الهزيمة السعودية في باب المندب.. كيف سقطت رهانات الرياض وشركاءها في أسبوع؟
ومايسطرون _ ضرار الطيب|
شكلت الأحداث الأخيرة في الساحل الغربي ومضيق باب المندب انتكاسة كبرى للسعودية وشركاءها الإقليميين والدوليين في مشروع العدوان على اليمن، ولم تقتصر هذه الانتكاسة على خسارة مساحة جغرافية مهمة، بل مثلت انهيارا صاخبا لجزء كبير مما تبقى من الشكل القديم للمنطقة، بما ينطوي عليه من اصطفافات وموازين قوى.. وعندما نقول “ما تبقى” فإننا نقصد مساحة مناورة ضيقة، لم تعد الآن تكفي التحالف السعودي وشركاءه حتى للتفكير بروية في معضلتهم الاستراتيجية المتمثلة في كيفية تجنب الإذعان لمطالب صنعاء والاعتراف بالواقع الجديد.
الانتكاسة الميدانية:
“أكبر انتكاسة للسعودية في اليمن منذ سنوات” هكذا وصفت وكالة “رويترز” سيطرة صنعاء على الساحل الغربي والوصول إلى مضيق باب المندب، وهو توصيف أكثر رسمية من ذلك الذي أطلقه مسؤول إقليمي تحدث لـ(سي إن إن) والذي استخدم ألفاظا أقل تحفظا، بل غير لائقة، ليقول في معنى حديثه إن ما حدث كان “فشلا هائلا بكل المقاييس” للسعودية وشركاءها.
كان لدى التحالف السعودي أكثر من أربع سنوات هدنة، وهو وقت طويل لإعادة ترتيب صفوفه على الأرض من أجل عودة إلى القتال كان الجميع يعلم أنها “حتمية” لأن السلام الحقيقي لم يكن أبدا قريبا، وقد كان الساحل الغربي أحد أهم الجبهات التي أولاها التحالف عناية خاصة في هذا السياق، فقد قام ببناء ما لا يقل عن أربعة مطارات رئيسية (المخا، ذو باب، زقر، وميون) ضمن سلسلة قواعد جوية وبرية وبحرية كانت تكشف بوضوح عن توجه جاد لتحويل الساحل الغربي إلى معقل استراتيجي أساسي لحسم الصراع مع صنعاء والسيطرة على اليمن، حيث توفر كل هذه القواعد مزايا لوجستية وأمنية وعسكرية واستخباراتية هائلة، سوى على مستوى استهداف المناطق والمحافظات الحرة، بما في ذلك الحديدة، أو على مستوى التأثير على طرق التجارة البحرية كوسيلة ضغط وأداة نفوذ إقليمية ودولية.
برز هذا الاهتمام بشكل أوضح منذ أواخر عام 2023 حيث وجد التحالف السعودي أن أهدافه أصبحت مدعومة برغبة إسرائيلية وغربية في التخلص من التهديد البحري الجديد والخطير الذي أصبحت صنعاء تشكله على مصالح ونفوذ “تل أبيب” و “واشنطن”، وهو ما دفع التحالف إلى إعطاء أولوية لهذه الجبهة، على كل المستويات، بما في ذلك بناء “قوة بحرية” محلية مدعومة دوليا، وإنشاء كيانات عابرة للحدود لتوفير غطاء أوسع لهذه الجبهة ودورها المستقبلي المهم في حسم الصراع مع صنعاء، مثل “مبادرة الأمن البحري اليمني”.
ولم يتأثر هذا الوضع بطرد الإمارات من التحالف، حيث تولت السعودية بهدوء الإشراف الكامل على تلك الجبهة بنفس الاهتمام وواصلت إرسال الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة، كما كشفت الوثائق التي وجدت في مقر قيادة القوات المشتركة في المخا.
لكن هذا المعقل الاستراتيجي لم يصمد أكثر من أسبوع واحد فقط، وبعيدا عن سردية “الخيانة” التي يتم ترويجها، فإن ما حدث في الأساس هو أن حسابات التحالف بشأن صنعاء كانت خاطئة تماما.
منذ انهيار “خفض التصعيد” مع صنعاء في يوليو الماضي، كان هناك حديث صريح وواضح من جانب القوات الموالية للتحالف عن تحضير لمعركة “حسم” وكانت عمليات التحشيد تجري بالفعل، وتم التمهيد للتدخل السعودي العسكري المباشر من خلال الإعلان عن وجود طائرات حربية يمنية عندما تم قصف مطار صنعاء، كما تم البدء باستهداف مواقع لقوات صنعاء على أساس خطة “استنزاف” ميدانية لم تكن سرية تماما، وهذا يعني أن الرياض كانت تعمل بالفعل على إشعال الجبهات، بما في ذلك جبهة الساحل، الأمر الذي يفترض بالضرورة وجود استعداد لمختلف الاحتمالات.
من المهم التذكير بهذا الآن، لأن معسكر التحالف بدأ يتصرف بعد الهزيمة وكأن صنعاء “باغتته” تماما، وأنه لم تكن هناك حتى مؤشرات على التصعيد، وهي محاولة تضليل تهدف للتخفيف من وقع الحقيقة التي تؤكد أن أداء السعودية في هذه المعركة كان كارثيا بالكامل على المستوى العملياتي، فقواتها البرية والجوية وأجهزتها الاستخباراتية التي يفترض أنها كانت على يقظة عالية واستعداد تام، هُزمت ببساطة.
إذا كانت هناك مباغتة في الأمر، فهي لا تتعلق بأن قوات صنعاء تقدمت لتحرير مناطق الساحل الغربي، لأن استبعاد مثل هذا الاحتمال من قبل السعوديين سيكون فضيحة كبيرة في الوقت الذي يتم الحديث فيه عن استعداد لمعركة حسم، وتنفيذ عمليات ضد مواقع القوات المسلحة اليمنية، وبالتالي فإن المفاجأة كانت على الأرجح تتعلق بالتكتيكات والأساليب التي اعتمدتها صنعاء لتنفيذ العملية، وهو أيضا ما يمثل فشلا سعوديا فاضحا، بالنظر إلى امتلاك الرياض وحلفائها أدوات استخباراتية متقدمة كان يفترض أن تطرح سيناريوهات متعددة لكيفية “الصمود” على الأقل، فضلا عن تحقيق إنجازات، بالإضافة إلى امتلاك إمكانات وحشود عسكرية كانت أكثر من كافية-نظريا- للمواجهة.
لقد أصبح مشهد انسحاب القوات الموالية للسعودية من المخا والخوخة هو الصورة الأساسية، لكنه لم يكن سوى المشهد الأخير من معركة كانت محتدمة بالفعل، وتظهر مشاهد الإعلام الحربي التي بُثت من صنعاء بوضوح أن حشود المقاتلين المدعومين من السعودية كانت مستعدة ومجهزة بالكثير من المعدات، وأن الغطاء الجوي كان موجودا، لكن من الواضح أن التكتيكات والأدوات والخطط السعودية انهارت بشكل دراماتيكي، ومع هروب الضباط السعوديين الذين كانوا متحصنين في المخا، لم تكن الانقسامات بين القوات المدعومة من الرياض سوى “تحصيل حاصل” في سياق حتمية الهروب من الميدان.
نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن أحد عناصر المليشيات التابعة للسعودية قلوه: “عندما رأينا أن قادتنا قد فروا بالفعل وأننا تُركنا كضحايا للحرب، هربنا باتجاه عدن”.
السعودية الهشة:
إن الأسباب الجوهرية للهزيمة السعودية تبدو مرتبطة بشكل أكبر بهشاشة الموقف السعودي الذي جعل الأدوات والحشود والخطط بلا قيمة، فالرياض دخلت هذا التصعيد متمسكة بافتراضات منفصلة عن واقع الصراع، ولم تدرس جيدا التحول الذي طرأ على الساحة اليمنية خلال سنوات خفض التصعيد، فبرغم أنه ما زال يمكن للمال السعودي أن يحشد آلاف المجندين، إلا أن “الدوافع” التي تحمس هذه الحشود قد انهارت، بعد انكشاف الكثير من حقائق الصراع (خصوصا خلال حرب غزة)، بما في ذلك دعايات “الدفاع عن الشرعية والجمهورية” أو “مواجهة المد الإيراني” و”تحرير صنعاء” التي كانت تنجح في خداع بعض اليمنيين، والتي تهاوت بشكل أخبر خلال السنوات الأخيرة مع انكشاف مواقف أصحابها سواء على مستوى الوضع المحلي أو الوضع الإقليمي.
حتى السعودية نفسها أصبحت مكشوفة تماما، ليس فقط فيما يتعلق بمنطقها وموقفها من اليمن، بل فيما يتعلق بموقعها في ميزان القوة الإقليمي، فقد استطاعت صنعاء خلال السنوات الماضية أن تفرض “ردعا” إقليميا حقيقيا واضحا جعل الرياض تدخل التصعيد الأخير بتخبط سياسي وعملياتي، وبعلامات ضعف واضحة، وقد أشارت مجلة (فورين آفيرز) إلى أن “ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان يفضل خفض التصعيد، أو على الأقل تأجيل المواجهة إلى حين التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني يقلل من اعتماد المملكة على البحر الأحمر، لكن الحوثيين لم يمنحوا السعوديين أي فرصة للانتظار”.
لقد حضّرت السعودية لمعركة الساحل لكن تلك التحضيرات كانت معدة لسيناريوهات مختلفة وتوقيت مختلف، ومن الطبيعي أن ينعكس تخبط وارتباك السعودية على أداء القوات التابعة لها.
وبالمحصلة، لم يكن ما حدث في الساحل الغربي مجرد “انسحاب” بل كانت هزيمة مهينة وصاخبة للسعودية كقوة عسكرية وكنفوذ وإمكانات ومشروع و”قيادة”، وبالمقابل، كان انتصارا تاريخيا لصنعاء بنفس المعايير والاعتبارات.
ولهذا لا يبدو أن محاولات السعودية للتقليل من شأن هذه الهزيمة تحقق أي نجاحا، فالأمر هنا يتعلق بخسارة جبهة استراتيجية تؤثر على مسار الصراع بأكمله، وهو ما سيلقي بظلاله على سير المواجهات المستقبلية في الجبهات الأخرى سواء الأقل أهمية، أو تلك التي تتمتع بأهمية كبيرة مثل مأرب.
مكاسب الانتصار اليمني:
تقدم السيطرة على الساحل الغربي ومضيق باب المندب، الكثير من المكاسب الاستراتيجية لصنعاء على حساب السعودية، فإلى جانب الفوز في المواجهة وتحرير قرابة 5500 كيلو متر مربع من الأرض اليمنية في أسبوع، وهو بحد ذاته تحول كبير في الموازين المعنوية والميدانية وحتى السياسية للصراع، يوفر الموقع الاستراتيجي للمناطق المحررة الجديدة خيارات بالغة الأهمية مرتبطة بتوجهات ومعادلات صنعاء للوصول إلى هدف “إنهاء العدوان والحصار والاحتلال”.
من خلال تأمين الساحل الغربي ومضيق باب المندب، تستطيع صنعاء البدء بكسر آلية الحصار البحري الذي يفرضها التحالف على البضائع المتدفقة إلى موانئ البحر الأحمر اليمنية، والتي تجبر السفن على الخضوع لآلية التفتيش الأممية التي يتحكم بها السعوديون والأمريكيون في جيبوتي، حيث يمكن الآن توفير مرافقة للسفن المتوجهة إلى الموانئ اليمنية ومنها، وحمايتها من أي اعتراض، وهو خيار من المرجح أن يحاول السعوديون والأمريكيون عرقلته من خلال فرض قيود وعقوبات على السفن، لكن يمكن لصنعاء مواجهة هذا بقيود وعقوبات مضادة، سيكون تطبيقها أسهل مع السيطرة على مضيق باب المندب، وهو ما سيغلق الباب أمام العودة إلى الوضع السابق، ويرسخ مطلب “إنهاء الحصار” بشكل كامل كحل وحيد.
وتوفر المنافذ البحرية الجديدة التي أصبحت تحت سيطرة صنعاء، في باب المندب والمخا والخوخة، فرصة مهمة لإنشاء سلسلة توريد تجارية مستقلة، خارج إطار القيود التي يفرضها الأعداء، مع مرونة لمواجهة أي قيود أو مضايقات إضافية، وهو ما يقلل من قيمة أي “عقوبات” اقتصادية معادية ضد اليمن، ويمنح صنعاء مساحة أكبر للمناورة.
وبرغم أن صنعاء قد استطاعت بالفعل الوصول إلى مستوى من السيطرة على الوضع في البحر الأحمر وباب المندب يمكنها من فرض عقوبات مركزة وبالغة التأثير على أي جهة معادية، وكذلك مواجهة أي قطع حربية، فإن السيطرة على بقية الساحل الغربي للحديدة وتعز، والتواجد في مضيق باب المندب، يوفر ميزات عملياتية إضافية واضحة ولا يمكن إنكارها، لتحقيق تأثير أكبر في هذا السياق، وهو ما يضع السعودية أمام خطر ارتفاع شدة ومستوى الحصار البحر اليمني المفروض عليها مستقبلا إذا لم تغير موقفها، كما يضع أي أطراف إقليمية أو دولية أخرى أمام مخاطر جديدة للتورط في أي نشاط مساند للسعودية ضد اليمن، بما في ذلك ضمن “التحالف البحري” الجديد الذي شكلته نهاية يوليو لحماية سفنها من الهجمات اليمنية.
والحقيقة أن السيطرة على الساحل الغربي مثلت اختبارا بالغ الأهمية لمواقف حلفاء وشركاء السعودية في المنطقة والعالم، وكذلك لمستوى الردع الإقليمي الذي فرضته صنعاء، وجاءت النتيجة لصالح الأخيرة.
لقد كان امتناع دول المنطقة والعالم عن دعم العمليات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية ضد اليمن عامي 2024 و2025، مؤثرا على تلك العمليات وأسهم في دفع الولايات المتحدة إلى مغادرة البحر الأحمر لتجنب تراكم الخسائر والمخاطر التي تحملتها لوحدها تقريبا، واليوم تواجه السعودية نفس المشكلة، حيث لم تستطع الرياض دفع حلفائها في المنطقة والعالم للانخراط في أي عمل مباشر ضد صنعاء حتى الآن، بما ذلك الولايات المتحدة التي رفضت شن أي عمليات عسكرية ضد اليمن واكتفت باستمرار تقديم الدعم الاستخباراتي، مؤكدة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع صنعاء عام 2025، بل إن ترامب نفسه قام بنسف الرواية السعودية التي تزعم وجود تهديد للملاحة الدولية في البحر الأحمر، مؤكدا أن السفن تمر بشكل اعتيادي وأن الحظر مفروض على دولة واحدة فقط، في إشارة إلى المملكة.
وخلافا لما روجته وسائل إعلام مدعومة من السعودية، امتنعت باكستان التي وقعت مع المملكة اتفاقية دفاعية ثنائية، وأخرى ثلاثية إلى جانب “تركيا” عدم اتخاذ أي إجراء عسكري، خشية الانجرار إلى حرب عالية المخاطر، فيما ظل التحالف البحري الجديد الذي شكلته السعودية حبرا على ورق حتى الآن، وهو ما يعكس إحجام جميع أطرافه عن الانخراط في أي جهد عسكري لإسناد المملكة.
وقد ذكرت وكالة رويترز أن الرياض طلبت أيضا من مصر أن تلعب دورا في المواجهة، وهو طلب يبدو أنه لم يلق استجابة، وأن الدول الأوروبية ليست مستعدة لتقديم أي دعم عسكري مباشر للسعودية.
حتى اللجوء إلى إسرائيل التي كانت طيلة الفترة الماضية تسعى بجهد لتثبيت موطئ قدم عند باب المندب وتحاول استثمار وكلاء التحالف لتعزيز هذا المسعى، لم يسفر سوى عن دعم “استخباراتي” من الواضح أن هدفه الأساسي هو استغلال السعودية لتوسيع الاختراق الأمني الإسرائيلي في المنطقة، وليس خدمة أهداف الرياض العملياتية.
وقد ذكرت تقارير أن السعودية حاولت الاستعانة بالسلطة الجديدة في سوريا لإرسال مقاتلين إلى اليمن، لكن هذا المسعى قوبل بالرفض أيضا.
لم تختبر هزيمة الساحل الغربي النفوذ السعودي على مستوى التحشيد العسكري فقط، بل أيضا على مستوى الضغط الدبلوماسي، حيث كشفت وكالة رويترز أن السعودية “ناشدت” الصين للحديث مع الإيرانيين من أجل التأثير على موقف صنعاء، كما دفعت باكستان لممارسة ضغط مماثل، وأفادت تقارير بأن الرياض طلبت من سلطنة عمان التوسط من أجل “هدنة” قصيرة، لكن لا يبدو أن هذه الجهود أدت إلى أي نتيجة، حيث تصاعدت هجمات صنعاء على العمق السعودي، وخصوصا بعد الاتهام المستفز من المملكة بشان محاولة استهداف مكة.
يظهر هذا الاختبار نجاح صنعاء في فرض نوعا من “العزلة” غير المسبوقة على السعودية، وتثبيت واقع جديد تتجاوز فيه الأطراف الإقليمية والدولية الاصطفافات التقليدية التي ترتبط بعناوين مثل “خطر سيطرة الحوثيين على باب المندب” أو حتى “سيطرة الحوثيين على اليمن بأكمله”، وهو واقع كان يفترض بالسعودية أن تكون قد أدركته مبكرا بعد تجربة الولايات المتحدة في البحر الأحمر، فمنذ مايو 2025 على الأقل، حيث أصبح واضحا أن انهيار الهيمنة القديمة على الممر المائي قد بات أمرا واقعا، وهو ما اعترف به نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بالحرف الواحد، كما أصبح واضحا أن العالم قد وصل إلى مرحلة تكيف مع تغير موازين القوى داخل اليمن نفسها، حيث صارت معظم الأطراف الإقليمية والدولية تدرك أن محاولة إعادة العجلة إلى الوراء أكثر خطرا بكثير من قبول الوضع الجديد.
كما يظهر هذا الاختبار مجددا استقلالية قرار صنعاء، وهو أمر يمنحها المزيد من المصداقية أمام المنطقة والعالم.
ومن خلال نجاح السيطرة على الساحل الغربي ومضيق باب المندب، وحرمان السعودية من القدرة على “تدويل” هزيمتها في هذا المنطقة الاستراتيجية، ترسخ صنعاء سيطرتها على شكل وإيقاع المراحل القادمة من الصراع اليمني السعودي، حيث أصبحت لديها الآن رؤية أكثر وضوحا لحدود قدرة وخيارات المملكة، وهو ما يوفر معطيات مهمة لتحسين معادلات الضغط والحسم، بما في ذلك استباق أي تحركات سعودية محتملة.
شركاء الهزيمة السعودية:
بما أن الصراع السعودي اليمني يشكل جزءا من الصراع الأوسع في المنطقة، فإن هزيمة الرياض ووكلائها في أي جبهة في اليمن تعد تطورا “إقليميا” هاما، وعندما يتعلق الأمر بالساحل الغربي ومضيق باب المندب، فإن هذا التطور يصبح أكثر أهمية، لأن هذه الساحة تعتبر واحدة من أبرز الساحات التي تتقاطع عندها أهداف ومطامع جميع أطراف المعسكر الإقليمي والدولي الذي تقاتل فيه السعودية.
لطالما كانت السيطرة على الساحل الغربي لليمن ومضيق باب المندب مطمعا للعديد من القوى الاستعمارية، وقد كان تحقيق هذه السيطرة هدفا بارزا للتحالف السعودي خلال العقد الماضي، ليس فقط من اجل فرض حصار خانق على اليمن أو حتى السيطرة على حركة الملاحة، بل من أجل تأمين مشروع الهيمنة على المنطقة بأكملها، والذي ينطوي على تغييرات هيكلية في شكل الإقليم، بما في ذلك بسط نفوذ إسرائيل وتغيير مسارات تدفق التجارة البحرية.
ومنذ بدء الحصار البحري اليمني على إسرائيل أواخر عام 2023، برزت الأهمية الاستراتيجية لجبهة الساحل الغربي اليمني في الساحة الإقليمية بصورة واضحة، وخصوصا مع الفشل الأمريكي في التعامل مع ذلك الحصار، وهو ما شكل اختبارا حساسا سقطت فيه الهيمنة البحرية الأمريكية في النهاية، ولذلك لم تتردد الولايات المتحدة في إجهاض عملية السلام بين صنعاء والرياض وربطها كلها بتوقف العمليات البحرية اليمنية، بل أنها وضعت السعودية لاحقا أمام عرض نادر يتمثل في شن حملة شاملة مشتركة تتضمن إطلاق هجوم بري واسع بدعم جوي وبحري للسيطرة على محافظة الحديدة، وهو مستوى من الانخراط الأمريكي لطالما كانت الرياض تحلم به، لكن مخاوف المملكة بشأن التوقيت والتداعيات والجاهزية ومستوى الالتزام الأمريكي حالت دون استغلال ذلك العرض في وقته.
عملت الرياض على استثمار أهمية جبهة الساحل الغربي لضمان الحصول على التزام أمريكي أكبر ودعم إسرائيلي قوي في أي مواجهة لاحقة، غير أن هذا الاستثمار انهار الآن إلى حد كبير، وذلك لعدة أسباب، من بينها التجربة القاسية التي خاضتها الولايات المتحدة في مواجهة اليمن خلال معركة “طوفان الأقصى” (والتي امتنعت فيها السعودية عن القتال إلى جانب واشنطن)، بالإضافة إلى توقيت انشغال واشنطن وغرقها في مستنقع حرب إيران، وفوق ذلك كله الأداء الكارثي للسعودية ووكلائها في ساحة الساحل الغربي وانهيارهم في أسبوع، رغم ابتداءهم بالتوجه نحو التصعيد، فهذا الأداء يعزز قناعة الأمريكيين بضرورة وضع حدود معينة للتورط في التصعيد السعودي ضد اليمن، على الرغم من الضربة الاستراتيجية التي تشكلها سيطرة صنعاء على مضيق باب المندب.
إن تردد الولايات المتحدة وبقية حلفاء وشركاء السعودية لا يعني أنهم غير معنيين بهزيمتها في الساحل الغربي، بل أنهم يشاركونها في حالة العجز والصدمة، لكنهم كما يبدو أكثر حذرا منها، فلدى واشنطن الآن صورة كاملة عن صعوبة تحقيق نتائج من خلال التصعيد العسكري، وهي في مأزق يفوق رغبتها في استعادة الهيمنة على مضيق باب المندب.
وحتى إسرائيل التي تضررت بشكل مباشر من نفوذ صنعاء في البحر الأحمر حتى قبل السيطرة على باب المندب، لا ترى مجالا لتغيير الواقع، بل تبحث عن فرصة لاستغلال الهزيمة الأمريكية السعودية، من خلال “مساعدات غير معلنة” لا تهدف لإسناد الرياض، بقدر ما تهدف لجرها نحو “شراكة أعمق” مع إسرائيل.
ومن الواضح أن الموقف الأمريكي والإسرائيلي لا يشجع بقية حلفاء وشركاء السعودية على أي خطوة أكثر تهورا، حتى لو كان الأمر يتعلق بتطور يهدد مشروع الهيمنة التي يحتمي به هؤلاء الحلفاء والشركاء، مثل فقدان مضيق باب المندب.
إن عملية تأمين الساحل الغربي ومضيق باب المندب، كانت أيضا نكسة كبرى للمعسكر الإقليمي والدولي الذي تنتمي إليه السعودية، وليس فقط على مستوى خارطة النفوذ والسيطرة، إذ كشفت هذه النكسة عن هشاشة “التحالفات” بين أطراف هذا المعسكر، وعززت هذه الهشاشة بشكل أكبر، وبينت إمكانية تفكيك هذا المعسكر من خلال مراكمة الردع ضد كل طرف، ورفع مستوى المخاطر، وهو مكسب مهم جدا لصنعاء ومحورها الإقليمي.
معضلة الهروب من الواقع:
لقد رسخ انتصار صنعاء في الساحل الغربي حقيقة حاولت السعودية وحلفائها الهروب منها طيلة السنوات الماضية وهي أنه لا توجد خيارات مضمونة لكسب المواجهة مع صنعاء.
إن خيارات التصعيد الشاملة قد جربت في عدة مراحل وفشلت، وكلما مر الوقت تتحول تصبح هذه الخيارات “انتحارية” بسبب تطور قدرات صنعاء وزيادة تماسك موقفها.
والآن مع انهيار خيار “اللاحرب واللا سلام” تضع صنعاء هدفا واضحا هو إنهاء العدوان والحصار والاحتلال (من خلال السلام أو الحرب) ولديها خطة واضحة كما يبدو للتقدم نحو هذا الهدف، بينما يبدو أن هدف أعداء صنعاء المتمثل في “إيقافها” يفتقر إلى خطة واضحة، ما يجعله هو نفسه هدفا غامضا وبلا معنى.
ترى (فورين أفيرز) أن الحل الوحيد أمام معسكر أعداء صنعاء هو ممارسة ضغط عسكري فعال يهدف لإقناعها بقبول هدنة جديدة أو اتفاق يراعي شروطهم، وحتى إذا تجاهلنا الشواهد المغلوطة التي قدمتها المجلة لدعم هذا المقترح، لا يمكن أن نتجاهل الشرط الذي وضعته لنجاح هذه الخطة وهو “منع المزيد من الخسائر على الأرض وبذل جهد فوري لردم الهوة بين صفوف التحالف المناهض للحوثيين” وهو أمر أصبح واضحا أنه غير قابل للتحقق، أو على الأقل يحتاج وقتا طويلا لا يملكه التحالف وشركاءه.. ثم ماذا عن التداعيات العكسية لهذا “الضغط”؟
إن التركيز على تفكك أطراف التحالف وتباين مصالحهم، يتجاهل جانبا مهما من معضلة السعودية وشركاءها في اليمن، وهو الكلفة المتزايدة للحرب، فحتى لو تماسك هذا التحالف وقرر التصعيد الشامل، لا يوجد ما يضمن عدم انجراره إلى حرب طويلة ومكلفة، وتعرضه لنتائج عكسية كبيرة، وبما أن هذا مقترح “الضغط العسكري” يهدف للوصول إلى “اتفاق” وليس إلى حسم، فإنه يعني ببساطة أن تراهن السعودية باقتصادها وربما بمناطقها الحدودية أيضا، ويراهن شركاؤها الإقليميون والدوليون بمصالحهم الأمنية والتجارية، على مجرد “امل” بأن توافق صنعاء على تغيير موقفها التفاوضي قليلا.
الحقيقة أن الفكرة الرئيسية وراء مثل هذه المقترحات، التي تتكرر في كل مرحلة، ليست أن هناك فرصة لتحقيق مكسب ما، بل أنه يجب تجنب “البديل الكارثي” المتمثل في الإذعان لمطالب صنعاء.
إن محاولة الهروب من هذا البديل هي ما شكلت سياسات وخطط كل الأطراف التي واجهتها صنعاء خلال العقد الماضي، لكن هذه الأطراف لم تستطع أبدا النجاح: فالتحالف يجد الآن نفسه في نقطة الصفر مجددا، مع فارق تطور قدرات صنعاء وتماسك موقفها وارتفاع سقفه، والولايات المتحدة اضطرت في النهاية للموافقة على مطلب صنعاء وغادرت البحر الأحمر، وإسرائيل حاولت وقف الهجمات على سفنها ومستوطناتها، لكن ذلك لم يتم إلا بعد تحقق شرط صنعاء وهو توقف الحرب على غزة.
*الخبر اليمني