طهران تفرض شروطها على واشنطن.. أربعون يوماً من الحرب أنهت أربعين عاماً من الحصار

ومايسطرون _ كامل المعمري|

أربعون يوم من الحرب بين ايران من جهة والعدو الامريكي والصهيونية من جهة أخرى يبدو انها ستنهي أربعين عاما من الحصار وستخرج إيران قوة لا يمكن تجاوزها في المنطقة، وستفضي إلى طرد القواعد العسكرية الأمريكية من المنطقة.

وذلك بعد أن وافقت واشنطن على الجلوس على طاولة المفاوضات ووقف الحرب ومناقشة الشروط الايرانية.

ما بدأ كحملة عسكرية شرسة راهنت عليها الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب لكسر شوكة الجمهورية الإسلامية وإخضاعها لشروط الاستسلام، انتهى بإعلان البيت الأبيض قبوله التفاوض وفق خطة إيرانية من عشر نقاط تم نقلها عبر وساطة باكستانية.

فمنذ اليوم الأول للعدوان، وضعت واشنطن وتل أبيب قائمة أهداف معلنة وأخرى مضمرة، تصدرتها محاولة تدمير البنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية، وزعزعة استقرار النظام الحاكم في طهران تمهيداً لتغييره، وإعادة فرض الهيمنة المطلقة على الممرات المائية في الخليج. لكن مع انقضاء الأربعين يوماً، لم تتحقق أي من هذه الأهداف، على العكس تماماً، خرجت الحكومة الإيرانية من هذه المحنة أكثر استقراراً وتماسكاً مما كانت عليه قبل الحرب. 

فبدلاً من أن تؤدي الضربات الجوية والصاروخية إلى تفكك الجبهة الداخلية، أذكت مشاعر الوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة. تغيير النظام، الذي كان حلماً يراود دوائر المحافظين الجدد في واشنطن لعقود، أصبح اليوم مستبعداً تماماً، بل وتحول إلى سراب سياسي بعد أن أثبتت المؤسسة الحاكمة في إيران قدرتها على الصمود وإدارة الحرب بكفاءة عالية.

ولكي نعرف من هو المنتصر في هذه الحرب يجب ان نعرف أنه وفي اللحظة التي رفضت فيها إيران وقف الحرب للمرة الرابعة على التوالي، كان الجميع تقريباً، بمن فيهم كبار المحللين العسكريين في العواصم الغربية، يعتقدون أننا أمام عناد أيديولوجي فارغ أو ما يمكن تسميته بـ”المكابرة الشرقية”. لكن.. ما الذي كانت ترفضه طهران بالضبط؟ لم تكن ترفض السلام، وانما كانت ترفض شكلاً من أشكال إنهاء المعركة لا يختلف في جوهره عن الاستسلام. 

لقد خرجت إيران من تحت الرماد لتعلن أن المعركة انتهت بشروطها هي، لا بشروط من اعتدى عليه والرجل الذي كان يصرخ قبل أسابيع قليلة بأن على إيران أن تستسلم دون قيد أو شرط، وجد نفسه فجأة يقبل الجلوس على طاولة نقلت شروطها باكستان، ويوافق على بنود لم يكن يظنها أحد قابلة للتفاوض قبل أن تشتعل النيران في سماء الخليج.

النقاط العشر التي تقدمت بها إيران وأعلن ترامب أنها “قابلة للتفاوض والتطبيق” كانت انعكاساً لحقيقة ميدانية فرضها الميدان وهذه الشروط هي : عدم التعرض لإيران مرة أخرى، وقف الضربات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، رفع جميع العقوبات الاقتصادية التي خنقت الإيرانيين لسنوات، إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإنهاء حالة العداء المفتوح في المنطقة. كل هذه البنود صيغت في طهران، وانتقلت عبر باكستان، ووصلت إلى واشنطن لتجد من يستقبلها مضطراً.

لكن البند الذي هز أركان المؤسسة السياسية والعسكرية في أمريكا كان ذلك المتعلق بمضيق هرمز. أن يُسمح لإيران وعُمان بفرض رسوم على مرور السفن في هذا الممر الحيوي، فهذا يعني شيئاً واحداً فقط: الاعتراف بأن المضيق لم يعد ممراً مائياً دولياً حراً بالمعنى الذي ساد لعقود، بل أصبح تحت سيطرة دولتين إحداهما هي إيران. وأن تذهب عوائد هذه الرسوم لإعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها القنابل الأمريكية والإسرائيلية، فهذه مفارقة لم تخطر ببال أكثر صقور واشنطن تشدداً. العالم سيدفع فاتورة إعادة بناء ما دمرته طائرات البنتاغون، بينما ستقف إيران تتفرج وتستلم الأموال.

في الداخل الأمريكي، المشهد كان أقرب إلى فوضى سياسية وأخلاقية. تصريحات السيناتور كريس مورفي لcnn بأن ترامب وافق على منح إيران السيطرة على مضيق هرمز وبرنامجها النووي، هي شهادة وفاة للاستراتيجية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية 

إن ما حدث يؤكد قاعدة بسيطة في العلاقات الدولية: القوى العظمى عندما تقرر خوض حرب ضد طرف أضعف عسكرياً، فإنها تقاتل لتحقيق مكاسب سياسية، بينما الطرف الأضعف يقاتل من أجل بقائه ذاته. هذا الفارق في الدافع يجعل من الصعب على القوة العظمى أن تنتصر ما لم تحسم المعركة بسرعة وبتكلفة منخفضة.

إيران قاتلت من أجل البقاء، وأثبتت أن بقاءها ممكن، وأن قدرتها على إيذاء من يعتدي عليها حقيقية وفاعلة. أمريكا، من جهتها، لم تستطع تحقيق أهدافها، بل وجدت نفسها تتراجع خطوة تلو الأخرى حتى وصلت إلى طاولة المفاوضات لتوقع على شروط من كانت تريد استسلامه.

النتيجة النهائية أصبحت واضحة إيران انتصرت في هذه الحرب… لقد خرجت من تحت الأنقاض وهي تمسك بأقوى أوراق اللعبة: المضيق، والصواريخ، والحاضنة الشعبية المتماسكة وتخصيب اليورانيوم.. أمريكا خرجت وقد فقدت أداة العقوبات الاقتصادية بعد أن اضطرت لرفعها، وفقدت مصداقيتها الأمنية أمام حلفائها في الخليج، وفقدت قبل كل شيء هيبتها كقوة عظمى قادرة على فرض إرادتها.

اليوم، وبينما يستعد العالم لمرحلة ما بعد هذه الحرب، هناك حقيقة واحدة لا تقبل الجدل وهي أن إيران فرضت نفسها كقوة لا غنى عنها في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة. وأي حديث عن إعادة بناء الشرق الأوسط أو تأمين ممرات الطاقة أو ضبط إيقاع الصراع الإقليمي، سيكون مضطراً للمرور عبر طهران، وليس واشنطن. هذا هو جوهر النصر الذي تحقق، وهذا هو الدرس الذي سيتذكره الجميع طويلاً.

لقد نجحت إيران في خفض سقف المطالب الأمريكية والإسرائيلية إلى الحضيض، بينما فرضت هي معادلات اشتباك جديدة تخصم من رصيد الكيان الإسرائيلي الاستراتيجي في محيطه. ففي اللحظة التي تسكت فيها صفارات الإنذار، تبدأ ورش التصنيع العسكري الإيرانية العمل دون محاذير، وهو ما أشارت إليه بقلق القناة الإسرائيلية “i24” عندما نقلت خشية تل أبيب من أن وقف الحرب يعني إطلاق يد طهران في تطوير ترسانتها الباليستية دون رادع. 

وبالتالي فإن السيناريو الذي تخشاه إسرائيل أكثر من استمرار القصف هو ذاته السيناريو الذي تعمل عليه الدبلوماسية الآن. فالتوقف عن القتال في هذا السياق المعقد هو تعزيز لدور ايران الإقليمي ومنح حزب الله في لبنان فرصة ذهبية لترميم قواه، بينما تخرج إسرائيل من هذه الجولة منزوعة الأشواك، محطمة جبهتها الداخلية المنهكة، ومثقلة بصدمة عسكرية فككت أوصال التحالف الذي بناه نتنياهو، وخفضت منسوب الحماسة الإسرائيلية للحروب لسنوات طويلة مقبلة.

 

*المصدر/ موقع عرب جورنال 

 

قد يعجبك ايضا