باب المندب في قبضة صنعاء.. حصار يخنق الملاحة السعودية ويثير قلق “إسرائيل”

وما يسطرون .. المساء برس.. كامل المعمري|

إحكام الجيش اليمني سيطرته على الساحل الغربي اليمني ومواقع باب المندب وجزيرة ميون نقل المواجهة إلى مستوى استراتيجي جديد، وجعل البحر الأحمر نفسه جزءًا من ميزان القوة.

الجيش اليمني أصبح متمركزًا عند واحد من أهم الاختناقات البحرية في العالم، فيما تجد إسرائيل والسعودية نفسيهما أمام واقع أكثر قسوة: الأولى ترى طريقها البحري الجنوبي تحت تأثير قوة يمنية سبق أن ضربت مصالحها، والثانية تواجه حصارًا معلنًا يستهدف سفنها في الوقت الذي أصبحت فيه أكثر اعتمادًا على البحر الأحمر لتصدير نفطها.

التقدم الأخير وضع صنعاء في موقع لم تحققه خلال جولات المواجهة السابقة. جزيرة ميون تقع في قلب باب المندب، والسيطرة عليها إلى جانب الساحل الممتد نحو المخا وذباب تمنح الجيش اليمني موقعًا متقدمًا يضيف الجغرافيا إلى ترسانته الصاروخية والمسيّرة والبحرية.

«رويترز» وصفت التطور بأنه يعزز قبضة الحوثيين على الممر البحري، فيما قالت «وول ستريت جورنال» إن السيطرة الجديدة تمنحهم سيطرة فعلية على واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر.

بالنسبة إلى تل أبيب، يحمل المشهد دلالة أبعد من خسارة حليف إقليمي لمواقع عسكرية داخل اليمن. باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للطريق المؤدي إلى إيلات، وأي قدرة يمنية راسخة على التحكم بالحركة داخل المضيق تعني أن جزءًا أساسيًا من الأمن البحري الإسرائيلي أصبح مرتبطًا بقرار عسكري يصدر من صنعاء.

لهذا جاءت التغطية الإسرائيلية مشبعة بالقلق. «جيروزاليم بوست» تحدثت عن أن تقدم الحوثيين نحو باب المندب قد يعيد تشكيل المنطقة، وربطت السيطرة على المخا بتعاظم التهديد للبحر الأحمر، فيما تحدثت القناة 12 الإسرائيلية عن تعرض اثنين من أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط لضغوط متزامنة من إيران وحلفائها، وقالت «معاريف» إن إسرائيل تتابع الوضع عن كثب، بينما نقلت «يديعوت أحرونوت» مخاوف من استخدام السيطرة اليمنية ضمن معادلة تفاوض إقليمية أوسع.

هذه المخاوف تلتقي مع اتجاه أقدم في التفكير الإسرائيلي تجاه الضفة الأفريقية للبحر الأحمر. الرصد الإعلامي المرفق يبين أن «تايمز أوف إسرائيل» سبق أن تناولت أرض الصومال وميناء بربرة باعتبارهما نقاط ارتكاز محتملة لمراقبة باب المندب واليمن وتأمين الملاحة الإسرائيلية، وربطت بين المصالح الإسرائيلية والإماراتية في إنشاء شبكة نفوذ مقابلة للساحل اليمني.

وتكشف هذه النقاشات حجم التحول الذي فرضته صنعاء. إسرائيل التي كانت تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممرًا يمكن تأمينه عبر التفوق البحري والجوي باتت تراقب قوة يمنية تتمركز مباشرة على بوابته الجنوبية، بينما أصبح البحث عن مواقع مراقبة وقواعد خلفية على الساحل الأفريقي جزءًا أكثر إلحاحًا من الحسابات الإسرائيلية.

الأكثر دلالة أن تقارير متداولة نسبت إلى «جيروزاليم بوست» أن بنيامين نتنياهو أبدى استعداد إسرائيل للمشاركة في عمليات عسكرية ضد الحوثيين والمساعدة في استعادة السيطرة على باب المندب إذا تلقت طلبًا رسميًا من التحالف العربي والحكومة اليمنية الموالية للسعودية مايعني ان مجرد طرح هذا الخيار يكشف مستوى القلق الإسرائيلي من تثبيت صنعاء سيطرتها على المضيق، ويعني أن تل أبيب تنظر إلى ما يجري باعتباره تهديدًا يتجاوز السعودية واليمن ليصل مباشرة إلى أمنها البحري ومصالحها الإقليمية.

هذه الإشارة تحمل كذلك مفارقة سياسية ثقيلة بالنسبة إلى الرياض. السعودية التي قادت حربًا واسعة على اليمن لسنوات تجد نفسها اليوم أمام وضع تصبح فيه إمكانية طلب مساعدة إسرائيلية في البحر الأحمر موضوعًا مطروحًا في الإعلام الإسرائيلي، فيما كانت الرياض نفسها قد لجأت إلى واشنطن طلبًا لدعم عسكري مباشر مع تقدم الجيش اليمني نحو باب المندب.

«رويترز» كشفت أن ولي العهد محمد بن سلمان طلب دعمًا عسكريًا أمريكيًا ضد الحوثيين، فيما أفاد «أكسيوس» بأنه طلب من دونالد ترامب تنفيذ ضربات مباشرة. ترامب رفض الدخول في حملة عسكرية جديدة واكتفى بتوسيع الدعم الاستخباراتي وتقديم معلومات الاستهداف.

هذا المشهد يمنح صنعاء مكسبًا سياسيًا يوازي مكسبها الجغرافي. المملكة التي دخلت حرب اليمن باعتبارها القوة الإقليمية الأكبر أصبحت تطلب دعم واشنطن لوقف تقدم خصمها، بينما يظهر اسم إسرائيل بدورها ضمن الأطراف المستعدة للتدخل عند باب المندب. وكل ذلك يحدث بعد سنوات من التفوق السعودي الهائل في التسليح والإنفاق العسكري.

الضغط الأكثر قسوة على الرياض يأتي من البحر. الجيش اليمني أعلن أن الملاحة في باب المندب آمنة لجميع الشركات باستثناء السفن السعودية، واضعًا الحظر في إطار محدد يستهدف المملكة ومصالحها البحرية. الإعلان يمنح السيطرة الجديدة معنى عمليًا: صنعاء تجمع اليوم بين قرار الحصار وموقع جغرافي يسمح بفرضه بصورة أكثر قوة.

وهنا تدخل السعودية في معضلة تكاد تكون مصممة ضد نقاط ضعفها الاقتصادية. اضطراب مضيق هرمز دفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على خط «شرق–غرب» لنقل الخام إلى ينبع، ثم تصديره عبر البحر الأحمر. الطريق البحري الخارج من ينبع بات يمر نحو الجنوب عبر باب المندب، أي عبر المضيق الذي يفرض الجيش اليمني فيه حصارًا على السفن السعودية.

كلما تعززت سيطرة صنعاء على المضيق، أصبح الحصار أكثر إيلامًا للرياض حتى من دون استهداف كل سفينة تمر. شركات التأمين ترفع تقديرات المخاطر، وشركات الشحن تراجع مساراتها، والناقلات السعودية تصبح أمام خيار المرور في منطقة خاضعة لحظر معلن أو الالتفاف لمسافات أطول حول أفريقيا وتحمل كلفة زمنية ومالية أكبر.

هذه الضغوط البحرية تزامنت مع ضربات جديدة أصابت قطاع الطاقة السعودي. «أسوشيتد برس» أفادت بأن الهجمات على منشآت النفط والمرافق السعودية أشعلت حرائق وأصابت منشآت في الجنوب، من بينها مرافق مرتبطة بجازان، فيما تحدثت «فايننشال تايمز» عن ضغوط متزايدة على إمدادات الطاقة مع استمرار استهداف البنية النفطية السعودية.

ثم جاءت الضربة الأكثر حساسية بخروج خط «شرق–غرب» عن الخدمة علما بان هذا الخط يمثل البديل السعودي الأهم عن هرمز، ويصل حقول الشرق بميناء ينبع على البحر الأحمر. إغلاقه بالتزامن مع الحصار اليمني عند باب المندب وضع منظومة التصدير السعودية تحت ضغط عند طرفيها: طريق نقل الخام إلى الساحل، وطريق الناقلات الخارجة من الساحل.

ما يحدث بذلك يتجاوز سلسلة حوادث منفصلة. إنه تحول في الجغرافيا السياسية للطاقة في المنطقة. السعودية التي بنت استراتيجيتها على امتلاك بدائل متعددة لتصدير النفط تجد منافذها تتعرض لضغط متزامن؛ هرمز مضطرب، خط «شرق–غرب» أصيب، البحر الأحمر أصبح أكثر خطورة، وباب المندب بات تحت نفوذ أكبر للجيش اليمني.

“إسرائيل” ترى في النتيجة تهديدًا مباشرًا لمسارها البحري وأمن إيلات، ولهذا تتابع الصحافة الإسرائيلية كل تقدم يمني على الساحل باعتباره تطورًا يتجاوز الحرب اليمنية. السعودية ترى فيها تهديدًا لشريان نفطي أصبح أكثر أهمية بعد أزمة هرمز، ولذلك وصلت إلى مرحلة طلب المساعدة العسكرية الأمريكية، بينما ظهر عرض إسرائيلي محتمل للتدخل في الخلفية.

المفارقة الأشد قسوة على الرياض أن الحرب التي أرادت من خلالها إخضاع صنعاء انتهت إلى إنتاج قوة يمنية تفرض اليوم حصارا على السفن السعودية عند باب المندب، وتضرب منشآت أرامكو، الامر الذي جعل الرياض تطلب الحماية من الخارج.

والمفارقة الإسرائيلية موازية لها: سنوات من التفوق العسكري في البحر الأحمر لم تمنع ظهور قوة يمنية قادرة على جعل أمن إيلات وطريقها نحو المحيط الهندي جزءًا من معادلة الردع.

باب المندب اليوم تحول إلى ورقة سيادة وردع وضغط اقتصادي في يد صنعاء. السعودية تدفع الكلفة مباشرة في أمن صادراتها ومرافقها النفطية، وإسرائيل تراقب اتساع دائرة الخطر على طريقها البحري، والولايات المتحدة تجد نفسها أمام طلب سعودي جديد للتدخل في حرب حاولت تجنب الانغماس فيها.

ومع تثبيت الجيش اليمني مواقعه على الساحل والجزر، تصبح الرسالة أكثر وضوحًا: من أراد المرور الآمن عبر الجغرافيا اليمنية بات مضطرًا إلى حساب موقف صنعاء. أما الرياض، التي أبقت المواجهة مفتوحة، فتواجه اليوم حصارًا يستهدف السفن التي تحمل شريان اقتصادها، فيما تتحول تل أبيب من مراقب بعيد إلى طرف يناقش علنًا إمكانية التدخل لحماية ممر أصبحت صنعاء صاحبة الكلمة الأقوى على ضفته الشرقية.

 

المصدر.. عرب جورنال

قد يعجبك ايضا