هل لأميركا الحقّ في الوجود؟

موسى السادة – وما يسطرون|

لحظات مفصلية كثيرة في تاريخنا العربي كانت يجب أن تؤسس لقطيعة نهائية مع أميركا. وهذا ليس بالأمر الغريب، ففي الأخير، تندرج العلاقة مع الولايات المتحدة في إطار العلاقة مع الإمبراطورية. بما يعني أن اختلال ميزان القوى معها لازم، وأيضاً بإمكانها الإجرام في حقّك، ومن ثم تعيد إنتاج نفسها في سنوات، أو حتى أقل من ذلك، لتكون في منزلة النموذج المُحتذى به، ومن المجرم إلى القدوة والقاضي والنصير في آن. فلأميركا أن تغزو العراق، ولها أيضاً أن تكون في الوقت ذاته رمزاً للديمقراطية وحقوق الإنسان والحرّية.

إنّ القوّة القاهرة للإمبراطوريات في تاريخ البشرية هو ما يخوّلها حتى الجمع بين النقيضين.إنّ احتكار القوّة هذا، والهيمنة والاستبداد على مستوى كوني، هو ما يجعل أن لا حقّ للإمبراطوريات في الوجود بعالم عادل، وأن لا حقّ لأميركا بالوجود من هذا المنطلق، لكنه ليس السبب الوحيد، الذي علينا مقاربته.

لئن مكّنت ذروة السطوة الأميركية على العالم منذ التسعينيات جمعَ الأميركيين للنقائض، وإعادة إنتاج نفسها بشكل مختلف لكل جيل، بقوّة ناعمة جبّارة، فاليوم الوضع والميزان الدوليان مختلفان. وعلى خطاب نتنياهو الأخير في الكونغرس أن يكون لحظة مفصلية نهائية لقطيعة أيديولوجية نهائية مع الدعاية الأميركية. وأن لا نسمح لها بعد اليوم بغسل جرائمها للجيل القادم. كما يظنّون هم بغرور، أن خسارتهم لـ«الرصيد» الشعبي والأخلاقي على خلفية دعم الإبادة الصهيونية هو في أسوأ أحواله؛ Generational crisis، أي إنها خسارة أجيال يصعب أمركتها بشكل كامل، ولكنها في نهاية المطاف قابلة للاستعادة ولو بعد حين، حيث تتملّك الأميركيين ثقةٌ مفرطة بقواهم الناعمة وأدواتها.

المسألة المهمّة هنا التي يجب استحضارها كيف وصلنا إلى خطاب الفضيحة لنتنياهو هذا، وهذه الأزمة للأميركيين، في حين أن الولايات المتحدة والغرب عموماً قد عملوا على اختراق أغلب الأجيال العربية عبر برنامج عمل عريض، من ضبط ما يستهلك الشباب العربي من أفلام وثقافة وتعليم وطعام ومنظومة قيمية أخلاقية مفترضة وأيديولوجيا سياسية، حرفياً المسألة كانت معسكر تجنيد على نطاق كوني لخدمة طغمة الكونغرس الأميركي.

تبدأ المسألة من أننا نجحنا رغم القوة الأيديولوجية الأميركية منذ بداية الألفية، في تحصين كتلة راجحة من شبابنا، وهو ما هدف له الشيخ الشهيد أحمد ياسين في قوله إن «صراعنا مع إسرائيل هو صراع على الجيل». وما فضيحة خطاب نتنياهو سوى دليل على نتيجة هذا الصراع، أننا تمكّنّا من صون كتلة راجحة من أجيالنا، قليلة العدد قوية الإيمان والهمّة، من أن تهز الإمبراطورية وأن تعرّيها، وإن تعدّدت واختلطت المشارب الثورية لهذه الكتلة التي لا جدال على الثقل الاستراتيجي للفكر الخميني فيها.

إنّ نجاحنا في الوصول إلى لحظة فضيحة نتنياهو في الكونغرس هو بذاته دليل ووجوب على أنه علينا النجاح في تحويل هذه اللحظة في مفصل لا تدارك له للقطيعة مع أميركا للكل العربي، مع الاعتراف بصعوبة العمل على ذلك. ففي ذات لحظة الفضيحة يعمل رأس مال الخليج، والسعودية تحديداً، على برنامج عولمة استهلاكية وثقافية (تُقرأ: أمرَكة) للأجيال غير مسبوق، يجعل من دور سابق من التسعينيات كنكتة بالمقارنة، وإن كان في لحظة إمبراطورية أسوأ لأميركا.
من هنا، ومن باب هذا الواجب الثوري ضد الأمركة، لنجيب على سؤال حق أميركا في الوجود من جديد، وعلى ضوء فضيحة نتنياهو-الكونغرس.

عادة ما يحاول طرح سؤال أحقية إسرائيل في الوجود، ومحاولة شرعنة هذا الوجود كأمر واقع استعماري، تلعب أميركا كنموذج وسابقة تاريخية له، بأن لإسرائيل الوجود كما لأميركا ذلك؛ حق رغم الإبادة والتطهير العرقي للسكان الأصليين. أو كما يجيب أحد مجندي الإمبراطورية من الليبراليين العرب أن «أميركا تابت». هنا تجب الإجابة أن لا حق لأميركا بالوجود، بل أن لا عدالة لسكان هذه البقعة الجغرافية ما بين المحيطين الأطلسي والهادئ، بسودها وسكانها الأصليين وباقي مهاجريها من دون البيض، في ظل وجودها.

لا حق لهذه المنظومة والموروث الاستعماري بالبقاء. أميركا، كعلم وإرث آباء مؤسسيين، القائم على شرعنة الإبادة والعبودية وشرعية ولادة نظام سياسي عنها، لا حق لها في الوجود. لا يحق للرابع من جولاي في الوجود ولا لعيد الشكر (عيد الاحتفال بقتل سكان أصليين غيلة) ولا لصورة المجرم توماس جيفرسون على الدولار في الوجود (وكلهم مجرمون، أعطونا اسم رئيس أميركي واحد ليس بمجرم حرب أو متواطئ في جريمة حرب)، ولا حق لهذا النظام السياسي الفيدرالي القائم على الفوقية واحتكار القوة السياسية العرقية البيضاء في الوجود، ولا حق لكونغرس يصفّق لنتنياهو في الوجود.

باختصار، لا حق لأميركا كإمبراطوية، في هذه المرحلة من التاريخ البشري، في الوجود، لأن زمن الإمبراطوريات وزمن احتكار الرأسمالية وتقسيم العالم لعوالم وقهر العالم الثالث نظامٌ لا حق له بالوجود. ولا يحق لأميركا الوجود ككيان قائم على الموروث الإبادي والاحتفاء به والاحتفال بشرعية ما له، أقصى ما تناقش شرعيته في نكت سمجة عابرة في مسلسلاتهم وبرامجهم التلفزيونية. إن المستقبل الوحيد لأرض ما بين المحيطين وحرية من فيها هو إعادة إنتاج نظام سياسي وعقد اجتماعي جديد يشكل قطيعة مع الإرث والحاضر الاستعمارييْن الأميركييْن، وهذا الحل الوحيد لمعاناة السود وباقي المهاجرين، والحل الوحيد بأن تنتهي تسمية قبيلة للسكان الأصليين تُدعى «أباتشي» لمروحية تقصف الفلسطينيين فوق غزة.

إنّ واجب الوفاء الذي هزّنا ونحن نشاهد أكبر صور الظلم نطاقاً في تاريخ البشرية وأكثرها بجاحة ونتنياهو يخطب في قلب الإمبراطورية الأميركية، عليه أن يتحوّل إلى برنامج عمل على مستوى كلّ شخص منّا قبل الجماعي، أن لا نسمح لتلك اللحظة أن تُمحى وأن تكون اللحظة التاريخية المفصلية الأخيرة في قطيعة مع أميركا والأمركة. إننا لن نسمح، وفاءً لجيل مساجد صغيرة في غزة الذين حصّنهم الياسين من الأمركة فعبروا يوم السابع من أكتوبر، لذيول أنظمة القواعد العسكرية الأميركية وعصابات التمويل الغربي ومثقفي الديمقراطية الاستعمارية أن تقوم لهم قائمة أو حتى نفس بعد اليوم.

قد يعجبك ايضا