دروس الماضي.. كيف انهار حلفاء الاحتلال في لبنان وما الذي يخطط له اليوم؟
تقرير خاص ـ المساء برس|
منذ اجتياح لبنان عام 1982، اعتمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي على ميليشيات محلية للقيام بالمهام القذرة نيابة عنها. هذه الميليشيات كانت الدرع البشري للاحتلال، والمخبر العسكري، والأداة التنفيذية لترسيخ أمر واقع جديد في الجنوب. انهارت جميعها عام 2000 مع انسحاب الاحتلال، وها هو اليوم يحاول إعادة إنتاج التجربة نفسها، ويسعى لتحويل الجيش اللبناني إلى قوة أمنية لصالحه.
هذا التقرير يستعرض تاريخ هذه الميليشيات، جرائمها، ومآلها.
جيش لبنان الجنوبي (جيش لحد)
في عام 1976، وتحت الرعاية الإسرائيلية المباشرة، أعلن الرائد سعد حداد انشقاقه عن الجيش اللبناني وتأسيس ميليشيا عُرفت باسم “جيش لبنان الجنوبي”. كانت انطلاقته الأولى من بلدة مرجعيون، حيث أسس “إدارة أمنية” تخدم الاحتلال. بعد وفاة حداد بالسرطان عام 1984، خلفه العميد أنطوان لحد، الذي كان ضابطاً في الجيش اللبناني.
وصل عدد عناصر جيش لحد إلى نحو 3000 جندي، تمركزوا في المنطقة الأمنية التي أقامتها قوات الاحتلال بجنوب لبنان. كانوا يقومون بدوريات مشتركة مع القوات الإسرائيلية، وينفذون عمليات اعتقال وتعذيب، ويتولون حماية المستعمرات الإسرائيلية التي أقيمت على الأراضي اللبنانية.
في عام 1979، أقدم سعد حداد على خطوة استفزازية حين أعلن قيام ما سماه “دولة لبنان الحر” على الأراضي التي كانت تحت سيطرته. لكن تلك “الدولة” المزعومة لم تحظَ باعتراف أي دولة في العالم، وبقيت مجرد أداة دعائية إسرائيلية.
مع انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من لبنان في مايو 2000، انهار جيش لبنان الجنوبي في غضون ساعات. انهارت معنويات الجنود، وتفككت الوحدات، وفرّ معظم عناصرها إلى “إسرائيل” أو إلى مناطق سيطرة القوات السورية هرباً من الملاحقة. أما أنطوان لحد، فقد فرّ إلى “إسرائيل”، حيث عاش بقية حياته في المنفى، وحكم عليه لبنان غيابياً بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى.
توفي حد في “فلسطين المحتلة” عام 2015، نهاية رمزية لأداة رمادية لا تغني ولا تسمن من جوع.
القوات اللبنانية (ميليشيا إيلي حبيقة)
عام 1982 كان عاماً مفصلياً. تحالفت ميليشيا القوات اللبنانية، بقيادة بشير الجميل، علناً مع “إسرائيل”. كانت هذه الميليشيا الذراع العسكرية لحزب الكتائب، الذي رأى في التحالف مع الاحتلال طريقاً لتثبيت نفوذه السياسي والعسكري في لبنان. قبل الاجتياح بخمسة أشهر، زار أرييل شارون لبنان في يناير 1982، واجتمع مع قادة الميليشيات اليمينية، ووضع معهم الخطوط العريضة للتعاون العسكري والأمني.
مذبحة صبرا وشاتيلا.. وصمة لا تمحى
في 16 سبتمبر 1982، دخلت ميليشيا القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة إلى مخيمي صبرا وشاتيلا، برفقة قوات الاحتلال الإسرائيلي التي أحاطت بالمخيمين. بدأت المجزرة التي استمرت ثلاثة أيام، وراح ضحيتها ما بين 1300 و3500 مدني فلسطيني ولبناني، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ.
مصير قادة المجزرة
بشير الجميل، الذي راهن على تحالف وثيق مع الاحتلال، اغتيل في 14 سبتمبر 1982، قبل أن يجلس على كرسي الرئاسة بلحظات. أما إيلي حبيقة، قائد المجزرة، فقد اغتيل بانفجار سيارة مفخخة في يناير 2002، وسط اتهامات واسعة للاحتلال بتدبير الاغتيال، خشية أن يدلي بشهادته أمام محكمة دولية. وهذه نهاية أخرى لراهن على الاحتلال.
حراس الأرز
أسس إتيان صقر (المعروف بـ”أبو أرز”) حزب “حراس الأرز” كحزب قومي لبناني يميني متطرف. انطلقت الحركة رسمياً مع بداية الحرب الأهلية في فبراير 1975، حيث خاضت ميليشياتها، التي لم يتجاوز عددها الألف عنصر، معارك ضد الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. كان صقر من أشد المتحمسين للتحالف مع “إسرائيل”، ورحب بالاجتياح الإسرائيلي عام 1982 علناً، منتقداً موقف باقي القادة اليمينيين الذين تفادوا التعامل المباشر مع الاحتلال.
شاركت عناصر الحركة في ميليشيا جيش لبنان الجنوبي حتى عام 2000. لكن دورهم ظل محدوداً ومتذبذباً، ولم يصلوا إلى مستوى النفوذ الذي كانت تطمح إليه قيادتهم.
مع انهيار جيش لبنان الجنوبي، تلاشت حراس الأرز بدورها، ولم يعد لها أي أثر في المشهد السياسي أو العسكري اللبناني. إتيان صقر مات منسياً، وحكم عليه غيابياً بالإعدام بتهمة التعامل مع الاحتلال.
نمور الأحرار
أسس داني شمعون، نجلي الرئيس الأسبق كميل شمعون، ميليشيا “نمور الأحرار” عام 1968. كانت الذراع العسكرية لحزب الوطنيين الأحرار الذي أسسه والده. مع بداية الحرب الأهلية في أبريل 1975، كانت النمور تشكل ثاني أكبر تنظيم عسكري يميني بعد الكتائب.
خاضت النمور معارك ضارية ضد الحركة الوطنية اللبنانية والتنظيمات الفلسطينية، وشاركت في معارك الكرنتينا وتل الزعتر، التي راح ضحيتها مئات المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. لكن مكانتها بدأت تتراجع مع صعود القوات اللبنانية (الكتائب) كقوة مهيمنة على اليمين المسيحي.
في 21 أكتوبر 1990، تم اغتيال داني شمعون مع زوجته وطفليه في منزلهم في وطى المصيطبة. الجريمة التي لم تُحل حتى اليوم، وضعت حداً نهائياً لتجربة النمور، وأسدلت الستار على أحد الفصول الدموية للميليشيات اليمينية اللبنانية.
حزب الكتائب.. الحليف الذي رحل مشرداً
كان حزب الكتائب اللبنانية، بقيادة بشير الجميل، الحليف السياسي والعسكري الأول للاحتلال الإسرائيلي خلال اجتياح 1982. بعد اغتيال بشير، تولى شقيقه أمين الجميل الرئاسة. في 17 مايو 1983، وقّع أمين اتفاقاً مع الاحتلال يقضي تطبيع العلاقات الاقتصادية والأمنية.
لم يصمد اتفاق 17 أيار طويلاً. اندلعت انتفاضة شعبية واسعة ضده، ورفضته القوى الوطنية والإسلامية في لبنان، واستمرت المقاومة في الجنوب في استهداف قوات الاحتلال. في عام 1984، اضطرت الحكومة اللبنانية إلى إلغاء الاتفاق تحت ضغط الميدان. أمين الجميل، الذي راهن على التطبيع، رحل في النهاية مشرداً من القصر، ولم يتبق له من الحكم سوى ذكريات الهزيمة.
دروس الماضي وإنذار الحاضر
بعد انسحاب الكيان الإسرائيلي من لبنان في مايو 2000، انهارت كل هذه الميليشيات. فر قادتها إلى فلسطين المحتلة أو المنافي، أو قتلوا، أو نسيهم التاريخ. أما عناصرهم، فتشتتوا بين المنافي والقرى المهجورة، بينما استقبلهم الاحتلال في البداية ثم تخلص منهم كأدوات استهلكت.
اليوم، يحاول الاحتلال تكرار السيناريو نفسه، ليس بالسلاح المباشر فقط، بل عبر تحويل الجيش اللبناني – تحت ضغوط أمريكية – إلى قوة بديلة تؤمن أمن “إسرائيل” وتنفذ اتفاقيات تثبت الاحتلال بدلاً من تحرير الأرض.
وتستضيف واشنطن مفاوضات لبنانية رسمية، يشارك فيها وفد من السلطة اللبنانية، بينما تقاطعها المقاومة التي تمتلك نقاط القوة الفعلية على الأرض.
هذه المفاوضات، التي تجري برعاية أمريكية وبحضور إسرائيلي، تهدف وفق ما يراه مراقبون إلى عزل مسار لبنان عن إيران، وتحقيق أجندات الاحتلال في جنوب لبنان عبر تثبيت الاحتلال والمنطقة العازلة، وضمان حرية الحركة الكاملة لقوات الاحتلال، وهي محاولات لتعطيل مسار إسلام آباد، وتهميش الآلية الثلاثية.