ترسانة حزب الله المُطورة: “العمى التقني” والقيادة اللامركزية

وما يسطرون – المساء برس|

جمال شعيب (صحف عبرية، رويترز)
تؤكد المصادر والتقديرات العبرية والغربية أن حزب الله، رغم الضربات القاسية التي تلقاها، لا يزال يمتلك قدرات عسكرية فعّالة وقدرة مستمرة على تنفيذ إطلاقات صاروخية بعيدة المدى نحو عمق الكيان الإسرائيلي. ففي ظل حصار جغرافي وتحديات لوجستية تمثلت في انقطاع “الجسر البري” السوري بعد سقوط النظام في دمشق في ديسمبر 2024 ، أثبت الحزب قدرة عالية على “الترميم الذاتي” والتكيف مع واقع ميداني معقد.

التحول نحو “حرب العصابات المُطورة”
انتقل حزب الله من نموذج التشكيلات العسكرية شبه النظامية إلى نموذج “حرب العصابات المتطورة”. هذا التحول الاستراتيجي فرضته ضرورة البقاء والاكتفاء الذاتي الميداني، وتعتمد هذه المدرسة القتالية على عدة ركائز:

الوحدات الصغيرة: العمل ضمن خلايا قتالية متنقلة تضم (3-5 أفراد) لتعقيد مهام ضد الجيش الإسرائيلي بهدف تحقيق حسم سريع.
تسطيح الهرم القيادي: اعتماد آلية “النواب الأربعة” لكل قائد لضمان استمرارية العمليات وانتقال السلطة آلياً في حال الاغتيال.
الزمن التناظري: التخلي المتعمد عن التقنيات الرقمية والعودة لوسائل اتصال بدائية لفرض “عمى تقني” يربك أنظمة الاستخبارات الإشارية الإسرائيلية.
الانضباط الناري: الاقتصاد في استخدام الموارد، لا سيما الصواريخ المضادة للدبابات، لضمان عدم إطلاق النار إلا في ظروف تحقق “القتل المؤكد”.

الترسانة غير المتناظرة: اختراق الدرع التقني
استغل الحزب تشتت الموارد العسكرية الإسرائيلية، حيث كشفت المعطيات عن توجيه 80% من الغارات نحو إيران و20% فقط للجبهة اللبنانية. هذا التوزيع منح الحزب مساحة لإعادة تنظيم وحداته النوعية:
سلاح المسيرات (الوحدة 127): استعادت نشاطها بأسلوب “التجميع والإطلاق السريع” من البساتين والمنازل، مما أدى لانخفاض معدلات الكشف الراداري الإسرائيلي.
منظومة “ألماس-3”: سلاح كاسر للتوازن بمدى 16 كم وقدرة “إطلاق ونسيان” خلف السواتر، مما يحيد التفوق المدرع الإسرائيلي.
صواريخ “فاتح-110”: صواريخ دقيقة تستهدف المنشآت الحساسة والعمق الاستراتيجي، لتحويل الضغط العسكري إلى ضغط سياسي واقتصادي.

وقائع الميدان: “جيوب القتل” وحرب العمق
تعكس الوقائع الميدانية ليوم الاثنين 9 مارس 2026 نجاعة هذا التكيف؛ فقد نفذت المقاومة 24 عملية عسكرية شملت الاشتباك من مسافة صفر وضربات بعمق 160 كلم.
إحباط الإنزال الجوي: في إخفاق استخباراتي إسرائيلي مدوٍ، تم رصد واشتباك مع 15 مروحية معادية حاولت تنفيذ إنزال في “سهل سرغايا” بالبقاع، مما أفشل العملية بالكامل.
صناعة جيوب القتل: استدراج القوات الإسرائيلية المتقدمة في “خلّة المحافر” بالعديسة وضربها بالمدفعية والأسلحة الرشاشة، مما أجبرها على التراجع.
استهداف العمق الاستراتيجي: تم توجيه ضربات لمركز شعبة الاتصالات والدفاع السيبراني في “وادي إيلا” (عمق 160 كلم)، وقاعدة الرملة جنوب شرق تل أبيب (عمق 135 كلم).

الاستنزاف: معادلة الضغط النفسي والاقتصادي
يعيش نحو 1.3 مليون إسرائيلي في الشمال تحت تهديد مستمر، حيث تضطرهم الرشقات الصاروخية للتوجه المتكرر للملاجئ. وتؤكد التقديرات الإسرائيلية أن هذا القصف المستمر يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بشكل مباشر، حيث تم تسجيل أكثر من 30 هجوماً يومياً يهدف إلى “لجم العدو” ومنع عودة المستوطنين.
الخلاصة الاستراتيجية: تخلص التقديرات الأمنية الإسرائيلية إلى صعوبة تفكيك هذا الهيكل اللامركزي عبر الضربات الجوية وحدها. ويرى المحللون أن أي محاولة لاحتلال مناطق واسعة في الجنوب ستؤدي إلى تكرار تجربة “غزة” ولكن في تضاريس أكثر تعقيداً، مما يكرس واقع “ساحة القتال الرئيسية” ويستنزف الموارد الإسرائيلية الموزعة بين جبهات متعددة.

قد يعجبك ايضا