دفاع أول لحماية “إسرائيل”

لكن الاستراتيجية الأميركية لم تكتف بتوفير الحماية المباشرة لـ”الكيان”، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر تحويل دول الخليج العربية إلى منطقة عازلة وخط دفاع متقدم يحمي تل أبيب من أي تهديد إقليمي، خصوصا في ظل تصاعد قدرات إيران الصاروخية والعسكرية.

فالانتشار العسكري الأميركي الكثيف في الخليج، والقواعد الجوية والبحرية، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، لا ينظر إليه باعتباره حماية لدول الخليج بقدر ما يمثل جزءا من منظومة دفاع أوسع هدفها الأساسي حماية “إسرائيل” ومنع وصول أي تهديد إليها.

وفي كل تصعيد إقليمي، تتحول دول الخليج إلى ساحة توتر مفتوحة، تتحمل المخاطر الأمنية والاقتصادية والسياسية، فيما يبقى “الكيان” خلف المظلة الأميركية بعيدا عن التهديد المباشر.

تريليونات الخليج في خدمة أمن “الكيان”

دفعت الولايات المتحدة دول المنطقة إلى إنفاق تريليونات الدولارات على صفقات السلاح الأميركية تحت عنوان “مواجهة التهديدات الإقليمية”.

هذه الصفقات الضخمة أسهمت في تعزيز الصناعات العسكرية الأميركية من جهة، وربط الأمن الخليجي بالقرار الأميركي من جهة أخرى، بينما كانت النتيجة الفعلية هي بناء شبكة حماية غير مباشرة لـ”إسرائيل”.

فكل منظومات الدفاع الجوي والرادارات والتحالفات العسكرية التي تنشر في المنطقة، تعمل ضمن تصور أميركي شامل يضع “أمن الكيان” في صدارة الأولويات، حتى لو جرى تقديم الأمر إعلاميا باعتباره دفاعا عن الخليج.

 تصريحات تكشف طبيعة العلاقة

كثير من المسؤولين الأميركيين والغربيين تحدثوا صراحة عن طبيعة هذه العلاقة الخاصة.
فالرئيس الأميركي السابق جو بايدن قال في إحدى المناسبات إن الولايات المتحدة “لن تكون الولايات المتحدة بدون إسرائيل”، في تعبير يعكس عمق الارتباط السياسي والاستراتيجي بين الطرفين.

أما الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، فقد عاد مع ولايته الثانية ليؤكد أن السياسة الأميركية تجاه “الكيان الإسرائيلي” ليست مجرد تحالف سياسي، بل التزام استراتيجي يتقدم على كل الحسابات الأخرى، وهو ما ظهر بوضوح مع الحرب الأخيرة على إيران والتطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة منذ مطلع 2026.

فترامب، الذي سبق أن منح “إسرائيل” خلال ولايته الأولى مكاسب تاريخية تمثلت بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة والاعتراف بسيادة الاحتلال على الجولان السوري المحتل، عاد اليوم ليقود المشهد نفسه بصورة أكثر وضوحا وخطورة، عبر انخراط أميركي مباشر وغير مباشر في حماية “الكيان” خلال المواجهة المفتوحة مع إيران.

ومع تصاعد الهجمات المتبادلة بين إيران و”إسرائيل”، تحركت الولايات المتحدة بسرعة لتعزيز وجودها العسكري في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ليس دفاعا عن حلفائها الخليجيين كما يروج إعلاميا، بل لضمان بقاء “الكيان” بعيدا عن الخطر المباشر.
القواعد الأميركية في الخليج تحولت إلى غرف عمليات متقدمة، وأنظمة الدفاع الجوي الأميركية انتشرت بكثافة لاعتراض الصواريخ والمسيرات، فيما دفعت واشنطن بحاملات طائرات ومدمرات إضافية إلى المنطقة لحماية التفوق الإسرائيلي.

وخلال الأسابيع الماضية، ظهرت حقيقة الدور الذي رسمته واشنطن لدول الخليج، إذ وجدت هذه الدول نفسها في قلب المواجهة الأمنية، معرضة لخطر الاستهداف والتصعيد، بينما كانت الأولوية الأميركية منصبة على حماية المدن والمواقع الحيوية داخل “إسرائيل”.

كما كشفت الحرب الأخيرة أن واشنطن تنظر إلى الخليج باعتباره خط الدفاع الأول عن “الكيان”، وهو ما يفسر الضغوط الأميركية المستمرة على الأنظمة العربية للانخراط في تحالفات أمنية وعسكرية تحت عناوين مثل “الدفاع المشترك” و”حماية الملاحة” و”مواجهة التهديد الإيراني”.

ترامب نفسه لم يخف هذا التوجه، إذ كرر أكثر من مرة أن الولايات المتحدة “لن تسمح بسقوط إسرائيل أو تهديد وجودها”، وهي تصريحات جاءت متزامنة مع تسريع عمليات تزويد الاحتلال بالأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع، في وقت كانت فيه المنطقة كلها تعيش على وقع احتمال الانفجار الإقليمي الشامل.

الأحداث الأخيرة أثبتت أيضا أن واشنطن لا تتعامل مع أمن الخليج كغاية مستقلة، بل كجزء من منظومة حماية “إسرائيل”. فعندما تصاعدت التهديدات ضد المنشآت النفطية وخطوط الملاحة والطاقة، كان الهم الأميركي الأكبر هو منع انعكاس ذلك على أمن “الكيان” واستقراره الاقتصادي والعسكري.

وهكذا، أعادت الحرب على إيران كشف المعادلة القديمة ذاتها “الولايات المتحدة مستعدة لتحويل المنطقة كلها إلى ساحة استنزاف مفتوحة، شرط أن يبقى الكيان في موقع آمن”، أما الحلفاء العرب، فدورهم يظل محصورا في تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية لصراع صيغ أساسا لخدمة التفوق الإسرائيلي وضمان استمراره.

الخليج يدفع الثمن

وفي المقابل، ظهرت خلال السنوات الماضية تصريحات عربية تتحدث عن “المصير المشترك” و”التحالف الإقليمي” و”مواجهة الخطر الإيراني”، وهي عبارات استخدمت لتبرير موجة التطبيع والتحالفات الأمنية الجديدة التي تصب عمليا في خدمة حماية “الكيان”.

في كل مواجهة أو توتر إقليمي، تكون دول الخليج في واجهة المشهد، سواء عبر استهداف القواعد الأميركية أو التهديدات المرتبطة بإمدادات النفط والطاقة أو المخاطر الأمنية الناتجة عن الصراع.

وفي الوقت الذي تتحمل فيه هذه الدول كلفة التوتر السياسي والعسكري، يبقى “الكيان الإسرائيلي” المستفيد الأكبر من هذه المعادلة، إذ يحصل على حماية أميركية مفتوحة دون أن يدفع أثمان المواجهة المباشرة.

هذا الواقع خلق انطباعا واسعا بأن واشنطن تتعامل مع حلفائها العرب باعتبارهم أدوات ضمن استراتيجية حماية “إسرائيل”، وليس شركاء متساوين في المصالح.

السياسة الأميركية تختصر في عبارة واحدة

رغم الشعارات الأميركية المتعددة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب، إلا أن التجربة السياسية الممتدة لعقود تكشف أن جوهر السياسة الأميركية في الشرق الأوسط يدور حول محور واحد “حماية الكيان الإسرائيلي وضمان تفوقه”.

ولهذا، فإن الإدارات الأميركية تتغير، لكن الأولويات تبقى ثابتة، وتستمر المنطقة في دفع أثمان الصراعات والتحالفات التي تصاغ بما يخدم أمن تل أبيب أولا.

ولهذا فالمشهد يبدوا على هذا الأساس بأن “الرئيس الأميركي” ليس عنوان عام لحارس دائم لمصالح “الكيان”، فيما تتحول المنطقة العربية، وخصوصا الخليج، إلى ساحة مفتوحة لاستنزاف سياسي وأمني واقتصادي لا ينتهي، تحت العنوان ذاته الذي حكم السياسة الأميركية لعقود… “أمن إسرائيل”.

قد يعجبك ايضا