من “إيلات” إلى “أرض الصومال”.. هل تتجه معركة البحر الأحمر نحو جولة حاسمة؟
وما يسطرون – المساء برس .. ضرار الطيب|
لا يزال الحصار البحري اليمني على إسرائيل قائما، ليس لأن صنعاء تواصل عملياتها ، بل لأن تأثير العمليات السابقة لا يزال حاضرا بقوة، فميناء أم الرشراش المحتلة (إيلات) عاجز عن استئناف نشاطه، والسفن الإسرائيلية غائبة عن ممر البحر الأحمر، برغم اتساع نطاق عودة خطوط الشحن العالمية إليه مع استمرا وقف إطلاق النار في غزة، وفي المقابل تندفع إسرائيل نحو تثبيت وجودها على إقليم “أرض الصومال” من أجل محاولة تغيير الواقع الجيوسياسي الجديد الذي جسده ذلك الحصار، بعد الفشل في معالجة تأثيراته الاقتصادية، الأمر الذي يرسم مشهدا لساحة مواجهة استراتيجية تترتب عليها نتائج ربما تكون “حاسمة” في مسار الصراع التاريخي الطويل.
إسرائيل محرومة من البحر الأحمر:
في أقصى شمال البحر الأحمر، لا يزال ميناء أم الرشراش (إيلات) – البوابة الجنوبية لإسرائيل- يعيش حالة شلل كامل، لم يساعد وقف إطلاق النار في غزة وتوقف العمليات البحرية اليمنية على معالجتها، حيث ترفض شركات الشحن الإبحار إليه، على الرغم من أنه لم يعد مهددا بالقصف حاليا، ولم تعد السفن المتجهة إليه معرضة للخطر في الطريق.
تقول التقارير الإسرائيلية إن شركات التأمين ترفض تغطية أي رحلات متجهة إلى الميناء، حتى بعد وقف إطلاق النار في غزة، وهي مشكلة تشير إلى ما يبدو أنه تأثير طويل الأمد أحدثته العمليات البحرية اليمنية المساندة لغزة خلال العامين الماضيين، حيث أصبح الميناء نفسه يمثل مشكلة مخاطر عالية صار ينظر إليها على جزء ثابت من واقع الصراع، وليست مرتبطة فقط بجولة مواجهة أو تصعيد مرحلي، ولأن الأضرار التي لحقت بالسفن المتجهة إلى هذا الميناء بالذات كانت قصوى، مثل الاحتجاز والغرق، فإن النظرة التأمينية للشحن المتجه إلى هناك لن تتغير بسهولة، وربما لن تتغير أبدا (داخل قطاع الشحن هناك بالفعل قناعة بأن التأمين على مخاطر البحر الأحمر لن يعود كما كان قبل الأزمة أبدا).
لقد وصل اليأس بإدارة الميناء إلى حد التفكير بشراء واستئجار سفن واستخدامها كذراع شحن خاصة، لاستعادة جزء من نشاط الميناء، ولكن إلى جانب التكلفة العالية لهذه الفكرة، فقد ارتبطت بشكل أساسي بموافقة شركات التأمين، وهو ما يجعل تطبيق هذه الفكرة أقل ترجيحا من عودة الشحن بشكل طبيعي إلى الميناء.
ويبدو أن هذا التأثير طويل الأمد لا يقتصر على ميناء أم الرشراش فقط، بل يشمل السفن وشركات الشحن الإسرائيلية، فمنذ وقف إطلاق النار في غزة، عادت الكثير من خطوط الشحن العالمية إلى البحر الأحمر بشكل تدريجي، بما في ذلك شركة (ميرسك) التي كانت تتزعم قائمة المترددين والمنتظرين لاستقرار الوضع، بسبب تعاملها مع الموانئ الإسرائيلية، لكن السفن المملوكة لإسرائيل لا زالت غائبة تماما عن المشهد، وبرغم أن شركة (زيم) كانت قد أعلنت استعدادها للعودة، فإنها كما يبدو لم تحصل على الضوء الأخضر الذي كانت تنتظره من شركات التأمين.
تقول شركة (أمبري) البريطانية للأمن البحري في آخر تحديثاتها عن وضع البحر الأحمر إن “المخاطر لا تزال مرتفعة بالنسبة للشحن المملوك لإسرائيل، ولكنها منخفضة بالنسبة لمعظم الشحنات الأخرى، ويتم تقييم الرحلات نظرا لروابط كل حالة”، وهو ما يعني أن الملاحة الإسرائيلية ستبقى مستثناة من “الوضع الطبيعي” الجديد بالنسبة لبقية خطوط الشحن.
إن فترة طويلة من الهدوء الحقيقي قد تساهم ببطء في تخفيض المخاطر بالنسبة للسفن الإسرائيلية وميناء إيلات، لكن تحقيق مثل هذا الهدوء لفترة طويلة أمر غير مرجح بالنظر إلى طبيعة الصراع والشكل الجديد الذي اتخذه بعد معركة طوفان الأقصى، وبالتالي فإن التحديات التأمينية المتعلقة بالشحن الإسرائيلي ستظل قائمة لتعكس واقعا جديدا صنعه الحصار البحري اليمني، وهو أن إسرائيل صارت محرومة من البحر الأحمر، كـ”منفذ” ومنطقة نشاط ملاحي مباشر.
“موطئ قدم” في باب المندب لتغيير الواقع الجديد:
في أقصى جنوب البحر الأحمر، تحاول إسرائيل جاهدة أن تغير هذا الواقع الجديد لأن تأثيره واسع جدا ويتجاوز الجانب الاقتصادي، ولأن معالجة تأثيراته الاقتصادية متعسرة أصلا إذ لا سبيل لإقناع شركات التأمين بتجاهل احتمال تجدد الحرب في أي لحظة والمخاطر المتعلقة بهذا الوضع، ولا معنى للحلول الترقيعية المؤقتة والمكلفة لاستعادة نشاط ميناء إيلات جزئيا مثل استقدام سفن من البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، ولذا يتجه العدو لتثبيت موطئ قدم في إقليم “أرض الصومال” المطل على باب المندب وخليج عدن، وذلك من أجل التعامل مع الموضوع الرئيسي الذي تتفرع منه مشكلة الحصار البحري اليمني، وتعود إليه، وهو موضوع “السيطرة” على البحر الأحمر والتواجد المؤثر والثابت فيه.
بالنسبة للعدو-وهذا هو الواقع- فإن مشكلة ميناء “إيلات” والملاحة ليست سوى امتداد لتهديد استراتيجي أكبر أصله في جنوب البحر الأحمر، حيث تتواجد قوة استطاعت أن تهزم البحرية الأمريكية، وتفرض سيادتها على ممر مائي يؤثر على المنطقة بأكملها، وتجعل منه جبهة مقاومة متقدمة، لا تعيق فقط سلسلة التوريد الإسرائيلية، بل تقوض مشاريع أساسية يرتبط بها مستقبل كيان العدو وتأثيره الإقليمي، مثل الدخول في تحالفات رسمية مع دول المنطقة، وهو جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد، والذي يعتبر البحر الأحمر جزءا جوهريا فيه.
لقرون رسخت الولايات المتحدة هيمنتها العالمية تحت عناوين رئيسية كان من أبرزها “حماية حرية الملاحة” الذي ارتبط بوجود البحرية الأمريكية وسمعتها كقوة ردع عظمى، وعندما هزمت هذه القوة وطُردت من البحر الأحمر، اعترف نائب الرئيس الأمريكي بأن عصر الهيمنة على البحار والأجواء انتهى، وهذه الهيمنة لم تكن مجرد ترف، بل ضرورة لممارسة النفوذ، بما في ذلك طمأنة الحلفاء وترهيب الخصوم، ولذا أصبح غياب البحرية الأمريكية اليوم يمثل بالنسبة لإسرائيل “تذكيراً بواقع أمني [جديد] أكثر تعقيداً”.
إن فقدان السيطرة على ممر حساس كالبحر الأحمر، لا يحرم الولايات المتحدة أو إسرائيل فقط من ممارسة النفوذ الإقليمي بشكل حاسم والتأثير على دول المنطقة والتحكم بمصالحها وقراراتها، بل يجعل اليمن قادرا على ممارسة نفوذ معاكس (مع اختلاف أخلاقية ومشروعية الأهداف والأساليب طبعا)، وبالتالي فإن اندفاع العدو الإسرائيلي لتثبيت موطئ قدم في إقليم أرض الصومال، ليس فقط خطوة طموحة للسيطرة على المنطقة، بل أيضا محاولة لمنع “سقوطها” من مخططات مستقبل إسرائيل.
ربط المنطقة بإسرائيل من بوابة “أرض الصومال”:
يؤكد العدو أن من بين أهداف التواجد في أرض الصومال، فتح مسارات جديدة للتعاون مع دول المنطقة تحت مظلة “المصالح المشتركة” التي تمثل في الواقع مصالح إسرائيل الاستراتيجية مثل مواجهة محور المقاومة، وقد قلل مسؤول كبير في وزارة الخارجية الإسرائيلية من جدية وتأثير الاعتراضات الإقليمية على خطوة الاعتراف بأرض الصومال، وقال: “نحن نبني تحالفات إقليمية، وهناك إدراك من حولنا بأننا لاعب إقليمي قوي”.
ومن الواضح أن هناك إجماع في الأوسط الإسرائيلية على أن نجاح العلاقة مع إقليم أرض الصومال يتوقف على إدارتها في سياق تعاون إقليمي أوسع بالتنسيق مع الولايات المتحدة، حيث يؤكد الباحث الإسرائيلي أميت ياروم، أنه “ينبغي لإسرائيل أن تبلور تعاونها مع أرض الصومال ضمن إطار متعدد الأطراف، من خلال تنسيق المبادرات الأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، والاستفادة من الوجود العسكري واللوجستي الإماراتي الراسخ في أرض الصومال، والبنية التحتية القائمة لقيادة أفريقيا الأمريكية، الأمر الذي يرسخ التعاون ضمن هياكل إقليمية أوسع، مما يعزز شرعيته واستدامته” مشيرا إلى أن التنسيق مع الولايات المتحدة “يُقلّل من الاحتكاك مع الشركاء الإقليميين ويمنع العمل في اتجاهات متضاربة”، كما يحث ياروم إسرائيل على “إجراء حوار هادئ مع شركاء عرب وأفارقة رئيسيين، بما في ذلك الإمارات وإثيوبيا وكينيا، لشرح خطوتها، وتشجيع التعاون العملي، وتخفيف التداعيات طويلة الأمد”.
ويخلص إلى أنه “إذا نُفذت هذه الخطوة بالتنسيق مع واشنطن، فإنها قادرة على إعادة تشكيل الديناميكيات الإقليمية خارج نطاق القرن الأفريقي”.
ويرى إيهود إيعاري، زميل معهد واشنطن، أن الكثير يتوقف على الموقف الأمريكي الذي يمكنه ان يشجع دول المنطقة على قبول التواجد الإسرائيلي في أرض الصومال خصوصا تحت مظلة “مكافحة الإرهاب” ومواجهة “حركة الشباب”.. ويمكننا أن نضيف عنوان “تأمين الملاحة” أيضا، حيث تروج وسائل إعلام إسرائيلية لما يوفره إقليم أرض الصومال من فرص للسعودية في مواجهة صنعاء في هذا الإطار، مشيرة إلى تقديرات بأن الموقف السعودي المعلن “تكتيكي” وقد يشكل مدخلا لوساطة تشرعن انفصال الإقليم الصومالي.
مع ذلك، فإن هدف إنشاء “تحالف إقليمي” من بوابة أرض الصومال ليس “استباقيا” بالكامل كما يبدو، بل يتضمن استعادة مساحة تعاون أغلقتها سيطرة صنعاء على باب المندب في إطار معركة مساندة الشعب الفلسطيني، والتي فرضت ما يشبه إجماعا إقليميا على عدة مسائل مهمة مثل السيادة الحصرية للدول المشاطئة للبحر الأحمر، وارتباط الهجمات البحرية اليمنية بالوضع في غزة، وهي أمور تغلبت على عناوين “حرية الملاحة” التي رفعها الأمريكيون والإسرائيليون وكانوا يريدون من خلالها ممارسة نفوذهم المعتاد لحشد دول المنطقة ضد صنعاء، لكن ذلك لم يحدث.
اليوم يسوق الإسرائيليون الاعتراف بأرض الصومال كخطوة “نابعة من روح اتفاقيات إبراهيم” نحو “تعزيز محور مصالح معاد لإيران” وهو ما يقدم الاعتراف كمحاولة لإعادة البحر الأحمر إلى واقع جيوسياسي سابق (صفقات التطبيع وتوسيع وتجميل الشراكات مع إسرائيل)، وذلك لمواجهة وتحدي الواقع الجديد الذي فرضته صنعاء والذي تحول فيه البحر الأحمر إلى مشكلة جيوسياسية بالنسبة لإسرائيل، فخلال الحرب أعلنت العديد من دول المنطقة مواقف عزز مضمونها -بقصد أو بدون قصد- مشروعية استهداف صنعاء للشحن الإسرائيلي، كما رفضت الانخراط بشكل مؤثر في تحالفات وجهود استهداف اليمن، لتجنب الظهور كشريكة لتل أبيب.
في ديسمبر الماضي تحدثت تقارير إسرائيلية عن “تعاون هادئ” مع دول الخليج لتجاوز التحديات التي خلقها الحصار اليمني في البحر الأحمر، والمتعلقة بحاجة إسرائيل لشبكة إقليمية من البنى التحتية الحيوية التي تضمن استقرار سلسلة التوريد، وتتيح مشاركة المعلومات والتقنيات، والتنسيق الوظيفي، وهو أمر كان يفترض أن يتم تحقيقه من خلال اتفاقيات التطبيع، لكن التقارير تشير إلى أن تحديات البحر الأحمر جعلت تفعيل هذا التعاون عمليا الآن أهم من انتظار الإطار السياسي الرسمي له.
وبعد شهر تماما جرى الإعلان فعلا عن انضمام الإمارات وقطر إلى تحالف “باكس سيليكا” الذي تقوده الولايات المتحدة ويضم إسرائيل، وهو تحالف تم إعلانه في ديسمبر، كتعاون “أمني اقتصادي” يركز على نفس المجالات التي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية بالضبط.
لا حاجة للتكهن بوجود رابط بين هذا “التعاون” والاعتراف بإقليم أرض الصومال، فهذه الخطوات جزء من مذكرة استراتيجية مكتوبة بالفعل، أعدها معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، ونشرت في أغسطس الماضي، وتقترح التعامل مع مشكلة البحر الأحمر كمشكلة فقدان للنفوذ الإقليمي، حلها هو ربط المنطقة بالعقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهو الواقع الذي كان يفترض أن يوفره مشروع التطبيع الشامل قبل “طوفان الأقصى”، لكن الهدف هنا ليس تخفيف تأثير فقدان البحر الأحمر، أو إيجاد بدائل عنه، بل لاستعادته كمركز نفوذ رئيسي، حيث تحشد المذكرة جملة من الخطوات حول نقطة أساسية هي أن يصبح تواجد إسرائيل في البحر الأحمر (سيطرتها عليه) “أصلا استراتيجيا” ترتبط به جميع دول المنطقة، بدل أن يصبح ساحة نفوذ استراتيجية للجبهة المعادية لإسرائيل كما هو الآن.
هذه الاستراتيجية تقترح أيضا تحويل إيلات وميناءها إلى مركز لوجستي يربط بين الشرق والغرب، بدلا عن قناة السويس، وبوابة إقليمية مركزية لشبكات الاتصالات والمعلومات، وهذا ليس مجرد “مقترح” بل هو هدف إسرائيلي موضوع منذ سنوات، والتخطيط لتحقيقه الآن يأتي من باب الحاجة الملحة لاستعادة ملامح واقع جيوسياسي كان يتم تشكيله ببطء في السابق، قبل أن يقلب الحصار البحري اليمني الطاولة ويحول الميناء فجأة إلى شاهد حي على عزلة إسرائيل بدلا عن محطة نفوذ إقليمية لها.
حسم معركة السيطرة على البحر الأحمر:
مثلما أن فشل البحرية الأمريكية ترتب عليه تبلور واقع جيوسياسي جديد أصبح فيه البحر الأحمر تهديدا للأمن القومي الإسرائيلي وعائقا أمام النفوذ الذي يحتاجه مشروع الشرق الأوسط الجديد، فإن فشل العدو الإسرائيلي في مهمة تغيير هذا الواقع الجديد، سيترتب عليه المزيد من المتغيرات التي ترسخ تحول موازين القوى والتأثير في المنطقة لصالح صنعاء وجبهة المقاومة.
بعبارة أخرى: إذا كانت إسرائيل ترى الآن أن إقليم أرض الصومال يوفر “موقعا أفضل” في ساحة مواجهة استراتيجية لم تحسم بعد، فإن خسارة هذا الموقع، أو النتائج العكسية التي قد تترتب على محاولة حسم هذه المواجهة لصالح العدو، ستحرمه حتى من فرصة خوض اشتباك آخر في هذه الساحة، وهو ما يعني فقدان البحر الأحمر -بكل ما يمثله- إلى الأبد.
لقد جدد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي التأكيد على “جدية” التوجه نحو استهداف أي تواجد إسرائيلي في إقليم أرض الصومال، وأعلن بوضوح عن العمل على تحسين نشاط الرصد لتحركات العدو، وجعل سقف الاستهداف مفتوحا ليشمل أي مركز أو مقر يمكن أن تطاله القوات المسلحة اليمنية، وهو ما يشمل حتى “السفارة” التي تفيد تقارير إسرائيلية بأنه يجري العمل على فتحها.
قد تتمكن إسرائيل من نشر تقنيات استخباراتية أو بناء مراكز عمليات “سرية” في الإقليم الصومالي وتحاول من خلالها تعزيز الشبكة الإقليمية التي تعمل على إنشاءها، لكن القرب من الأراضي اليمنية عبارة عن خطر مستمر، وتجربة صنعاء المتميزة في تحسين قدراتها وتطوير أدائها الاستخباراتي والعملياتي، تجعل من تعرض أي منشآت للعدو في الإقليم الصومالي مسألة حتمية، وهذا سيكون له تأثيرات عكسية كبيرة.
يقول أندرياس كريج المحلل في كلية كينجز بلندن إن التداعيات التي ستترتب على أي تواجد إسرائيلي محتمل في إقليم أرض الصومال، مثل الهجمات اليمنية “ستزيد الضغط على الملاحة البحرية، وتفاقم حالة عدم الاستقرار حول البنية التحتية التجارية المرتبطة ببربرة (الميناء الرئيسي لأرض الصومال) والممرات المجاورة” وهي نتيجة ربما لا تكترث لها إسرائيل، بل قد تسعى لاستغلالها كورقة ضغط على دول المنطقة للتعاون معها تحت عنوان “حماية الملاحة” لكن هذه المحاولة فشلت سابقا مع مصر والسعودية، حيث أرادت الولايات المتحدة تجنيدهما ضد صنعاء بمبرر أن العمليات البحرية اليمنية أضرت بقناة السويس وموانئ المملكة، وقد كانت التصريحات الرسمية السعودية والمصرية التي ربطت الوضع في البحر الأحمر بغزة، وعبرت التدخلات “الأجنبية” في البحر الأحمر نتيجة عكسية، جعلت واشنطن وتل أبيب معزولتان في البحر الأحمر.
سيطال هذا التأثير العكسي العلاقة بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال نفسه، حيث ستتحول هذه العلاقة إلى “عبء” على الطرف الأخير، حسب تعبير بيتر هاريس أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كولورادو الأمريكية، الذي ذكّر بأن غالبية دول الشرق الأوسط وإفريقيا “لا تريد أن ينظر إليها على أنها تتبع خطى إسرائيل” وبالتالي فإن عزلة الإقليم الصومالي ستزيد بشكل أكبر بدلا عن فتح مجال لتطبيع انفصاله رسميا.
ويرى مهاد واسوجي، مدير مركز “الأجندة العامة الصومالية” للأبحاث، أن “تواجد الإسرائيليين في ميناء بربرة لمواجهة تهديدات البحر الأحمر، سيؤدي إلى زيادة العنف” و”يدفع المنطقة إلى مياه مجهولة”.
هناك العديد التقارير التي تسلط الضوء على تعقيدات ومخاطر دبلوماسية وسياسية متنوعة تواجه مسألة تطبيع التواجد الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال وتحقيق الأهداف المستدامة المتعلقة به، ولكن حتى إذا افترضنا أن العدو الاسرائيلي والولايات المتحدة لديهما فرصة حقيقة لمعالجة كل هذه التعقيدات بهدوء، فإن خطر رد الفعل العسكري اليمني، يغير الحسابات تماما، فقد أثبت العامان الماضيان أن حالة التصعيد ليست بيئة مثالية لجعل إسرائيل “مقبولة” فضلا عن تحسين علاقاتها مع الآخرين، وبرغم أن هذه الحالة قد تفتح مجالات “محدودة” أمام إسرائيل لزيادة مستوى تعاونها مع بعض دول المنطقة، لكنها بالمقابل قد تضع المزيد من العراقيل أمام التعاون الرسمي الأوسع والمباشر الذي تطمح إليه والذي يساعد بالفعل على تقليل التكاليف والمخاطر المباشرة.
إن أول هجوم يمني سيستهدف موقعا إسرائيليا في إقليم أرض الصومال- أو أول استهداف إسرائيلي لليمن من هناك- سيفجر حالة اضطراب جديدة في المنطقة لا يمكن لإسرائيل أن تتنبأ بمجرياتها، فضلا عن أن تتيقن من القدرة على إدارتها واستثمارها، فعدم الاستقرار في البحر الأحمر سيضع مصالح كثيرة على المحك، ويفرض على الجميع إعلان موقف محسوب وله ثمن: إما الاصطفاف مع إسرائيل -بغض النظر عن العنوان المستخدم- وذلك يعني توسيع نطاق الاضطراب وإطالة أمده، أو الالتزام بنوع من الحياد الرسمي كما حدث خلال معركة البحر الأحمر السابقة، وهو ما يعني أن تقف إسرائيل بمفردها وبدون دعم فعال ومؤثر، أو دعم موقف صنعاء ولو على مستوى محدود، لتجنب عدم الظهور بمظهر الداعم لإسرائيل، وهو ما يعني عزلة أكبر وأشد ضغطا على العدو.
أمام دول المنطقة رصيد كبير من الوقائع والحقائق التي تؤكد أن أعلى سقف ممكن لخطط الأعداء ضد صنعاء هو خوض مواجهة عنيفة معها، وأن هدف تحقيق “الردع” أو حتى الاقتراب منه لا يمكن ضمانه أبدا، وعندما يتعلق الأمر بالبحر الأحمر، فإن إنهاء التصعيد وعدم توسيع تداعياته هو خيار يحظى بأولوية لدى الأغلبية أكثر من الانخراط في معركة واسعة عالية المخاطر بناء على “طموح” بحسم المواجهة مع صنعاء إلى الأبد، وهذه الأولوية ستفرض نفسها سواء في بداية التصعيد أو حتى أثناءه في حالة انخرطت بعض الدول في المواجهة.
وفي هذه المواجهة لن تكون هناك على الأرجح مساحة لـ”وقف إطلاق نار” ثنائي يبقي الموازين متقاربة، فإما أن تثبت إسرائيل وجودها في البحر الأحمر بشكل مستدام، أو تضطر للمغادرة تحت وطأة الضربات والمخاطر.
وفي النهاية، أن تفشل إسرائيل في تثبيت وجودها بإقليم أرض الصومال، وتعجز عن تغيير موازين القوة والنفوذ في البحر الأحمر، وتخرج مثقلة بخسائر وتكاليف عالية، وباصطدامات مع دول المنطقة، سيكون بمثابة حسم نهائي لصالح اليمن وجبهة المقاومة في هذه الجبهة الاستراتيجية، وعليه فإن كل المشاريع الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية الإسرائيلية التي يتوقف نجاحها واستقرارها على التواجد في البحر الأحمر والسيطرة عليه، ستتلقى ضربة يصعب التعافي منها، ومثلما أعلن “جيه دي فانس” عن نهاية زمن الهيمنة الأمريكية على البحار والأجواء بعد فشل حملة “الراكب الخشن”، قد تتسبب الجولة القادمة من معركة البحر الأحمر بنعي مشروع الشرق الأوسط “الإسرائيلي” الجديد، على الأقل بنسخته الأصلية التي تطمح إليها إسرائيل كهدف وجودي ضروري.