قراءة في محاولات تطويق اليمن من الضفة الأفريقية بعد فشل حاملات الطائرات

ومايسطروون _ المساء برس _كامل المعمري|

لا يمكن فهم ما يجري اليوم في البحر الأحمر والقرن الأفريقي دون العودة إلى لحظة التحول الكبرى التي فجرت كل الحسابات الاستراتيجية الغربية والإقليمية. تلك اللحظة لم تكن عندما أغلقت إيران مضيق هرمز جزئياً في فبراير 2026، بل قبلها بسنوات، عندما قررت القوات اليمنية، المنحازة بكل ثقلها إلى المقاومة الفلسطينية في غزة، أن تفتح جبهة بحرية غير مسبوقة في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني. 

لم تكن تلك الخطوة مجرد “إزعاج” بحري أو “قرصنة” كما وصفتها وسائل إعلام غربية خاضعة لسردية الهيمنة. 

بل كانت، وبكل معنى الكلمة، إعلاناً عن ولادة قوة إقليمية جديدة لا تخضع لقواعد اللعبة القديمة، قوة تستخدم أسلحة بسيطة نسبياً لكنها تمتلك سلاحاً أخطر الإرادة المستندة إلى قضية عادلة، والقدرة على تحويل ممر مائي حيوي من “شريان للتجارة العالمية” إلى “ورقة ضغط وجودية” على أطراف لا تزال تعتقد أن التفوق التكنولوجي يشتري الأمن.

ما حدث بعد ذلك كان أشبه بزلزال جيوسياسي. فبينما كانت واشنطن وتل أبيب تعتقدان أن حلفهما البحري قادر على تأمين أي ممر مائي في العالم، ها هما يكتشفان أن منظومات “ثاد” و”أرو” باهظة الثمن قد تفشل أحياناً، وأن صاروخاً باليستياً محلي الصنع من طراز “فلسطين 2” قادر على إيصال رسالة إلى مطار بن غوريون تعطل حركة الطيران الدولي لأيام، وأن طائرة مسيرة متواضعة قد تكلف خزينة البنتاغون ملايين الدولارات مقابل كل صاروخ اعتراضي يطلقونه. وهذا بالضبط ما يعنيه “تغيير قواعد الاشتباك”: عندما تصبح معادلة التكلفة مقلوبة رأساً على عقب، وعندما يجد الطرف الأقوى تقنياً نفسه أمام خصم لا يمكن ردعه بالقصف لأن صموده النفسي والتنظيمي يفوق بكثير قدرة الصواريخ الموجهة على كسره.

لذلك، وبعد أن فشلت عملية حارس الازدهار التي استمرات لأكثر من عام بقيادة واشنطن وكلفت أكثر من ألفين غارة جوية وخسائر تجاوزت اكثر من 6 مليار دولار، وبعد أن أقرت مجلة “Australia/Israel Review” الصهيونية بأن الحملة انتهت بفشل واضح وأن الحوثيين ما زالوا “متماسكين وقادرين على العمل على جميع المستويات”، بدأ العقل الاستراتيجي الغربي يبحث عن مخرج مختلف

لم يعد السؤال: “كيف ننتصر على الحوثيين عسكرياً؟” لأن الإجابة أصبحت مستحيلة. تحول السؤال إلى: “كيف نطوقهم جغرافياً؟ كيف نمنعهم من استخدام البحر الأحمر كسلاح؟ كيف نخلق بدائل لوجستية واستخباراتية تعزلهم عن محيطهم الإقليمي وتجردهم من ورقة الضغط الوحيدة التي يملكونها؟” وهنا بالضبط بدأ السباق المحموم نحو الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، ذلك الساحل الذي كان لسنوات مجرد “هامش” في خرائط الصراع الكبرى

واشنطن وإريتريا: صفقة “المارقة المرخصة” بوساطة مصرية

إريتريا هي أولى ثمار هذا التوجه الجديد. فالدولة التي فرضت عليها واشنطن عقوبات عام 2021 بتهمة زعزعة استقرار القرن الأفريقي، والتي كانت تصنف حتى الأمس القريب كـ”دولة راعية للإرهاب” في بعض الملفات، ها هي اليوم تُقدم على أنها “شريك استراتيجي” محتمل. ما الذي تغير؟ ليس سلوك أسمرة بالتأكيد. 

الذي تغير هو حاجة واشنطن الماسة إلى قاعدة بحرية واستخباراتية على الضفة المقابلة لليمن، على بعد كيلومترات فقط من مضيق باب المندب. تقرير “معهد الشؤون الخارجية الإثيوبية” كان صريحاً في وصف هذه المفارقة: “واشنطن لا تعيد اكتشاف إريتريا لأنها أصبحت أكثر اعتدالاً، بل لأنها باتت أكثر أهمية جغرافياً”. وهذا هو جوهر الأخلاقيات الاستراتيجية الغربية: الموقع الجغرافي يمنح حصانة دبلوماسية، حتى لو كان صاحبه “مارقاً”.

لكن الأكثر خطورة من الانفتاح الأمريكي على أسمرة هو الوسيط المصري في هذه الصفقة. نعم، مصر التي تضررت اقتصادياً من تراجع عائدات قناة السويس (خسائر تقدر بنحو 9 مليارات دولار حتى مارس 2026) بسبب العمليات اليمنية، هي من تقود الآن جهود تقريب واشنطن من إريتريا. القاهرة تريد شيئين: أولاً، تأمين البحر الأحمر لصالح الملاحة الدولية لاستعادة جزء من خسائرها.

ثانياً، والأهم من منظورها، استخدام إريتريا كورقة ضغط على إثيوبيا في صراع سد النهضة. فبتقريب أسمرة من واشنطن، تضع مصر إثيوبيا في موقف “المحاصر” جغرافيا ودبلوماسياً. وهذا يعني أن الملف اليمني، الذي لا تملك مصر فيه مصالح مباشرة، يُستخدم كأداة في صراع إقليمي آخر تماماً. وهذه ليست المرة الأولى التي تتحول فيها قضية عادلة إلى كرة في ملعب المصالح المتقاطعة، لكنها المرة الأولى التي يصبح فيها البحر الأحمر نفسه هو الكرة.

من منظور صنعاء التحرك الأمريكي نحو إريتريا هو تهديد استراتيجي حقيقي. فقاعدة بحرية أمريكية في عصب أو مصوع تعني قدرة على مراقبة كل تحركات القوات اليمنية في جنوب البحر الأحمر، وتعني تحييد “الضفة الآمنة” التي كانت تعتبر بعيدة عن مرمى الردع المباشر. كما أنها تعني أن أي عملية بحرية يمنية مستقبلية ستنطلق تحت أعين الرادارات الأمريكية، مما يفقدها عنصر المفاجأة. لكن هل هذا كافٍ لتحييد اليمن؟ على الأرجح لا. فالتاريخ العسكري الحديث يعلمنا أن القواعد الثابتة قد تكون أهدافاً سهلة، وأن التكنولوجيا المتقدمة لا تشتري الأمن إذا واجهت خصماً مستعداً لتغيير تكتيكاته باستمرار.

أنصار الله “الحوثيون” أظهروا قدرة على تكييف أسلحتهم وطرق إطلاقها بما يجعل تتبعها ورصدها تحدياً دائماً. كما أن القواعد الإريترية، مهما تطورت، ستبقى عرضة لضربات انتقامية قد تشل حركتها لفترات طويلة. إريتريا ليست “حصناً منيعاً”، بل هي ورقة إضافية في لعبة معقدة، وقد تتحول من مكسب أمريكي إلى عبء إذا ما انقلبت عليها الجماعات المحلية المسلحة التي تربطها علاقات مع الحوثيين.

أرض الصومال والمشروع الإسرائيلي-الإماراتي: القاعدة التي تبحث عن شرعية

على الجانب الآخر من خليج عدن، تتشكل قصة أكثر وضوحاً وأقل نفاقاً. اعتراف “إسرائيل” بـ”أرض الصومال” في ديسمبر 2025 لم يكن محاولة لإضفاء شرعية على كيان انفصالي، بقدر ما كان إعلاناً مباشراً عن نية إنشاء قاعدة عسكرية واستخباراتية في نقطة بالغة الحساسية من الساحل الأفريقي. التقرير الذي نشرته “تايمز أوف إسرائيل” تحت عنوان “مناورة إسرائيل في أرض الصومال: تحول موازين القوى في البحر الأحمر” لم يترك مجالاً للشك: الهدف هو “كسر احتكار الحوثيين لتهديد الممر” و”إنشاء مركز قوة بديل يُحيّد نفوذهم”. بعبارة أخرى، “إسرائيل” تريد أن يكون لها “حضور ثابت” في مؤخرة اليمن، لتردع الحوثيين ليس بالصواريخ فقط، بل بالتموضع الجغرافي نفسه.

ميناء بربرة هو قلب هذه المناورة. تديره “موانئ دبي العالمية” الإماراتية منذ سنوات، وقد استثمرت فيه مئات الملايين. الإمارات، التي كانت حتى الأمس القريب جزءاً من تحالف “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين، ها هي اليوم تفتح موانئها وأراضيها للوجود الإسرائيلي المباشر على حدود الصومال.

هذا التنسيق ليس جديداً بالكامل؛ فهناك تقارير عن تعاون استخباراتي إماراتي-إسرائيلي في اليمن منذ سنوات. لكن الجديد هو العلنية: فإسرائيل لم تعد تخفي رغبتها في أن تكون لاعباً عسكرياً مباشراً في البحر الأحمر، والإمارات لم تعد تخفي دورها كـ”مهندس لوجستي” لهذا المشروع. معاً، يشكلان “محور بربرة” الذي يهدف إلى تحقيق ما عجزت عنه آلاف الغارات الجوية: تحييد الورقة اليمنية من خلال تهديد “العمق الخلفي” للحوثيين.

لكن من زاوية موضوعية، هذا المشروع يعاني من عيوب بنيوية قاتلة. أولاً، أرض الصومال نفسها كيان هش سياسياً وأمنياً، يعاني من انقسامات داخلية ومن نزاعات قبلية، ومن فقر مدقع يجعله عرضة للاختراق والنفوذ من أي جهة تقدم المال.

ثانياً، وجود إسرائيلي علني في منطقة ذات أغلبية مسلمة، وبالقرب من الصومال التي تسيطر حركة الشباب على أجزاء واسعة منها، يعني أن هذا الوجود سيكون هدفاً دائماً للهجمات، سواء من الحوثيين أو من الجماعات الجهادية المحلية.

ثالثاً، الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أثار غضباً عربياً وإسلامياً واسعاً، ودفع تركيا ومصر إلى تعزيز وجودهما العسكري في الصومال الفيدرالية، مما يعني أن “محور بربرة” قد يواجه في المستقبل القريب “محور مقديشو” المسلح والمتحمس للدفاع عن وحدة الصومال.

أما بالنسبة للحوثيين، فإن وجود قاعدة إسرائيلية في بربرة هو بلا شك تهديد استراتيجي كبير، لكنه أيضاً “هدية دعائية” لا تقدر بثمن. فالحوثيون يمكنهم الآن القول إن “الصهيونية العالمية” تحاول تطويق اليمن من الخلف، وإن معركة البحر الأحمر هي جزء من حرب وجودية ضد مشروع استعماري جديد. هذه الرواية تمنحهم شرعية إضافية داخل اليمن وخارجه، وتبرر أي تصعيد عسكري ضد أهداف في أرض الصومال أو حتى داخل الإمارات نفسها باعتبارها “شريكاً في العدوان”.

السيد عبد الملك الحوثي كان واضحاً: أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيكون هدفاً مشروعاً. وهذا ليس تهديداً فارغاً، لأن المسافة بين بربرة والسواحل اليمنية لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات، وهي في مرمى الصواريخ والمسيرات اليمنية بسهولة.

إثيوبيا بين فكي الكماشة – صراع المنفذ الأخير وحلم الإمبراطورية

لا تكتمل صورة الصراع في البحر الأحمر دون وضع إثيوبيا في قلب الحدث، لكن ليس بالطريقة التي تروّج لها وسائل الإعلام الغربية. فالقصة ليست “دولة حبيسة تبحث عن منفذ بحري” بقدر ما هي “دولة طموحة تحاول استغلال الصراع الإقليمي لتحقيق حلم جيوسياسي قديم”.

إثيوبيا، التي يزيد عدد سكانها عن 120 مليون نسمة، والتي تملك أسرع اقتصاد في أفريقيا قبل الحرب الأهلية، لم تتصالح أبداً مع فقدان منفذها البحري بعد انفصال إريتريا. كل حكوماتها المتعاقبة، سواء كانت ديكتاتورية عسكرية أو فيدرالية إثنية، تعاملت مع هذا الفقدان كجرح مفتوح يجب أن يلتئم يوماً ما. واليوم، مع اشتعال البحر الأحمر، ومع انشغال القوى الكبرى بمواجهة الحوثيين وإيران، ترى أديس أبابا “فرصة تاريخية” لانتزاع ما عجزت عن انتزاعه بالحرب.

لكن الطريق إلى البحر ليس ممهداً. أمام إثيوبيا ثلاثة خيارات استراتيجية، وكلها مسدودة جزئياً أو كلياً. الخيار الأول هو إريتريا: المنفذ الطبيعي والأقرب، ميناء عصب تحديداً. لكن هذا الخيار اصطدم بالتقارب المصري-الإريتري المدعوم أمريكياً ضمنياً. مصر، التي تعتبر سد النهضة تهديداً وجودياً، تبذل قصارى جهدها لمنع إثيوبيا من أي منفذ بحري، لأن ذلك سيمكنها من استيراد الأسلحة بسهولة أكبر وتقليل اعتمادها على الموانئ المصرية.

إريتريا نفسها، التي كانت جزءاً من إثيوبيا حتى عام 1993، لا تريد رؤية “الكبير” يحصل على موطئ قدم على ساحلها، خوفاً من أن يكون ذلك مقدمة لابتلاعها مجدداً. لذلك، أي اتفاق إثيوبي-إريتري حول عصب يحتاج إلى وساطة قوية وضمانات دولية، وهي غير متوفرة حالياً.

الخيار الثاني هو جيبوتي: المنفذ الحالي الذي تستخدمه إثيوبيا حالياً. لكن جيبوتي مكتظة بالقواعد العسكرية الأجنبية (أمريكية، صينية، فرنسية، يابانية)، وليس لديها القدرة على استيعاب طموحات إثيوبيا اللوجستية المتزايدة. كما أن جيبوتي مرتبطة بعلاقات معقدة مع الصومال وإريتريا، ولا تريد الدخول في صراع مع جيرانها لصالح إثيوبيا. الخيار الثالث والأخير هو أرض الصومال وميناء بربرة.

هذا الخيار هو الأكثر ترجيحاً حالياً، لكنه الأكثر خطورة أيضاً. فبربرة يديره إماراتيون، و”إسرائيل” تريد تحويله إلى قاعدة عسكرية، والاعتراف به سيدفع الصومال الفيدرالية إلى قطع أي علاقات مع إثيوبيا، وسيزيد من التوتر مع مصر وتركيا. لكن إثيوبيا، تحت ضغط الحصار الاقتصادي والرغبة في الانعتاق، قد تقبل بهذه المخاطر.

من زاوية الحوثيين، إثيوبيا ليست عدواً مباشراً، لكنها قد تتحول إلى حلقة في سلسلة التطويق إذا ارتبطت بشكل كامل بمحور “إسرائيل”-الإمارات. فإثيوبيا التي تحصل على منفذ بحري عبر بربرة ستكون مطالبة بتأمين هذا المنفذ، وقد تسمح بوجود عسكري إسرائيلي أو إماراتي على أراضيها، الأمر الذي سيجعلها هدفاً مشروعاً للرد اليمني.

لكن حتى الآن، الحوثيون لم يتخذوا موقفاً عدائياً من إثيوبيا، ويبدو أنهم يفضلون بقاءها محايدة أو حتى منشغلة بصراعاتها الداخلية بدلاً من أن تكون فاعلاً في البحر الأحمر. إثيوبيا بدورها لا تريد الدخول في مواجهة مع اليمن، لأن ذلك سيعرض خطوط إمدادها البحرية عبر جيبوتي للخطر، وسيفتح عليها جبهة جديدة لا تحتاج إليها. لذلك، هناك مساحة من التفاهم الضمني: إثيوبيا لن تسمح باستخدام أراضيها ضد اليمن، والحوثيون لن يستهدفوا المصالح الإثيوبية طالما بقيت أديس أبابا خارج دائرة العدوان.

الموقف المصري: لاعب لا يمكن تجاهله، لكنه ليس صانع القرار الأوحد

مصر حاضرة بقوة في كل هذه الملفات، لكن حضورها ليس بنفس القوة التي يتخيلها البعض. صحيح أن القاهرة هي الوسيط الأساسي في تقريب واشنطن من إريتريا، وصحيح أنها تنشر قواتها في الصومال، وصحيح أنها تهدد باستخدام القوة لحماية أمنها المائي، لكن مصر تعاني اليوم من أزمة اقتصادية خانقة تجعل أي مغامرة عسكرية كلفتها تفوق قدرتها. كما أن مصر ليست لديها الرغبة الحقيقية في الدخول في مواجهة مباشرة مع إثيوبيا أو الحوثيين، لأنها تعلم أن أي حرب إقليمية ستكون مدمرة للجميع، والجميع سيخرج خاسراً باستثناء إسرائيل لذلك، تلعب مصر دور “المحرك” الدبلوماسي وليس دور “المقاتل”. هي تريد رؤية ترتيبات أمنية في البحر الأحمر تعيد عائدات قناة السويس، وتريد بقاء إثيوبيا محصورة بدون منفذ بحري، لكنها غير مستعدة لدفع ثمن باهظ لتحقيق ذلك.

بعد كل هذا، يمكن القول إن ما يجري في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ليس “تطويقاً للحوثيين” بقدر ما هو “اعتراف دولي صامت بعجز القوى الكبرى عن هزيمتهم عسكرياً”. واشنطن وتل أبيب وأبو ظبي ومصر تبحث عن طرق ملتوية لتحقيق ما عجزت عنه حاملات الطائرات والصواريخ الموجهة. لكن هذه الطرق ليست أكثر أماناً أو نجاحاً. فالقواعد في إريتريا قد تتعرض لهجمات، والوجود في أرض الصومال قد يتحول إلى مستنقع جديد، والضغط على إثيوبيا قد ينقلب إلى حرب إقليمية واسعة، والرهان على مصر كوسيط قد يفشل إذا تغيرت الأولويات الأمريكية.

أنصار الله “الحوثيون”، من جهتهم، لا يحتاجون إلى جيش نظامي لمواجهة هذه التحركات. هم يمتلكون ما هو أقوى: القدرة على الصمود، والمرونة التكتيكية، والشرعية الأخلاقية في نصرة غزة، والجغرافيا الوعرة التي جعلت من اليمن مقبرة للغزاة عبر التاريخ. كما أنهم يمتلكون حليفاً استراتيجياً في إيران، حتى لو كانت العلاقة معقدة، وحليفاً آخر في “محور المقاومة” الممتد من لبنان إلى العراق. الأهم أنهم يمتلكون سلاحاً لا يمكن ردعه: شعب يرى في معركة البحر الأحمر جزءاً من معركة أمته الكبرى ضد الهيمنة والصهيونية.

في النهاية، ما يجري هو “حرب استنزاف” طويلة المدى، الطرف الأكثر قدرة على تحملها هو الذي سيفوز. والأطراف الغربية والإقليمية المعادية لليمن تعاني من “عيب بنيوي”: ديمقراطياتها ونظمها لا تستطيع تحمل خسائر طويلة الأمد، بينما القوات اليمنية بنيت على ثقافة الصبر والتضحية. البحر الأحمر لن يهدأ، لأن القوى الكبرى لم تفهم بعد درساً بسيطاً: بأن معركة البحر الأحمر هي معركة إرادات قبل أن تكون معركة أسلحة، والإرادة اليمنية أثبتت أنها الأقوى.

 

*المصدر/ عرب جورنال 

قد يعجبك ايضا