إيران أم الصهاينة والحلف الاطلسي؟

ومايسطرون _ أنس القاضي |

التناقض الرئيسي لبلدان وشعوب المنطقة ليس مع إيران، وإن وُجد معها تناقض ثانوي وتعارض في السياسات بوصفها دولةً إقليميةً تسعى إلى توسيع نفوذها، شأنها في ذلك شأن غيرها من دول المنطقة التي لها تدخلات في محيطها، هذه التناقضات مع إيران أو تركيا أو غيرها من دول المنطقة هي تناقضات ثانوية يمكن إيجاد حلول لها.

أما التناقض الرئيسي فهو بين دول المنطقة العربية – بوصفها دولَ أطراف ومستعمراتٍ جديدة تابعة للنظام الرأسمالي العالمي – وبين المركز الغربي المهيمن.

الولايات المتحدة ودول أوروبا بقواعدها وحليفها الصهيوني في المنطقة هي الطرف الذي بيننا وبينه تناقضٌ رئيسي، وبموجبه نحدد مواقفنا من الحروب والتحالفات.

هذا التناقض مع الإمبريالية والصهيونية هو أساس كل حروب المنطقة منذ القرن التاسع عشر. فمع بداية الاستعمار القديم، كان الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، ثم اتفاقيتا سايكس-بيكو ووعد بلفور عامي 1916 و1917، لتتوالى بعدها مراحل الاستعمار والهيمنة، للغرب الأوروبي والصهيوني ١٩٤٨م، ثم الأمريكي لاحقا، كلن لهذه القوى تاريخيا علاقة باستعمار وحروب المنطقة، وهذا التناقض موجود منذ كانت إيران ملكية وحليفة للغرب حتى ثورة الخميني وصولا إلى اليوم.

ما الذي قامت به إيران لتظهر بالصورة التي تُقدم بها بوصفها خطرا على العرب؟

لقد قامت بدعم الدول التي هي في حالة صراع مع الكيان أو حلفاء أمريكا – وهو ما كانت تقوم به مصر في عهد جمال عبد الناصر – وهكذا يظهر اليوم وكأن التناقض بين إيران والغرب، فيما دول المنطقة خارج هذا الصراع، أو يظهر وكأنه تناقض بين إيران ودول المنطقة، فيما الغرب وإسرائيل أصدقاء لدول المنطقة!

ولكون إيران تجعل الأولوية لدعم القوى الشيعية في المنطقة – مع أنها تدعم فلسطين وليس بها شيعة – هذا الدعم الذي له طابع مذهبي، تم تأجيج الخطاب الوهابي حوله، فخلق أزمة طائفية وزاد الطين بلة، وتفشى الفيروس الطائفي بعد غزو امريكا للعراق ٢٠٠٣م.

التناقض الرئيسي هو بين المراكز الغربية وبين دول الأطراف.

دول مثل: مصر بعد ثورة 1952 في عهد عبد الناصر، والجزائر المستقلة عام 1962 في عهد بومدين، وليبيا قبل حرب الناتو عام 2011 في عهد القذافي، واليمن الجنوبي قبل حرب 1994، وسوريا قبل الحرب التي اندلعت عام 2011 في عهد حافظ الأسد، وإثيوبيا في عهد نظام منجستو، وحاليا إيران منذ قيام الجمهورية عام 1979. مختلف هذه الدول حاولت أن تتبنى سياسة وطنية مستقلة، وتتعامل مع الغرب الرأسمالي بقدر من الندية لا التبعية وكانت ضمن تكتل محور عدم الانحياز، ودعمت القضية الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني حليف الغرب في المنطقة.

ولهذا كان مصيرها: تغيير النظام والسياسات، وإعادة التبعية مع بقاء الدولة كما حدث مع مصر بعد كامب ديفيد 1979، والجزائر بعد حرب التسعينيات التي أضعفت الدولة، أو إسقاط الأنظمة والدول وتدمير بنيتها التحتية المدنية والعسكرية كما حدث مع ليبيا وسوريا واليمن، التي جرى تدميرها بتدخلات مباشرة وغير مباشرة من قبل أمريكا وإسرائيل، وأصبحت أنظمتها تابعة حاليًا.

وفي كل هذه الحروب، كانت دول الخليج خصوصا السعودية – باعتبارها جزءا من التحالف الغربي منذ الخمسينيات – تدعم التخريب الاستعماري الغربي ماليًا، وعبر دعم الوهابية والإخوان ضد اليسار والقوميين، وفي وقت لاحق بدعم جماعات مسلحة إرهابية قاتلت على الأرض، وفجّرت ودمّرت.

إيران دولة من دول المنطقة – دول الأطراف – تتعرض لعدوان سبقه حصار، ويجري استهداف قياداتها وعقولها العلمية، كما جرى مع بقية الأنظمة الوطنية المستقلة.

فقد سبق أن تعرضت إيران لانقلاب عام 1953 المدبر من المخابرات الأمريكية والبريطانية لإسقاط حكومة مصدق الوطنية، ثم لحربٍ مدمرة شنها صدام حسين بدعم غربي وخليجي بين عامي 1980 و1988، وبعد الثورة وُضعت تحت الحصار والعقوبات، وصولا إلى الحرب الراهنة التي تندرج في سياسة منهجية تستهدف أي دولة تخرج عن التبعية.

تناقضاتنا مع إيران مثل تناقضاتنا مع تركيا أو إثيوبيا، ومثل تناقضات دول الخليج فيما بينها، ودول أفريقيا فيما بينها؛ تناقضات ثانوية يمكن حلها ويجب حلها، ولا بد من عيش مشترك وتنافس شريف بين الدول، وتبادل منافع وتكتلات بدلًا من الصدامات.

وهذا الحل لا يمكن أن يتم مع المعسكر الغربي الصهيوني؛ لأن وجودهم وتواجدهم أصلًا معادٍ وغريب، ولأن طبيعته الإمبريالية تجعل من علاقته مع دول المنطقة علاقة تناقض وتناحر، لا تنافس ولا تعاون، وتاريخ الإمبريالية والصهيونية في منطقتنا معروف: من الاستعمار القديم إلى الاحتلال للأرض حتى الحروب الحديثة، ومن دعم الأنظمة العميلة إلى تدمير الدول المستقلة، يبقى الصراع الرئيسي قائما بين المركز الغربي ودول الأطراف التي ترفض التبعية، وإيران ترفض التبعية.

….

*المصدر/ صفحة الكاتب على منصة إكس

قد يعجبك ايضا