من علي عبدالله صالح إلى فدغم.. لماذا تفشل السعودية في اختراق الجبهة الداخلية للحوثيين؟

خاص _ المساء برس|

منذ انطلاق العمليات العسكرية التي قادتها السعودية ضد اليمن في مارس 2015، لم تقتصر استراتيجية الرياض على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى مسارات سياسية وإعلامية واجتماعية هدفت بصورة أساسية إلى استهداف الجبهة الداخلية لأنصار الله (الحوثيين).

وقد استندت هذه الاستراتيجية إلى فرضية مفادها أن إحداث انقسامات داخلية يمكن أن يحقق ما عجزت عنه العمليات العسكرية، عبر خلق صراعات داخلية تؤدي إلى استنزاف “الحوثيين” وإضعاف قدرتهم على إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتهم.

وعلى امتداد أكثر من عقد من الحرب، وظفت السعودية أدوات متعددة لتحقيق هذا الهدف، شملت استثمار التناقضات السياسية والقبلية والاجتماعية، وتوظيف الخلافات الشخصية والقضايا الأخلاقية والإعلامية، وصولاً إلى محاولة تحويل بعض الأحداث المحلية إلى أزمات سياسية واسعة النطاق، إلا أن حصيلة هذه الجهود، وفق قراءة العديد من المراقبين، تشير إلى محدودية النتائج مقارنة بحجم الموارد السياسية والإعلامية التي تم تسخيرها لهذا المسار.

ورقة علي عبدالله صالح.. الرهان الأكبر الذي انتهى بالفشل

من أبرز المحطات التي عكست هذا التوجه السعودي، كانت المواجهات التي اندلعت أواخر عام 2017 بين الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح والقوات الموالية له من جهة، وقوات أنصار الله من جهة أخرى.

في تلك المرحلة، شهد الخطاب الإعلامي السعودي تحولاً لافتاً ومفاجئاً، فالرجل الذي ظل لسنوات طويلة يُقدَّم في الإعلام السعودي والإعلام المدعوم من الرياض باعتباره مسؤولاً عن تدمير اليمن، وقائداً لانقلاب سياسي وعسكري ضد “الشرعية”، تحول خلال أيام معدودة إلى شخصية توصف بـ”المنقذ” و”البطل الوطني” بمجرد إعلانه المواجهة مع “الحوثيين”.

هذا التحول لم يكن انعكاساً لمراجعة سياسية تجاه صالح بقدر ما كان جزءاً من محاولة توظيفه كورقة داخلية ضد أنصار الله، فقد رأت الرياض حينها أن الخلاف بين الطرفين قد يشكل فرصة استراتيجية لإحداث شرخ كبير داخل معسكر صنعاء، وربما يقود إلى انهيار المنظومة السياسية والعسكرية التي تشكلت منذ سنوات بين الطرفين.

غير أن نتائج المواجهة جاءت معاكسة للتوقعات السعودية، إذ انتهت سريعاً بحسم “الحوثيين” للصراع الداخلي، لتتحول تلك المحطة من فرصة كانت الرياض تراهن عليها إلى نموذج جديد يضاف إلى سلسلة إخفاقاتها في اختراق الجبهة الداخلية لصنعاء.

استراتيجية طويلة الأمد لاستثمار الأزمات الداخلية

خلال السنوات الماضية، لم تتوقف المحاولات السعودية عند حدود استثمار الخلافات السياسية الكبرى، بل توسعت لتشمل آلاف القضايا والملفات ذات الطابع الشخصي والقبلي والاجتماعي.

وقد سعت الرياض، إلى جانب أدواتها الإعلامية والاستخباراتية والقوى اليمنية المتحالفة معها، سعت إلى تضخيم العديد من الأحداث المحلية وتقديمها باعتبارها مؤشرات على تصدعات داخلية في مناطق سيطرة أنصار الله، كما عملت على تحويل بعض الخلافات المحدودة إلى قضايا رأي عام بهدف إضعاف الثقة بين حكومة صنعاء وبيئتها الاجتماعية.

ويأتي هذا المسار في سياق إدراك متزايد لدى السعودية والتحالف بأن الحسم العسكري المباشر لم يحقق الأهداف المعلنة للحرب، الأمر الذي دفع إلى التركيز بصورة أكبر على أدوات الحرب الناعمة والحرب النفسية والإعلامية.

قضية فدغم وسمية الزبيري.. نموذج جديد لمحاولة التأثير على القبائل

في الأسابيع الأخيرة برزت قضية الشيخ فدغم وسمية الزبيري، التي سمت نفسها “ميرا صدام حسين “، لتتحول سريعاً إلى مادة إعلامية مكثفة في المنصات المناهضة لأنصار الله.

وقد عملت المنصات الإعلامية والناشطين الممولين سعودياً على تضخيم القضية واستثمارها سياسياً رغم أن القضية حُسمت بالوثائق والشواهد والأدلة، ويُنظر إلى هذا التناول الإعلامي باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لتوظيف القضية في تحشيد القبائل ضد أنصار الله واستهداف الجبهة الداخلية لصنعاء.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في مجتمع يتميز بحضور قوي للانتماءات القبلية والقيم الاجتماعية، حيث يمكن للقضايا ذات الطابع الأخلاقي أو الإنساني أن تثير تفاعلات واسعة تتجاوز أبعادها المباشرة، ومن هنا، فإن الرهان على مثل هذه الملفات يبدو جزءاً من استراتيجية تهدف إلى خلق حالة مستمرة من التململ والسخط داخل المجتمع الخاضع لسلطة صنعاء.

الرهان السعودي على تراكم الأزمات

ورغم أن هذه المحاولات لم تحقق حتى الآن نتائج جوهرية في إحداث انقسام داخلي واسع داخل صفوف أنصارالله، إلا أن القراءة السعودية تفترض أن التأثير لا يتحقق من خلال قضية واحدة أو حدث منفرد، بل عبر التراكم المستمر للأزمات.

ومن هذا المنطلق، تبدو الرياض وكأنها تراهن على أن تكرار إثارة القضايا المثيرة للجدل، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة على مناطق سيطرة حكومة صنعاء، سيؤدي في نهاية المطاف إلى رفع مستوى السخط الشعبي وإضعاف التماسك الداخلي لحكومة صنعاء

ويتقاطع هذا المسار مع سياسات أخرى تتعلق بالحصار الاقتصادي، حيث يجري التعامل مع الملف الاقتصادي باعتباره أداة ضغط موازية للأدوات الإعلامية والسياسية.

لماذا تفشل هذه المحاولات؟

وفقاً لعدد من المراقبين فإن السبب الرئيسي وراء فشل الرياض في تحقيق اختراقات مؤثرة داخل الجبهة الداخلية لحكومة صنعاء يعود إلى وجود إدراك شعبي متزايد لطبيعة هذه السياسات وأهدافها، بالإضافة إلى القدرات الأمنية العالية التي يمتلكها “الحوثيين”. 

فبعد سنوات طويلة من الحرب، أصبح قطاع واسع من اليمنيين، شمالاً وجنوباً، أكثر حساسية تجاه محاولات التأثير الخارجي في الشأن الداخلي، وبدلاً من أن تؤدي هذه الحملات إلى خلق حالة عداء واسعة تجاه أنصار الله، يرى المراقبون أنها ساهمت في تعزيز مستويات السخط الشعبي للدور السعودي لدى شرائح مختلفة من المجتمع اليمني.

ويستشهد المراقبون بالوقفات القبلية المسلحة التي شهدتها عدة محافظات يمنية خلال الأيام الأخيرة استجابة لدعوات أطلقها قائد أنصار الله، عبد الملك الحوثي، استعداداً لمعركة” كسر الحصار”، ويُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها مؤشراً على تزايد السخط الشعبي ضد السعودية، وبنفس الوقت تزايد شعبية أنصارالله رغم الحرب عليهم ومحاولات تشويههم.

خطأ التقدير السعودي تجاه أنصار الله

إن أحد أهم أسباب الإخفاق السعودي يكمن في طبيعة القراءة التي تتبناها الرياض تجاه أنصار الله،

فبحسب مراقبون تتعامل السعودية مع أنصار الله باعتبارها امتداداً للتجارب السياسية اليمنية التقليدية أو شبيهة بالقوى اليمنية الموالية لها، بينما يختلف أنصار الله في بنيتهم الفكرية والتنظيمية والتسليحية وآليات اتخاذ القرار والعلاقة التي بنوها مع جمهورهم.

وقد استفاد أنصارالله من أخطاء الأنظمة والقوى السياسية اليمنية السابقة، إذ أنهم يعتمدون على مقاربة طويلة المدى في إدارة الصراع، بدلاً من الحسابات قصيرة الأجل.

وبالمقارنة بين وضع أنصارالله عند بداية الحرب ووضعهم الحالي تظهر زيادة ملحوظة في قدراتهم السياسية والعسكرية والتنظيمية والعسكرية، وهو ما يعتبر انعكاساً مباشراً لفشل السياسات التي انتهجتها السعودية ضدهم طوال السنوات الماضية.

ويعتبر مراقبون أن خيار السلام والتسوية السياسية قد يكون المسار الأكثر جدوى بالنسبة للرياض، باعتباره الخيار الوحيد تقريباً الذي لم تستخدمه السعودية بجدية منذ بداية الحرب.

 

قد يعجبك ايضا