إيران انتصرت.. وماذا عن الآخرين؟
وما يسطرون – المساء برس ..حسني محلي|
لنبدأ بالأهداف التي أعلن عنها ترامب ليس فقط في بدايات العدوان بل خلال التظاهرات التي شهدتها إيران خلال شهري كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير الماضيين حيث ناشد ومعه ابن الشاه المخلوع، الشعب الإيراني للتمرّد على “نظام الملالي” بعد أن هدّد وتوعّد طهران وأكثر من مرة بالقضاء على برنامجها النووي وصواريخها البالستية معبّراّ عن نيّته الخبيثة للسيطرة على النفط والغاز الإيراني “كما فعل ذلك مع فنزويلا” وعلى حدّ قوله.
ولم يكتفِ المجنون ترامب بهذه التهديدات بل قال سبع مرات خلال أربعين يوماً من العدوان إنه سيسيطر على مضيق هرمز،ـ لينتهي به المطاف “بتدمير الحضارة الإيرانية وإعادة إيران إلى العصرالحجري”. ومن دون أن يذكّره أحد أنّ عمر الحضارة الإيرانية بمختلف مراحلها ليس أقلّ من سبعة الآف سنة مقابل 250 عاماً من عمر الولايات المتحدة الأميركية التي تأسست على يد الآلاف من حثالات ولقطاء القارة الأوروبية الذين قتلوا الملايين من الهنود الحمر أصحاب الأرض الحقيقيين، واستعبدوا الملايين من الأفارقة وقتلوا بعضهم البعض في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب لينتهي بهم المطاف بالعدوان على العديد من دول أميركا اللاتينية وباقي دول العالم التي تعرّضت لكلّ أنواع التآمر والتدخّلات المباشرة وغير المباشرة.
ولم يكتفِ هؤلاء بكلّ ذلك فأنشأوا في فلسطين كياناً مماثلاً لكيانهم الأجرامي بعد أن جمعوا ما يكفيهم من اللقطاء من يهود العالم واتفقوا وإياهم على تدمير العالم، ولكن قبل ذلك العالمين العربي والإسلامي، وهو ما لم يخفِه الثنائي ترامب – نتنياهو خلال عدوانهما الأخير على إيران ولبنان باعتبار أنهما خط الدفاع الأول والأخير عن كلّ العرب والمسلمين سنة كانوا أو شيعة بل وحتى مسيحيين.
ويفسّر ذلك حجم العدوان الهمجي على هذين البلدين اللذين قدّما ومعهما شعبا اليمن والعراق الأبيين الكثير من التضحيات للدفاع عن شرف وكرامة الأمة بكلّ مكوّناتها الدينية والمذهبية والقومية.
وهو ما كان كافياً لإجبار ترامب على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع ايران على الرغم من كلّ تهديداته التي أطلقها قبل وبعد العدوان الذي أثبت فشله رغم الدمار الذي ألحقه بهذا البلد المسلم، حيث تآمر العديد من الحكّام العرب والمسلمين ضدّه.
وجاء إعلان ترامب بوقف العمليات الحربية لمدة أسبوعين والعودة إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد كاعتراف بفشله وفشل حليفه المجرم نتنياهو في تحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة في إيران وعبرها في المنطقة عموماً، وأهمّها فرض السيطرة الصهيونية على المنطقة وعلى طريق إقامة “الدولة” العبرية من النيل إلى الفرات وهو ما بات مستحيلاً بعد الآن وإلى الأبد.
وعودة للأهداف التي أعلنها ترامب فقد فشل العدوان في تغيير النظام الإيراني، كما فشل ترامب وشريكه نتنياهو في رهانهما على الداخل الإيراني الذي صدم العالم بتماسكه ووحدته ودفاعه المستميت عن وطنه وعقيدته وثقافته الدينية والأخلاقية أسوة وقدوة بالإمامين الشهيدين الحسن والحسين ومن معهما في كربلاء وما بعدها.
ولم يكن فشل ترامب مقصوراً على هذا فقط فقد فشل في السيطرة على مضيق هرمز والنفط الإيراني والقضاء على البرنامج النووي وبرنامج الأسلحة الباليستية التي لقّنته ولقّنت الكيان العبري ومن معهما من عملاء المنطقة من العرب والمسلمين ما يكفيهم من الدروس بعد أن وصلت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية إلى العمق الصهيوني والقواعد الأميركية وحاملات الطائرات وأسقطت “فخر” الصناعة الأميركية من طائرات أف 35 وباقي طرازاتها المتطوّرة جداً”، وبعد أن فشل ترامب في حماية راداراته الأكثر تطوّراً في العالم.
وفشل ترامب أيضاً في حشد حلفائه الغربيين التقليديين بل وحتى الحكّام العرب ضدّ إيران، وبعد أن شهد الشارع العربي والإسلامي بل وحتى الدولي تضامناً عاطفياً وعملياً عظيماً مع صمود إيران ضدّ الغزو الصهيو- أميركي، خاصة بعد أن أثبتت طهران ومعها المقاومة الإسلامية في لبنان واليمن والعراق بأنها تستطيع أن تواجه الكيان العبري بل وحتّى إزالته من الخارطة لولا الدعم الأميركي وتواطؤ الأنظمة العربية والإسلامية معها.
كما فشل ترامب في عزل إيران دولياً بعد أن خسر جمهوره في الداخل الأميركي الذي بات يكره الكيان العبري واليهود عموماً وبنسب عالية جداً، وللمرة الأولى في التاريخ الأميركي يشهد استقالة عدد كبير من جنرالاته زمن الحرب.
وهو ما يعني الاعتراف المسبق بالهزيمة التي منعت واشنطن من القيام بأيّ عمل بري ضدّ إيران بعد أن ألحق مقاتلو حزب الله خسائر فادحة بـ “جيش” العدو الصهيوني خلال عملياته في الجنوب اللبناني.
كما فشل الكيان العبري ومعه ترامب أيضاً في القضاء على حزب الله وترسيخ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يريد له ترامب أن يكون تحت الوصاية الصهيونية وفق ما يسمّى بالاتفاقيات الإبراهيمية التي تحمّس لها العديد من الحكّام العرب المعروفين بتواطئهم مع الكيان العبري وأسياده في الغرب الإمبريالي.
وبالتذكير بتصريحات الرئيس الروسي السابق مدفيديف الذي قال “إنّ قبول ترامب بوقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات بحدّ ذاته يعتبر انتصاراً لإيران”، فقد اقتنع العالم برمّته أنّ ترامب بجنونه وسلوكه الفردي الأناني المتغطرس سيدمّر اقتصاديات العالم برمّته بسبب ارتفاع أسعار البترول والغاز ومشتقاتهما الضرورية للعديد من الصناعات المهمّة، أهمّها الأسمدة ومن دونها سيعيش العالم أزمة غذاء خطيرة .
وفي جميع الحالات وأياّ كانت النتائج المحتملة لمباحثات إسلام آباد مع استمرار تهديدات ترامب التي اعتاد عليها الجميع وبشكل خاصّ قادة إيران الذين هدّدوا وتوعّدوا بدورهم بالانسحاب من المفاوضات ردّاً على العدوان الصهيوني على لبنان والعاصمة بيروت بشكل خاصّ، يبقى الرهان على موقف الحكّام العرب الذين اكتفوا ومعهم الرئيس جوزاف عون ونواف سلام فقط باستنكار العدوان الهمجي على لبنان.
إذ يعرف الجميع أنّ المجرم نتنياهو سيستنفر كلّ إمكانياته لعرقلة الاتفاق الايراني – الأميركي إيماناً منه بأنّ مثل هذا الاتفاق سيتحوّل إلى انتصار لإيران وحلفائها في المنطقة التي باتت تؤمن بأنّ أيّ قوة حقيقية ومخلصة تستطيع القضاء على الكيان العبري، وبات مواطنوه من اليهود الذين يعيشون في الملاجئ منذ شهر، يؤمنون بأنّ نهايتهم لن تكون بعيدة بعد أن طالتهم صواريخ المقاومة والصواريخ الإيرانية.
وهم الذين كانوا يؤمنون أنّ “جيشهم” وجيش حليفهم الاستراتيجي أميركا لا يقهر، إلا أنهما فشلا في إلحاق الهزيمة بإيران وحزب الله وأنصار الله ومن معهم من شرفاء المنطقة والعالم.
ومن دون أن تستخلص الأنظمة العربية والإسلامية ما يكفيها من الدروس من انتصار إيران وحلفائها، وكذلك تآمروا عليها منذ الثورة الاسلامية التي لولا تبنّيها منذ اليوم الأول للقضية الفلسطينية لكانت الأنظمة المذكورة الآن عبيداً للكيان العبري وسيّده الأميركي الذي أهان واستحقر هذه الأنظمة أكثر من مرّة في السرّ والعلن طالما أنّ حكّامها جبناء.
وإلا لكان عليهم جميعاً أن يفتخروا ويعتزوا بانتصار إيران المسلمة وصمود حزب الله، وكلاهما قدّما الكثير من التضحيات العظام من أجل القضية الفلسطينية وشرف وكرامة كلّ دول وشعوب المنطقة.
ومع أنه احتمال ضعيف يبقى لنا أمل ونتمنّى أن يكون قوياً بأن يستخلص هؤلاء الحكّام وللمرة الأخيرة ما يكفيهم من الدروس والوعظ من تجربة الأربعين يوماً الأخيرة، بعد أن أثبت المجنون ترامب أنه لا يحترمهم ولن يحترمهم أبداً و إلا لم دمّر بلدانهم وتركها لقمة صائغة للكيان العبري الذي لولا إيران لكان المجرم نتنياهو يصول ويجول في قصورهم.
وأثبتت التجربة الأخيرة أنها لن تحميهم ليس فقط من الكيان العبري بل من شعوبهم التي راحت ضحية لسياسات الغدر والعدوان وباتت تعي الآن أنّ عدوها الحقيقي ليس إيران وحلفاءها الذين دمّروا الكيان العبري بل هو كلّ من يقف إلى جانب هذا الكيان في السرّ والعلن.
الكيان العبري هو السبب الحقيقي والوحيد لكلّ مشكلات المنطقة بكلّ شعوبها من العرب والكرد والترك والفرس سنة كانوا أو شيعة أو دروزاً وعلويين، بل كلّ المسيحيين بمختلف مذاهبهم وأطيافهم. ونجح الغرب دائماً في استعداء بعضها للبعض، وحان الآوان لها جميعاً أن تثبت للقاصي والداني أنها على مستوى المسؤولية التاريخية لمواجهة العدو المشترك، وبالتالي للعيش معاً بشرف وكرامة وعزّ وإباء وعلى أن تكون البداية في لبنان العظيم.
المصدر: “الميادين نت”