تحطيم الصنم الأمريكي

ومايسطرون… وائل قنديل _ المساء برس|

شهر مر على واحدة من معارك التاريخ، ولا يزال الإيرانيون يقدّمون درساً في الصمود أمام الهمجية المعتقة من عصور مظلمة، كما لا تزال المقاومة اللبنانية تنسج واحدةً من قصص الكفاح الأسطورية بمواجهة أكثر الكيانات الاستعمارية انحطاطًا ووضاعة وإجرامًا عبر كل العصور.

من كان يتصوّر أن دولة مثخنة باضطرابات داخلية هي الأعنف، وتظاهرات احتجاجية هي الأوسع، تبدع كل هذا الإبداع في صد عدوان أضخم امبراطورية عسكرية استخدمت فيه كل أسلحة الدمار الشامل، وتواجهه بكل هذه البسالة، من دون أن نسمع أن الشعب الذي كان يتظاهر بالملايين ضد النظام قرّر استثمار الفرصة، والاستجابة لدعوات الغزاة بالخروج لإسقاط حكومتهم تحت غطاءٍ من القصف الأميركي الصهيوني الذي لم يتوقّف؟.

مر الشهر الأول، وإيران التي فقدت نظاماً سياسيّاً وروحيّاً كاملًا منذ اليوم الأول للعدوان، تبهر العالم بقدرتها على إعادة إنتاج نظامها ليقدم أداءً سياسيّاً وعسكريّاً أقوى مما كان، فأي أمةٍ هذه التي تتعالى على جرحها وحزنها وتسمو فوق أزماتها الداخلية، وتقدّم للعالم ما يشبه الثورة الاستراتيجية الشاملة؟

هل ثمة مبالغة في القول إن إيران، بصمودها الأسطوري، أهدت العالم مشروع ثورة على الغطرسة الامبريالية وجنون القوة الأوحد المغرورة، ووحشية صعلوك الصفقات القذرة الذي وصل به الخطل إلى تنصيب نفسه ملكاً على العالم يأمر فيطاع، ومرجعية سياسية وروحية وأخلاقية الويل لمن يكفر بها أو يتمرّد عليها، ثم لا يتورع عن توزيع بذاءاته على حلفائه الداعمين؟

الإجابة تأتي من الداخل الأميركي، حيث واحدة من أضخم التظاهرات الشعبية في التاريخ تغطي مختلف المدن والولايات الأميركية بمسيراتٍ قوامها أكثر من 15 مليون شخص يصنعون أكثر من 3,300 تجمّع في سائر أنحاء الولايات المتحدة ضد دونالد ترامب، يهتفون”لا للملوك”، في أبلغ رسالة تحدٍّ لذلك المهووس بالتسلط على الكوكب، ورفضًا للعدوان الذي تشنه بلادهم على إيران، من أجل عيون بنيامين نتانياهو.

التظاهرات الرافضة للعدوان عمت العواصم الأوروبية، ووصلت تأثيراتها إلى حكومات القارّة العجوز التي استشعرت أن الوقت مناسب للتمرّد على بارانويا الرئيس الأميركي الذي لم يترك فرصة إلا ووجّه فيها إهانات للأوروبيين، فقرّرت هذه الحكومات الامتناع عن المشاركة في حربٍ عدوانيةٍ ليست حربهم.

والأهم قرّروا إعادة النظر فيما يمكن تسميتها التبعية الاستراتيجية للبيت الأبيض. هي لحظة استفاقة من أوهام القوة المطلقة التي تخبئ وضاعتها الأخلاقية ورغباتها المجنونة في الهيمنة على ثروات العالم داخل غلاف أيديولوجي فاسد، صنعه صقور” الصهيونية الإنجيلية” أقحموا فيه المسيحية ووظفوها لخدمة أجندة خاصة بمجموعة من اللصوص والقراصنة.

وهنا من الواجب الإشارة باحترام وتقدير إلى القس المصري داود لمعي الذي فكك في عظة له أكذوبة الدمج بين المسيحية الحقيقية والصهيونية، فأكد إن ما تعرف بالصهيونية المسيحية بدعة دخيلة على العقيدة المسيحية، وتتعارض مع كل ما تؤمن به الكنيسة الأرثوذكسية. وقال إن “من يعتبر اليهود شعباً مختاراً ليس مسيحياً”.

سوف تنتهي هذه الجولة من الحرب يقيناً، ومهما كانت نتيجتها سيأتي يوم على العالم، ليكتشف أنه مدين بالشكر للأمة الإيرانية على دورها في تحطيم أضخم أصنام السياسة الدولية وإسقاط الأوهام والأكاذيب المرتبطة به، تماماً كما وجدت البشرية نفسها مدينة بالامتنان إلى طوفان الكفاح الفلسطيني الذي صنع ثورة أخلاقية أعادت تأهيل الضمير العالمي، وحرّرت وعي الجماهير من أكاذيب السردية الصهيونية التي كانت قد اتخذت صفة القداسة المعرفية على ما فيها من فسادٍ وانحطاط.

 

*من صفحة الكاتب على منصة إكس

قد يعجبك ايضا