لا شرقيّة ولا غربيّة: حين يفشل القاموس الغربيّ في تفسير الصمود

ومايسطرون… أنس إبراهيم _ المساء برس|

لم تكن المواجهة الأخيرة في المنطقة مجرّد امتحان عسكريّ لقدرة إيران، أو حزب الله، أو أنصار الله، أو فصائل المقاومة في العراق وفلسطين، على احتمال الضربات، أو الردّ عليها، أو إطالة زمن الاشتباك. تلك، على أهمّيّتها، ليست سوى الطبقة المرئيّة من المعركة. أمّا طبقتها الأعمق، فهي معركة على المفاهيم نفسها: السيادة، الدولة، الحياة والموت، المقاومة والإرهاب، حركة التحرّر و«الذراع الإيرانيّة». في هذه المعركة، لا تُستخدم المفاهيم بوصفها أدوات بريئة للفهم، بل بوصفها أدوات لمنح الشرعيّة أو نزعها، ولتصنيف دولة ما حديثة وأخرى متخلّفة، وحركة ما تحرّريّة وأخرى إرهابيّة.

في هذه الطبقة تحديداً، لا تكون المسألة في إعلان هزيمة أميركيّة كاملة أم نهائيّة، بل في ظهور عجز مفاهيميّ واسع لدى القاموس الغربيّ، ولدى المثقّف العربيّ الّذي استعار هذا القاموس حتّى صار يرى المنطقة بعين تجهل تاريخها وتعجز عن فهم حاضرها. لقد صمد محور المقاومة عسكرياً، نعم؛ لكنّه، قبل ذلك، صمد ثقافياً ومفاهيمياً، لأنّه لم يفهم نفسه من داخل تعريفات العدوّ له، ولم يقبل أن يرى نفسه كما تريد واشنطن وتل أبيب وبعض النخب العربيّة أن تراه: ميليشيات، أذرع، طوائف، فائض عن الدولة، أو بقايا دينيّة من زمن ما قبل الحداثة.

لا شرقيّة ولا غربيّة: من الشرق الأوسط إلى غرب آسيا

من هنا تعود عبارة الإمام الخميني «لا شرقيّة ولا غربيّة» لا بوصفها شعاراً سياسيّاً عابراً من زمن الحرب الباردة، بل بوصفها مبدأ معرفيّاً قبل أن تكون مبدأ سياسياً. أي ألّا تُقرأ المنطقة لا بعين الشرق الإمبراطوريّ ولا بعين الغرب الاستعماريّ، وألّا تُقاس تجاربها بمسطرة حداثة صيغت في مكان آخر، ثمّ فُرضت عليها بوصفها الطريق الوحيد إلى الدولة والعقل والتقدّم. ليس في هذا المبدأ خروج من الجغرافيا، بل عودة إليها؛ عودة إلى تاريخ المنطقة، وإلى ذاكرتها السياسيّة والدينيّة، وإلى مفاهيمها عن العدل والذلّ والكرامة والشهادة والاستكبار والاستضعاف.

هنا تكمن إشكاليّة المثقّف العربيّ الحديث، أو جزء واسع منه على الأقلّ. فهو لا يكتفي، غالباً، باستعمال مفاهيم الغرب بوصفها أدوات تحليل، بل يتبنّاها بوصفها معياراً للحقيقة. يرى الدولة كما يريدها البنك الدولي، والسيادة كما تعرّفها السفارات، والإرهاب كما تصوغه وزارة الخارجيّة الأميركيّة، والحداثة كما تتخيّلها المؤسّسات المانحة. ومن ثمّ، تصبح الإملاءات الأميركيّة على لبنان علاقة طبيعيّة بين دولة كبرى ودولة صغرى، بينما تصبح مساندة إيران للبنان تدخّلاً في الشأن الداخليّ. وتصبح القواعد الأميركيّة في الخليج جزءاً من «الأمن الإقليميّ»، بينما تصبح صواريخ المقاومة تهديداً للاستقرار. هكذا لا يعود الخلل في الموقف السياسيّ فحسب، بل في اللغة الّتي يُفسَّر الواقع من خلالها.

هذه، في جوهرها، هي المشكلة الّتي كشفها تيموثي ميتشل في كتابه «حكم الخبراء» (2002): الغرب لا يكتفي بأن يسيء فهم مصر أو المنطقة، بل يعيد تشكيلها من خلال مفاهيمه ومؤسّساته وخبرائه ومشاريع إصلاحه. يحوّلها إلى موضوع للخبرة، والتنمية، والإدارة، لا لكي يفهمها كما هي، بل لكي يقولبها بما يجعلها مفيدة اقتصادياً وسياسياً، ولو كانت النتائج كارثيّة على أهلها. وحين يستعير المثقّف العربيّ هذه الأدوات كما هي، فإنّه لا يحلّل المنطقة فقط، بل يشارك في قولبتها ضدّ نفسها.

ولذلك، فإنّ تسمية «الشرق الأوسط» نفسها ليست بريئة. إنّها اسم المنطقة كما تراها الإمبراطوريّة: نفط، ممرّات، أمن إسرائيل، قواعد عسكريّة، أنظمة قابلة للإدارة، وحدود قابلة للتوظيف. أمّا مصطلح «غرب آسيا» الذي استخدمه الإعلام الإيرانيّ و«مقرّ خاتم الأنبياء» في خطاباته طوال الحرب، فليس مجرّد استبدال لغويّ، بل محاولة لاستعادة المنطقة من داخلها؛ من إيران إلى العراق، ومن اليمن إلى البحر الأحمر، ومن لبنان إلى فلسطين. إنّه انتقال من جغرافيا وظيفيّة في عين الغرب إلى جغرافيا ذات سيادة شعبيّة تخدِمُ مصالح أهلها وتحفظ ثرواتهم.

بهذا المعنى، لم يكن عزل إيران عن محيطها العربيّ فعلاً سياسياً فقط، بل كان فعلاً مفاهيمياً. صُنعت إيران في المخيال العربيّ الرسميّ والليبراليّ بوصفها جسماً شاذّاً: فارسياً، مذهبياً، دينياً، قمعياً، ونظاماً تدخّلياً «يحتلّ عواصم عربيّة». وفي المقابل، بدت الهيمنة الأميركيّة أمراً طبيعياً، والضغط الغربيّ إصلاحاً، والتطبيع مع إسرائيل واقعيّةً سياسيّة، والاستسلام باسم الدولة حكمةً. غير أنّ المواجهة الأخيرة عرّت هشاشة هذا المخيال. فقد راهن كثيرون على أنّ الشارع الإيرانيّ سينقلب على دولته عند أوّل اختبار كبير، وأنّ التناقضات الداخليّة ستتحوّل فوراً إلى أداة غربيّة ضدّ النظام. لكنّ ما ظهر كان أكثر تعقيداً: فئات واسعة، حتى ممَّن تختلف مع السلطة أو تنتقدها، لم ترَ في العدوان الأميركيّ أو الإسرائيليّ طريقاً إلى الحرّيّة. لقد ميّزت بين النقد الداخليّ والارتهان للخارج، وبين رفض القمع والقبول بإمبرياليّة إباديّة تتحدّث عن الديمقراطيّة وهي تساند تدمير شعوب كاملة.

هنا يفشل القاموس الليبراليّ الغربيّ في فهم المجتمعات الّتي لا تطابق نموذجه. فهو يفترض أنّ كلّ مجتمع غير ليبراليّ ينتظر خلاصه من الغرب، وأنّ كلّ حضور للدين في السياسة علامة تخلّف، وأنّ كلّ مقاومة لا تمرّ عبر الدولة الوطنيّة فائض عن الشرعيّة. لكنّ التجربة الإيرانيّة، ومعها تجربة المقاومة في لبنان واليمن والعراق وفلسطين، تكشفان أنّ هناك مصادر أخرى للشرعيّة والصمود: الذاكرة الدينيّة، معنى الاستقلال، فكرة المستضعفين، رفض الاستكبار، السيادة الشعبيّة غير المطابقة للنسخة الغربيّة، وحضور الدين في المجال السياسيّ لا بوصفه بقايا ماضٍ، بل بوصفه مصدراً للمعنى والتعبئة.

ثقافة الحياة وثقافة الموت

من هنا أيضاً يمكن فهم ثنائيّة «ثقافة الحياة» و«ثقافة الموت» كما عالجها السيّد حسن نصرالله في العديد من خطاباته؛ فالذين يتّهمون المقاومة بأنّها تحمل ثقافة الموت ينطلقون من افتراض غربيّ بسيط: الحياة هي البقاء البيولوجيّ، الاستهلاك، السلامة الفرديّة، الخلاص الفرديّ، والابتعاد عن الخطر. أمّا الموت فهو كلّ استعداد للتضحية، وكلّ خروج إلى الميدان، وكلّ قبول بكلفة المواجهة. لكنّ هذا التعريف نفسه هو تعريف أمّة مهزومة قبل أن تقاتل؛ أمّة تستطيع أن تأكل وتشرب وتتنفّس، لكنّها ميتة إذا انتُهكت أرضها ومقدّساتها وكرامة أهلها ولم تتحرّك فيها مشاعر الغضب.

في المقابل، لا تفهم المقاومة الموت بوصفه نفياً للحياة، بل بوصفه الطريق الّذي يمنع الحياة من أن تصير ذلّاً. ليست الشهادة، في هذا المعنى، رغبة في الفناء، بل رفض لأن يكون البقاء نفسه شكلاً من أشكال الفناء. ولهذا لا تكون كربلاء ماضياً شيعياً خاصّاً، ولا مناسبة طقوسيّة معزولة في الذاكرة، بل هي منبع مفاهيميّ مستمرّ. فالإمام الحسين لم يقدّم نموذجاً للموت العبثيّ، بل نموذجاً للتضحية حين تُحاصر بين بيعة الذلّ وشهادة الكرامة. إنّ كربلاء تقول إنّ الهزيمة الظاهرة لا تعني نهاية المشروع، وإنّ القلّة لا تعني البطلان، وإنّ الدم قد يكون أقدر من السيف على صناعة التاريخ؛ وهي المعاني التي لخّصها الإمام الخمينيّ بعبارته الشهيرة عن انتصار الدم على السيف، بوصفها قراءة لمُصاب الإمام الحسين في واقعة الطفّ كانتصار للحقّ والقيم الإنسانيّة على البطش العسكريّ الاستبداديّ عبر التضحية والفداء.

بهذا المعنى، تصبح السيّدة زينب أكثر من شاهدة على المأساة؛ تصبح شاهدة على المستقبل. حين تقف أمام يزيد وتقول: «كِدْ كيدك، واسعَ سعيك، وناصِبْ جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا، وهل رأيك إلا فَنَد، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بَدَد»، فهي لا تقدّم عزاءً أخلاقياً، بل تعلن قانوناً تاريخيّاً: قد تنتصر السلطة في اللحظة، لكنّها قد تُهزم في المعنى. وقد تملك الجند والقصر ورأس الإمام الحسين المرفوع على الرمح، لكنّها لا تملك القدرة على قتل الذاكرة. وهذا هو ما عجز كثير من المثقّفين العرب عن فهمه في المواجهة الأخيرة. لقد بحثوا عن عناصر الصمود في الاقتصاد، والتكنولوجيا، ونسب الرضى الشعبيّ، وموازين السلاح، ولم يبحثوا عنها في الثقافة الّتي تجعل شعباً أو جماعة أو حركة قادرة على احتمال التضحية. كانوا يقرأون جسداً سياسياً بأدوات لا ترى روحه.

من الدولة إلى وحدة الساحات

من هنا يبرز مبدأ وحدة الساحات بوصفه كسراً عميقاً لمنطق الدولة الوطنيّة كما صاغتها سايكس بيكو وسان ريمو. لا لأنّ المطلوب إلغاء الدول أو خصوصيّات الشعوب، بل لأنّ الدولة في منطقتنا، في كثير من تجاربها، لم تكن دائماً وعاء السيادة، بل قفصها. دولة ترفع العلم والنشيد، ثمّ تسلّم اقتصادها لصندوق النقد، وأمنها للقاعدة الأميركيّة، وحدودها لمنطق حماية إسرائيل. في المقابل، حين يخرج اليمنيّون أسبوعاً بعد أسبوع نصرة لغزّة ولبنان وإيران، وحين تقبل قطاعات واسعة في إيران كلفة دعم فلسطين ولبنان، وحين يرى عراقيّون ولبنانيّون وفلسطينيّون أنّ المعركة واحدة، فنحن لا نكون أمام «أذرع»، بل أمام عودة التحام جغرافيا شعبيّة قطّع أوصالها الاستعمار وحرسها المثقّفون باسم السيادة. وحدة الساحات ليست خطّة عسكريّة فقط؛ إنّها ذاكرة المنطقة وهي تعود إلى نفسها.

لكنّ هذا التحوّل لا يصطدم بالدولة الوطنيّة وحدها، بل يصطدم أيضاً بالبنية الثقافيّة والتعليميّة التي جعلت هذه الدولة، بحدودها ووظائفها وتبعيتها، تبدو الشكل الطبيعيّ الوحيد للسيادة. هنا تبدأ الإشكاليّة الأعمق: المثقّف العربيّ ليس فرداً معزولاً يخطئ في التقدير، بل هو غالباً نتاج شبكة أوسع من الجامعات، ومراكز البحث، وبرامج الزمالة، والمنح، والمجلات، ومؤسّسات التمويل، التي تعلّمه كيف يرى العالم من موقع الغرب بوصفه مركزاً، وكيف يرى منطقته بوصفها موضوعاً يحتاج دائماً إلى إصلاح، وتحديث، وترشيد، ودمقرطة، وإدارة.

هذه الشبكة لا تعمل دائماً عبر الإملاء المباشر، بل عبر التكوين البطيء للحسّ المعرفيّ: ما الذي يُعدّ مفهوماً علمياً؟ ما الذي يُقبل بوصفه لغة أكاديميّة؟ ما الذي يظهر كتحليل رصين، وما الذي يُطرد بوصفه خطاباً أيديولوجياً أو دينياً أو شعبوياً؟ هكذا يتعلّم الباحث العربيّ، منذ الجامعة، أن يستعمل مفاهيم مثل الدولة الفاشلة، والحوكمة، والانتقال الديمقراطيّ، والعنف غير الدولاتيّ، والتطرف، والإرهاب، كما لو كانت مفاتيح محايدة لفهم الواقع. لكنه لا يتعلّم، بالجدّية نفسها، أن يسأل عن تاريخ هذه المفاهيم، وعن القوى التي صنعتها، وعن المصالح التي تخدمها، وعن العمى الذي تنتجه حين تُسقط على جغرافيا لم تُنتِجها.

بهذا المعنى، لا يكون المثقّف العربيّ تابعاً للغرب على نحو مطابق ومباشر، بل على نحو تماثليّ غير متناظر. فهو لا يمتلك موقع الغرب ولا قوته ولا مؤسّساته، لكنه يتماثل مع نظرته إلى العالم، ويعيد إنتاجها من موقع أضعف. يرى بعين المركز، من دون أن يكون مركزاً. يتحدّث بلغة الجامعة الغربيّة، لكن من داخل جغرافيا مكسورة بفعل السياسات التي شرعنتها تلك الجامعة أو صمتت عنها. يطالب المقاومة بأن تخضع لشروط الدولة الحديثة، لكنه لا يُسائل عجز هذه الدولة عن حماية أرضها وشعبها. يطالب حزب الله وأنصار الله وفصائل العراق وفلسطين بأن يتحوّلوا إلى فاعلين «طبيعيين» داخل نظام دوليّ، بوصفهم عائقاً أمام التحوّل إلى الحداثة الغربيّة التي يمتنع -بفعل التمويل- عن مُساءلة طبيعة هذا النظام الدوليّ الاستعماريّ.

من هنا، لا يكفي القول إنّ المثقّف العربيّ تبنّى مفهوم «الإرهاب» كما صاغته الدولة الاستعماريّة. الأهمّ أنّه تبنّى النظام المعرفيّ الذي يجعل هذا المفهوم ممكناً ومقبولاً ومحترماً في الجامعة والصحافة ومراكز الأبحاث. فحين يسمّي الغرب المقاومة إرهاباً، فهو لا يصفها، بل يحاول نزع شرعيّتها. وحين يسمّيها «ذراعاً»، فهو لا يفسّر علاقتها بإيران، بل يمحو بيئتها، وشهداءها، وتاريخها، وأسباب نشأتها، ويحوّلها إلى جسم غريب بلا حاضنة شعبية. وحين يكرّر المثقّف العربيّ هذه اللغة، فإنّه لا يختلف سياسياً مع المقاومة فحسب، بل يشارك في محوها مفاهيمياً.

لقد عملت شبكة واسعة من المثقّفين والمفكّرين والصحافيّين، ضمن هذا الحقل المُموّل خليجياً وغربياً في كثير من الأحيان، على تفسير حركات المقاومة والتحرّر في المنطقة بوصفها «أذرعاً إيرانيّة»، لا بوصفها حركات نشأت بسبب الاحتلال والحصار والمجازر الأميركيّة والإسرائيليّة والسعوديّة والأوروبيّة، وبسبب عجز الدولة الوطنيّة عن حماية شعوبها. وحتى بعد أن أثبتت إيران مساندتها الواسعة والمكلفة لهذه الحركات، لا يزال جزء واسع من هذه الشبكة يقرأ العلاقة بوصفها علاقة إملاء وتبعيّة، ربما لأنّه لا يعرف من العلاقات الدوليّة إلا النموذج الذي تعيشه الدول المستضيفة لمراكزه البحثيّة والصحافيّة: علاقة تبعيّة وإملاء مع الغرب.

في المقابل، تكشف أدبيّات الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة وخطابات المقاومة معنى آخر للعلاقة: مساندة المستضعفين، وتصدير الثورة لا بوصفه غزواً إقليمياً، بل بوصفه دعماً لحركات تواجه الاحتلال والاستعمار والتبعيّة. وفي اختزال بعض المثقّفين العرب لهذه العلاقة أو انتقاد تطبيقاتها -عبر مقولاتِ الاحتلال أو الهيمنة الإيرانيّتين- فإنّهم لا يفسِّرون شيئاً، ويعجزون عن تفسير قبول إيران، شعباً ونظاماً، لدفع كلفة هائلة في سبيل فلسطين ولبنان، ولا لماذا تحوّلت مسيرات اليمن إلى فعل شعبيّ متواصل دفاعاً عن غزة، ولا لماذا استطاعت كربلاء أن تظهر، بعد قرون، في لغة السياسة والحرب والصبر الشعبيّ.

إنّ ما ينقص هذه الشبكة من المثقّفين ليس المزيد من المعلومات، بل مراجعة ذاتيّة عميقة تدفع إلى العودة لقراءة تاريخ المنطقة السياسيّ والدينيّ: إلى واقعة كربلاء لا بوصفها واقعة تخصّ شيعة آل البيت وحدهم، بل حدثاً سياسياً مزلزلاً أعاد تعريف العلاقة بين السلطة والحقّ، وبين القلّة والشرعيّة، وبين الهزيمة الظاهرة والانتصار التاريخيّ. وإلى ثورات أبناء وأئمة آل البيت، والتاريخ الإسلاميّ بوصفه تاريخ صراع على العدل والسلطة والمعنى، لا بوصفه تراثاً وعظياً خارج السياسة. عليه أن يفهم لماذا تستطيع مفاهيم مثل المستضعفين، والاستكبار، والشهادة، وهيهات منّا الذلّة، أن تنتج في الميدان ما لا تنتجه آلاف الندوات عن الديمقراطيّة المُموّلة غربيّاً.

لقد كشفت المواجهة الأخيرة أنّ المعركة ليست على الأرض وحدها، بل على اللغة الّتي نفهم بها الأرض. هنا تعود «لا شرقيّة ولا غربيّة» كبوصلة: لا خضوع لقاموس الغرب، ولا استعارة عمياء من أيّ مركز آخر، بل تفكير من داخل المنطقة، من تاريخها، من دمها، من جغرافيتها، ومن ذاكرة شعوبها. ليست هذه المعركة إلّا جولة من جولات طويلة، لأنّ المنطقة لم تنتصر نهائياً بعد، ولم تتحرّر بعد من الاستعمار الاستيطانيّ الإسرائيليّ، ولا من الاحتلال الأميركيّ المتمثّل في القواعد العسكريّة وإحكام قبضته على جوقة النخب الحاكمة العربيّة. لكنّ الصمود الذي أظهرته جبهة المقاومة يكشف أنّها لم تعد قابلة للقراءة بالأدوات السابقة وحدها، تلك الأدوات التي سيطرت طويلاً على فهم الذهن العربيّ للمقاومة والثورة الإسلاميّة الإيرانيّة.

وهذا، في ذاته، بداية انتصار مفاهيميّ: أن تتصدّع اللغة التي جعلت المقاومة إرهاباً، والتبعيّة سيادة، والهزيمة عقلانيّة، والغرب مركز العالم. أن تُدفع الذات العربيّة إلى التوقّف عن قراءة واقعها بعين عدوّها، وأن يظهر المثقّف العربيّ عاجزاً عن تفسير صمود لا يعرف مفاتيحه، لأنّه لم يقرأ تاريخه بما يكفي، ولم يثق بلغته بما يكفي، ولم يتحرّر من جامعةٍ علّمته كيف يفكّر بالعالم كما يراه الغالبون. ومن هنا تبدأ المعركة الأصعب: تحرير الأرض يبدأ دائماً بتحرير المعنى.

 

*المصدر/ الأخبار اللبنانية

قد يعجبك ايضا