أين تبخرت عملية «فجر اليمن»؟.. التصعيد السعودي يرتد عكسياً
تقرير _ المساء برس|
بعد مرور قرابة أسبوعين على إعلان السعودية إطلاق ما أسمتها عملية «فجر اليمن»، مطلع الشهر الجاري، تبرز تساؤلات بشأن حصيلة هذه العملية والأهداف التي تمكنت الرياض من تحقيقها على الأرض، في ظل استمرار المواجهات على عدة جبهات، وتصاعد الهجمات التي تستهدف العمق السعودي.
وبينما كان يُفترض أن يفضي التصعيد العسكري إلى تغيير موازين القوى الميدانية وإضعاف قدرات قوات صنعاء، تشير التطورات الميدانية خلال الأيام الماضية إلى أن العملية لم تحقق، حتى الآن، أي نتائج تذكر، فيما تواجه القوات المدعومة سعودياً تحديات متزايدة في عدد من الجبهات، من تعز والمناطق القريبة من باب المندب، وصولاً إلى مأرب والجوف.
وتكشف هذه التطورات عن فجوة بين الأهداف التي تسعى الرياض إلى تحقيقها من خلال التصعيد وبين النتائج الميدانية الفعلية، فضلاً عن انتقال المواجهة إلى مسارات أكثر كلفة على السعودية، مع اتساع نطاق الهجمات التي تطال منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية.
العمق السعودي.. ارتدادات تتجاوز حسابات التصعيد:
أحد أبرز المؤشرات التي تطرح تساؤلات بشأن حصيلة العملية يتمثل في انتقال تداعيات المواجهة إلى العمق السعودي، حيث تزامن التصعيد من قبل السعودية مع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة نفذتها قوات صنعاء استهدفت مطارات ومنشآت نفطية، في العمق السعودي.
وأسفرت الهجمات عن اضطرابات واسعة في حركة الطيران داخل السعودية، شملت إغلاق مطار الملك خالد في الرياض بشكل كلي ومطارات أخرى، وتعطل رحلات وإلغائها وتأخيرها في مطارات أخرى أيضاً، كما تعرضت منشآت تابعة لشركة «أرامكو» لضربات ألحقت بها أضراراً مادية كبيرة.
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من كون المطارات والمنشآت النفطية تمثل مرافق استراتيجية ترتبط بالاقتصاد السعودي وحركة النقل والإمداد، فضلاً عن ارتباطها بصورة الاستقرار الأمني الذي تحرص الرياض على إظهاره، وبالتالي، فإن اتساع دائرة التهديدات لهذه المرافق يفرض أعباء إضافية على السلطات السعودية، سواء من حيث الإجراءات الأمنية أو ضمان استمرار العمليات الاقتصادية والخدمية.
وفي هذا السياق، يرى خبراء سياسيون وعسكريون عرب، في تعليقات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن التصعيد السعودي لم يؤدِّ بالضرورة إلى تقليص قدرات صنعاء، بل أسهم في توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها على الجانب السعودي.
الجبهات اليمنية.. تصعيد بلا اختراقات حاسمة:
على صعيد الجبهات الداخلية اليمنية، فإن التصعيد العسكري الذي شهدته عدة جبهات من قبل القوات المدعومة سعودياً لم يحقق أي نتائج ميدانية حاسمة، وعلى العسكس من ذلك فقد حققت قوات صنعاء في تعز وشمال لحج تقدمات ميدانية كبيرة، بالتزامن مع تعرض القوات المدعومة سعودياً لضغوط متزايدة على خطوط التماس ومواقع انتشارها.
كما ان قوات صنعاء وسعت هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد التحشيدات العسكرية للقوات المدعومة سعودياً في عدن والمناطق القريبة من باب المندب، فضلاً عن جبهتي مأرب والجوف وفي مناطق جنوبي المملكة.
وقد نشرت قوات صنعاء مقاطع مصورة لبعض عمليات استهداف تحشيدات عسكرية وإحراق مدرعات وآليات وإعطاب أخرى في عدد من الجبهات، وقد أسفرت العمليات عن سقوط مئات القتلى والجرحى في صفوف القوات المدعومة سعودياً، بينهم قيادات عسكرية وضباط سعوديين، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها القوات المدعومة سعودياً في حماية تحشيداتها وتأمين تحركاتها في ظل استمرار المواجهة.
وتكمن الأهمية العسكرية لاستهداف التحشيدات في أنه لا يقتصر على الخسائر المباشرة في الأفراد والعتاد، بل يؤثر أيضاً في حرية الحركة وإعادة الانتشار، ويجبر القوات المستهدفة على اتخاذ تدابير إضافية لحماية تجمعاتها ومواقعها.
ويرى خبراء عسكريون أن الحكم على فاعلية أي عملية عسكرية لا يرتبط بعدد الغارات أو حجم النيران المستخدمة وحدهما، بل بمدى تحقيق الأهداف الميدانية والسياسية المحددة لها، فالتصعيد الذي لا ينتج عنه تغيير ملموس في خطوط السيطرة أو إضعاف مستدام لقدرات الخصم قد يتحول إلى استنزاف خطير، ترتفع معه الكلفة دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، وهو ماينطبق على العمليات السعودية في اليمن
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار استهداف التحشيدات العسكرية وتعرض مواقع القوات المدعومة سعودياً لضغوط على أكثر من جبهة يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن جدوى النهج القائم على توسيع العمليات العسكرية، خصوصاً إذا لم يقترن ذلك بتقدم ميداني واضح يمكن البناء عليه.
وبحسب مراقبون، فإن تداعيات التصعيد تطرح تساؤلات بشأن الكلفة التي يمكن أن تتحملها السعودية إذا استمرت المواجهة بالوتيرة نفسها، فاستهداف المطارات والمنشآت النفطية، إلى جانب الضغوط التي تواجهها القوات المدعومة منها في اليمن، يوسع دائرة المخاطر الأمنية والاقتصادية للرياض ويزيد من صعوبة احتواء المواجهة.
واعتبروا إن ما تشهده التطورات بين صنعاء والرياض يعيد طرح الدروس التي أفرزتها سنوات الحرب السابقة، إذ أن الضغط العسكري لم يؤدِّ إلى إنهاء قدرات صنعاء أو فرض تسوية بالشروط التي أرادتها الرياض، بل أفضى إلى نتائج معاكسة زادت من قدرات صنعاء العسكرية، مشيرين إلى أن الخيار الأنسب للرياض هو السلام الحقيقي مع صنعاء.