التاريخ يعيد نفسه… أمريكا تسير في طريق الإمبراطوريات الساقطة
ومايسطرون… زكريا الشرعبي.. المساء برس|
تحمل الإمبراطوريات مرضها في داخلها وتقود نفسها بنفسها إلى النهاية، وعادة ما كان سقوط الإمبراطوريات على يد قوى أصغر منها في التجهيز العسكري والمادي.
بعد أن فرض نابليون بونابرت سيطرته على معظم القارة الأوروبية، أُغري بغزو روسيا مقدرا أنها تهدد نظامه الأوروبي، فقرر غزوها لإجبارها على الخضوع، وحشد أكثر من 600 ألف جندي بينما لم يكن لدى روسيا سوى ثلثي هذا العدد،وقد نجح تكتيكيا بالوصول إلى قلب موسكو، لكنه اضطر للانسحاب بخسائر فادحة مع رفض الروس للاستسلام، ولم يعد إلا بنحو 90 ألف جندي فقط، ما أدى إلى انحسار نفوذ امبراطوريته ثم تلاشيها بعد سنوات.
تمثل الولايات المتحدة اليوم إمبراطورية وقد خاضت العشرات من الحروب في العالم، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي وصل الأمريكيون إلى وهم “نهاية التاريخ” كما عبر عن ذلك فوكوياما في كتابه الذي يحمل ذات العنوان، لكن هذه الإمبراطورية أصيبت خلال العقدين الأخيرين بارتخاء العضلات، وضمرت أكثر عضلاتها الحيوية بتعبير مستشار أمنها القومي السابق جيك سوليفان، فصارت بين خيارين إما التراجع والإنزواء للعيش في حدود النصف الغربي من الكرة الأرضية كمرحلة وسطية للتفكك، أو المغامرة بالاندفاع إلى الأمام في حروب غير محسوبة العواقب.
بجنونه وحماقته اتخذ ترامب الخيار الثاني، “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” ورغم أن هذا الشعار قام على أساس اقتصادي وكان موجها نحو الداخل، إلا أنه مثل اعتراف بأن أمريكا لم تعد عظيمة، وقد استغلت الصهيونية هذا الشعار ونفسية وعقلية ترامب للدفع به نحو حرب ضد اليمن أولا ثم الحرب على إيران، كما كان لمن يحيطون به وأغلبهم من الصهاينة دورا في إيقاد جذوة الحماسة لديه وبأن بإمكانه أن يصنع مالم يصنعه الرؤوساء السابقون الذين يعدون برأيه متساهلون مع خصوم واشنطن.
هيغسيث وروبيو وحتى ديفانس مجموعة من الحمقى ليس لديهم دراية بالتاريخ ولا بالشعوب ولا تقديرا حقيقيا للأمريكيين ولا للوضع الذي صار إليه العالم، وقد توافقت طباعهم مع طباع ترامب في الرغبة بتحقيق أشياء خارقة وكسر المألوف والتخريب كوسيلة لإعادة البناء، ويضاف إلى هؤلاء نتنياهو الذي يعيش كيانه مأزقا وجوديا منذ السابع من أكتوبر فيطمح لإنهاء التهديد إلى الأبد وخوض معركة واحدة حاسمة بدلا من معارك مجزأة تبقي القلق ويزداد فيها الخصوم ذكاء وقدرة.
في عدوانه على اليمن حاول ترامب استعادة الردع الذي أضاعه بايدن كما يزعم، وقد أدى هذا العدوان إلى جرح في كرامة وهيبة واشنطن وأظهر حدود قوتها ، وقيل حينها إن هذه المعركة أفادت أمريكا بدروس انعكست على عقيدتها العسكرية وتوجهها التسليحي كما يظهر من توجهات البنتاغون لتسريع وتيرة انتاج الأسلحة وتصنيع البارجات كوسائل بديلة لعصر لم تعد تجدي فيه حاملات الطائرات.
ظل هذا الجرح يلازم ترامب ومثل اليمن نموذجا للمقاومة، فاتجه للعدوان على إيران في يونيو 2025م لعل ذلك أن يحقق الردع الكامل للمنطقة كلها، ففشل العدوان، ليذهب ترامب نحو جبهة سهلة هي فنزويلا وحقق انتصارا بغير حرب ما أكسبه ثقة بأن بإمكانه أن يخطف رئيسا أو يغير نظاما حين يشاء.
ووفقا للاعتبارات السابقة جاء العدوان الحالي على إيران، وقد توهم الأمريكيون أن استهدافهم لقائد الثورة الإيراني سيجعل الإيرانيين يرفعون صور ترامب في شوارع طهران، غير أن ذلك لم يحدث ، فتحولت إلى حرب واسعة تستنزف القدرات والجهود وبدون أفق للنصر، فيما يعد الانسحاب منها مخاطرة .
الحرب كلما طالت كلما تمتع المدافع بأفضلية ووفقا لما يقوله كلاوزفيتز فإن الدفاع هو أقوى أشكال الحرب، أما المهاجم فيصل إلى ذروة الأهدف، ثم تبدأ قواته بالتآكل وتفقد الدوافع بريقها وتبدأ التساؤلات لماذا نخوض هذه الحرب.
لكن في وضع الإمبراطوريات يعد الانسحاب جرحا للكرامة واعتراف بالعجز يغري الآخرين بالتجرؤ على المقاومة، وهو سقوط للردع كعامل نفسي تم صياغته بعبارة الجيش الذي لا يُقهر.
من هنا تبدو خيارات ترامب محدودة للغاية وكذلك خيارات الكيان الصهيوني، فالانسحاب بحد ذاته نصر لإيران، كما هو إسقاط لثقة أتباع الولايات المتحدة بقدرتها على حمايتهم، وهي سنة ثابتة في كتاب الله عزوجل: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)
*من صحفحة الكاتب في منصة إكس