عن النصر والهزيمة في عصرنا
ومايسطرون… سعيد تركي فاضل _ المساء برس|
في كتابه الشهير «عن الحرب»، أعاد كلاوزفيتز تعريف الحرب التقليدية باعتبارها أداة سياسية وليست مجرّد معركة عسكرية، مؤكّداً أن النصر لا يُقاس بالسيطرة الميدانية فحسب، بل بقدرة الدولة على فرض إرادتها السياسية. وفي اختصار لمفهوم النصر والهزيمة عنده، يمكننا القول: «إن النصر هو تحقيق الهدف السياسي، بينما الهزيمة هي العجز عن تحقيقه». في السياق ذاته، يقول هنري كيسنجر في تحليله لحرب فييتنام: «الجيش النظامي يخسر إذا لم ينتصر، والمقاومة تنتصر إذا لم تخسر».
من هنا، وعبر التاريخ، فشلت منظومات عظمى تملك ترسانات نووية وتكنولوجيا عسكرية هائلة أمام مجموعات مقاومة صغيرة بالتجهيز والعدد، وأُجبرت تلك القوى على الاندحار من بلادها؛ والأمثلة على ذلك كثيرة، أبرزها فييتنام وأفغانستان والعراق ولبنان.
عادةً، تمتلك القوى العظمى أهدافاً استراتيجية محدّدة وواضحة في بداية كل حرب تشنّها، مثل: تغيير النظام في الدولة المُستهدَفة، أو سحق تنظيم يسبّب الإزعاج لها، أو فرض احتلال جغرافي توسّعي. وهذا بحدّ ذاته يتطلّب جهداً حربياً كبيراً، وسرعة في التنفيذ، لتحقيق الأهداف المُعلنة وإعلان النصر الساحق كما حصل في العراق عام 2003 ، وكل ما دون ذلك يُصنّف هزيمة قاسية لها تبعاً لحساب العوائد والكلفة. فالجيش النظامي، بما أنه يمثّل دولة قائمة ومؤسسات رسمية، فإن معيار وجوده هو الانتصار الحاسم، وإذا لم يحقّق هذا النصر الواضح يُعتبر خاسراً؛ لأن الفشل يهدّد شرعية الدولة وهيبتها الداخلية والدولية وقوة ردعها.
أمّا بالنسبة إلى حركات المقاومة، فإن مجرّد البقاء على قيد الحياة في المراحل الأولى للحرب، والاستمرار لاحقاً في شنّ العمليات ضد العدو هو بحد ذاته يُعتبر نصراً؛ لأن عمليات الاستنزاف التي تقودها المقاومة تتغذّى وتنمو على عامل الوقت خصوصاً إذا استطاعت أن تستمر على المدى الطويل الذي يمثّل أفضلية لصالح الطرف الأضعف مادياً ولكنه يمتلك إرادة قوية. فالمقاومة لا تحتاج إلى نصرٍ عسكري تقليدي كي تُثبِت وجودها؛ بل يكفيها الصمود وعدم الانكسار أمام آلة الحرب الضخمة ليُحسَب لها الانتصار كاملاً، لأنها بذلك تثبت أن إرادة الشعب أقوى من القوة المادية الصماء مهما طغت.
ربطاً بما تقدّم، فإن العدوان المفروض على لبنان منذ عام 2023 – 2024 هو حرب لا متناظرة تجري بين جيش يُصنّف من ضِمن أقوى الجيوش وأكثرها تقدّماً عالمياً. جيش العدو الذي يمتلك أسطولاً جوياً لا مثيل له في غرب آسيا، إذ يضم نحو 350 طائرة مقاتلة حديثة وشبحية، وقوة مدرّعة وعدداً هائلاً من ناقلات الجند المدرّعة، والمدافع الذاتية الحركة، ومنظومات الدفاع الجوي الصاروخي المتعدّد الطبقات وغيرها من الأصول العسكرية والقدرات القتالية.
الأهم من ذلك كله هو مفهوم «تفعيل القوة» في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، حيث لا تُقاس القوة بالعدد الصرف للأصول العسكرية والقدرات والقتالية بل بـ«مضاعفات القوة»؛ فعلى سبيل المثال، وجود القوة الجوية التي تحتوي على هذا الكم والنوع من الطائرات المقاتلة، والمدعومة بطائرات التزوّد بالوقود في الجو، وطائرات الإنذار المبكر والقيادة من طراز «نحشون/إيتام»، إضافة إلى شبكة استخبارات عسكرية وأمنيّة متعدّدة الطبقات، فضائية وجوية وبرية وبحرية، مدعومة بالذكاء الاصطناعي العسكري، مع جيش من المصادر البشرية الفاعلة؛ إضافة إلى ناتج الجمع الاستخباراتي التي تزوّدها به الدول العربية والغربية، ناهيك عن الدعم الأميركي غير المحدود، ما يمكّنها من رصد وتغذية بنك الأهداف، ما يجعل الفعالية القتالية لسلاح الجو تعادل أضعاف حجمه الفعلي في الحروب التقليدية.
في المقابل، الأرض تنصر أهلها. يخوض هذه المواجهة غير المتناظرة مقاومون نبتوا من الأرض واتخذوها ملاذاً آمناً وتدرّبوا عليها فأجادوا مهنة القتال، وأعدّوا ما استطاعوا من القوة والقدرات القتالية، وتسلّحوا بعتادٍ تقليدي، لكنهم امتلكوا إرادة قتال فولاذية وعقائد كربلائية غذّت لديهم العزيمة والصبر وروح الإيثار والتضحية والشرف والوفاء. وتمتّعوا أيضاً بدهاء عسكري في تكتيك القتال والمناورة، وطوّروا لذلك منظومة استخبارات ورصد واستطلاع ومراقبة دقيقة مرتكزة على معرفة وفهم العدو، ما أتاح لهم تشكيل بنك أهداف وقدرة على استهداف العدو في الظروف كافة عبر ابتكارات تقنية وتكنولوجية عسكرية حيث طوّعوا طائرات مُسيّرة ومُحلّقات متاحة في الأسواق التجارية، ومُعدّة للأغراض المدنية، وأجروا عليها تعديلات وطوّعوها للاستخدام العسكري. كذلك أضافوا إلى منظومة القيادة شبكة اتصالات معقّدة، وقدرة على التعزيز المستمر للجبهة بالعناصر، ودعم لوجستي على الأصعدة كافة.
لقد صُمّم هذا العدوان بالأساس لتحقيق هدف سياسي-استراتيجي أميركي-إسرائيلي واضح، ألا وهو «تغيير خارطة الشرق الأوسط» بما يخدم الأهداف الاستراتيجية ومصالح الأمن القومي الأميركية، ويعطي التفوّق والسيطرة المطلقيْن لإسرائيل لتحقّق حلمها التوراتي «إسرائيل الكبرى» تحت مسمّى: «المعاهدة الإبراهيمية». لقد كانت ولا تزال غاية العدوان الأميركي-الإسرائيلي على غرب آسيا، بدءاً من إيران مروراً بالعراق إلى لبنان وفلسطين، هي كسر إرادة القتال لفرض التطبيع والاستسلام.
لم تكن المقاومة يوماً قائمة على التفوّق المادي لقهر العدو، فمنذ نشأتها حتى يومنا هذا، قامت في عملها على عدة نقاط ارتكاز أساسية هي: الثبات العقائدي، والإرادة الصلبة، والعزيمة، والصبر الجميل، والإبداع. فلولا هذه الركائز لما تحقّق التحرير الأول عام 2000، ولما تجسّد نصر تموز وآب عام 2006. وفي هذا المنعطف التاريخي، لن يكون مصير أهداف العدوان الإسرائيلي-الأميركي إلا الانكسار تحت أقدام المقاومين المتجذّرين في أرضهم؛ أولئك الذين يبرهنون للعالم، جولة بعد أخرى، أن إرادة القتال الفولاذية هي القوة الوحيدة الكفيلة بسحق طغيان التقانة، وقهر جبروت التكنولوجيا مهما علت وتجبّرت.
*المصدر/ الأخبار اللبنانية