كيف أدارت “شبكة إبستين” دبلوماسية الشرق الأوسط من الغرف الخلفية؟
وما يسطرون – المساء برس.. جمال شعيب ..الحلقة الرابعة|
لم يكن الكشف الذي قدمته وزارة العدل الأمريكية (DOJ) في يناير 2026 عن الدفعة الأحدث من “وثائق إبستين” مجرد فصل جديد في فضيحة أخلاقية، بل كان بمثابة إزاحة الستار عن “البنية التحتية” لنظام نفوذ خفي هيمن على جيوسياسية الشرق الأوسط طوال ثلاثة عقود.
تطرح الوثائق سؤالاً مركزياً ومخيفاً: كيف تمكن سمسار مدان بالاتجار بالبشر من اختراق أرفع الدوائر الدبلوماسية، محولاً “مبعوثي السلام” إلى بيادق في ماكينته الخاصة؟ الإجابة لا تكمن في الابتزاز الجنسي فحسب، بل في خريطة معقدة تداخل فيها المال السياسي، والتكنولوجيا، والاستخبارات، لادارة ملفات المنطقة من اتفاقية أوسلو وصولاً إلى دمشق.
1. الاستمرارية الزمنية: ثلاثة عقود من “هندسة الظل”
تثبت الوثائق أن شبكة إبستين لم تكن طارئة، بل كانت “الثابت الوحيد” الذي واكب كافة مراحل ما يسمى بـ”عملية السلام”. لقد نجحت الشبكة في خلق خط زمني موازٍ للأحداث المعلنة:
مرحلة التأسيس (التسعينيات): التغلغل في هندسة “اتفاقية أوسلو” (1993) عبر السيطرة على الدائرة الضيقة للمبعوث النرويجي تيري رود لارسن.
مرحلة الذروة (2000-2015): إحكام القبضة على قمة “كامب ديفيد” (2000) وعمل “الرباعية الدولية” عبر شبكة علاقات عنكبوتية ربطت إيهود باراك، وبيل كلينتون، ومبعوثي الرباعية (جيمس وولفنسون وتوني بلير) عبر الوسيط بيتر ماندلسون.
مرحلة العودة (2025-2026): الاختراق الصادم للإدارة الأمريكية الحالية، والمتمثل في تعيين توم باراك (الصديق المقرب لإبستين) مبعوثاً خاصاً لسوريا وسفيراً لدى تركيا في مايو 2025، مما يؤكد أن الشبكة لا تزال فاعلة في توجيه القرار السياسي حتى اليوم (من أين وكيف؟).
2. تيري رود لارسن: “العقدة المركزية” وأساليب المافيا
يبرز الدبلوماسي النرويجي تيري رود لارسن في الملفات بوصفه “العراب الدبلوماسي” للشبكة. لارسن، مهندس أوسلو، لم يكتفِ بصداقة إبستين، بل حول “معهد السلام الدولي” (IPI) إلى واجهة لوجستية للشبكة.
تكشف وثائق 2026 عن استقدام فتيات من أوروبا الشرقية تحت غطاء “دورات تدريبية”، ليتم استغلالهن وتصويرهن لاحقاً أمام مقر الأمم المتحدة لتعزيز أرشيف الابتزاز. الأخطر هو ما كشفت عنه التحقيقات النرويجية بشأن استخدام لارسن لما وصفه رجل الأعمال موريتس سكاوغين بـ “أساليب المافيا”، حيث استغل لارسن نفوذ إبستين لإجبار سكاوغين على تسييل أصول عقارية بنصف قيمتها.
هذا التحالف لم يكن مجانياً؛ إذ تشير الوثائق إلى بند في وصية إبستين يخص نجلي لارسن بمبلغ 5 ملايين دولار لكل منهما، في دلالة واضحة على عمق التبادل المصلحي الذي شمل أيضاً زوجته، الدبلوماسية الرفيعة مونا يول.
3. مثلث “Carbyne”: خصخصة الأمن الدبلوماسي
تحت غطاء “السلام”، كانت تجري عملية دمج خطيرة بين الدبلوماسية وتجارة الأمن السيبراني. وتظهر الوثائق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك كمهندس لهذا التحول عبر شركة (Carbyne).
شكلت الشبكة مثلثاً استخباراتياً – تجارياً:
الغطاء السياسي والاستخباري: وفره إيهود باراك، الذي فتح قنوات اتصال مع شخصيات روسية نافذة (بلياكوف وفيكسيلبرغ).
التمويل والغطاء الفكري: قاده جيفري إبستين، الذي رتب لقاءات مع مفكرين مثل “نعوم تشومسكي” لإضفاء الشرعية الفكرية، مع ضخ السيولة المالية.
الشريك الإقليمي: برز اسم سلطان بن سليم كطرف ثالث، مما يكشف تقاطع المصالح بين تكنولوجيا المراقبة الإسرائيلية ورؤوس الأموال في الخليج، برعاية شبكة إبستين.
4. من #لبنان إلى #بريطانيا: سقوط الأقنعة
تثير الأصول اللبنانية لكل من المبعوث الأسبق جورج ميتشل (بكاسين) والمبعوث الحالي توم باراك (زحلة) تساؤلات جوهرية حول إدارة الملفات السيادية للبنان وسوريا. فبينما كان لارسن (المشرف على القرار 1559) يتحرك بأوامر الشبكة، عاد توم باراك لتشكيل المشهد السوري-التركي في 2025، مما يرجح أن القرارات المصيرية للمنطقة كانت تُطبخ على نار المصالح الخاصة للشبكة لا مصالح الشعوب.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، سقطت “القداسة البريطانية”. ففي سبتمبر 2025، أُقيل السفير بيتر ماندلسون (ظل توني بلير) بعد ثبوت تسريبه بيانات حساسة لإبستين، بما فيها البريد الآمن لرئيس الوزراء الأسبق غوردون براون، ما يعني أن الشبكة اخترقت عمق “داونينج ستريت”.
5. سقوط “القداسة الأخلاقية” في النرويج
لم تسلم معاقل السلام العالمية من التلوث. ففي فبراير 2026، وجهت هيئة الجرائم الاقتصادية النرويجية (Okokrim) تهمة “الفساد المشدد” لـ ثوربيورن ياغلاند، رئيس لجنة نوبل السابق، لتلقيه رشاوى مقنعة من إبستين.
وتكشف 120 رسالة مسربة بين بورغه برينده (رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي) وإبستين عن مستوى متدنٍ من السخرية طال قادة المنطقة، وصل حد وصف سارة نتنياهو بلقب “Miss Piggy”. هذا السقوط الأخلاقي يثبت أن مؤسسات بحجم “لجنة نوبل” و”المنتدى الاقتصادي” تم اختراقها لتصبح أدوات تبييض لسمعة الشبكة الإجرامية.
وهم “صناعة السلام”؟
تعيد “ملفات 2026” تحديث وقائع الشرق الأوسط الحديث. نحن لسنا أمام علاقات عابرة، بل أمام “كارتيل” دولي دمج الجنس بالمال، والتكنولوجيا بالاستخبارات.
ويبقى السؤال الذي يتردد في أروقة الأوساط الدبلوماسية الدولية اليوم: إذا كان مهندسو ما يسمى “صناعة السلام” (لارسن، باراك، بلير، وغيرهم) يتحركون كبيادق في شبكة يديرها “سمسار جنس” مرتبط بالمصالح الإسرائيلية، فهل كانت جولات المفاوضات طوال الثلاثين عاماً الماضية تهدف حقاً لصناعة السلام، أم كانت مجرد مسرحية لتأمين مصالح هذه المنظومة الاجرامية المظلمة؟·
