تقرير أمريكي يكشف تصدعًا غير مسبوق بين السعودية والإمارات ويصفه بـ”الخلاف الهائل”

متابعات _ المساء برس|

نشر محرر الشؤون الأمنية في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، ديفيد اغناشيوس، تقريراً مطولاً أكد فيه بأن

منطقة الشرق الأوسط تشهد تصعيدًا خطيرًا في الخلاف بين السعودية والإمارات، في وقتٍ بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، وسط تحذيرات من أن هذا النزاع قد يهدد استقرار المنطقة ويدفعها نحو مزيد من الاستقطاب.

وبحسب المقال، حاولت السعودية إقناع حكومات الأردن وسوريا وكازاخستان بمقاطعة قمة الحكومات التي عُقدت في الإمارات الأسبوع الماضي، وهي القمة التي أطلقتها أبوظبي عام 2013 كمنتدى إقليمي للحوار والتعاون.

كما يشير التقرير إلى أن الرياض تشجع حملات إعلامية تُظهر الإمارات على أنها “شيطان العرب” وتتهمها باللعب بالنار، في تصعيد غير مسبوق على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي بين البلدين.

ويذكر المقال أنه كان ينبغي للسعودية والإمارات، بوصفهما المحرّكين الرئيسيين لعملية التحديث في الشرق الأوسط، أن تحتفلا معًا في هذه المرحلة، حيث تبدو إيران ضعيفة، ووكلاؤها في تراجع، فيما يقترب أسطول أميركي ضخم من الخليج، إلا أن ما حدث كان العكس، إذ انزلقت الدولتان إلى خلاف هائل.

وبدأ الخلاف في أواخر ديسمبر كخلاف حول الاستراتيجية المناسبة لإنهاء الحرب المستمرة في اليمن، لكنه سرعان ما تصاعد إلى معركة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث هاجم سعوديون الإمارات بوصفها “حصان طروادة الإسرائيلي”، ونددوا باتفاقات اتفاقات إبراهيم التي انضمت إليها الإمارات عام 2020، واصفين إياها بأنها “تحالف سياسي عسكري يرتدي عباءة الدين”.

ويعتقد مسؤولون إماراتيون أن السعوديين يشنّون حملة تحريض متعمّدة تتمحور حول علاقة الإمارات بإسرائيل.

ووفق بحث إعلامي شاركه مسؤول عربي مع الكاتب، فإن 77 في المئة من التعليقات السعودية بعد قصف الرياض لقوات شريكة للإمارات في اليمن في 30 ديسمبر، هاجمت الإمارات بوصفها “وكيلًا لإسرائيل ينفّذ خططًا صهيونية لتقسيم الدول العربية”.

كما كشف تحليل ثانٍ أجرته شركة “أوربيس أوبريشنز” للاستشارات الأمنية أن مؤثرين سعوديين سعوا زورًا إلى ربط زعيم إماراتي بالمجرم الجنسي جيفري إبستين، إضافة إلى مزاعم بأن الإمارات تموّل حملة معادية للإسلام في أوروبا وتمثل امتدادًا للسياسة الإسرائيلية.

وأشار الكاتب إلى أنه اطّلع على نسخة من التقرير الذي لم يُنشر للعموم.

ويُظهر الخلاف، بالنسبة لإدارة دونالد ترامب التي تربطها علاقات وثيقة بالبلدين، صعوبة التعامل مع قوتين إقليميتين عنيدتين في آن واحد.

ويُقال إن الإدارة عرضت التوسط، إلا أن الجانبين رفضا الوساطة، وفقًا لمسؤولين مطلعين، وسط مشاعر شخصية عميقة باتت تعيق المصالحة.

وقال أحد المسؤولين: “هذا ليس أمرًا يُقبل فيه التوسط”.

ويكتسب النزاع أهمية إضافية لأن ترامب راهن بقوة على البلدين في مساعيه لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهو بحاجة إلى دعم خليجي موحد في ظل تهديده بعمل عسكري ضد إيران، ومحاولته نزع سلاح حماس في غزة، وسعيه لتعزيز علاقات إسرائيل مع سوريا ولبنان.

وقال جون غانون، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، إن “السعوديين يريدون الطاعة، أو على الأقل التوافق مع سياساتهم الإقليمية، أما الإماراتيون فلا يريدون الطاعة بل يريدون حرية الاختيار”.

ويعود التوتر إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، المعروفين اختصارًا بـ”MBS” و”MBZ”. فقد قدّم الزعيم الإماراتي توجيهات لولي العهد السعودي خلال عامي 2015 و2016 حول كيفية تحديث المملكة المحافظة، ويشبّه أصدقاء الرجلين العلاقة بينهما بعلاقة أب بابنه أو أخ أكبر بأخ أصغر.

غير أن هذه العلاقة تغيّرت مع ترسيخ محمد بن سلمان سلطته، إذ بدأ يضيق ذرعًا بما اعتبره وصاية إماراتية، ولم يعد يرغب في تلقي الإرشاد من دولة أصغر وأقل قوة، فيما لم يعد الإماراتيون يريدون تلقي الأوامر من قوة إقليمية مهيمنة في الرياض.

وكحال العديد من الخلافات العائلية، اختلط المال بالسلطة، وارتبط الأمر على مستوى أعمق بالغيرة والضغينة.

تباعدت السياسات السعودية والإماراتية تدريجيًا؛ فقد توحّد البلدان عام 2016 في قتال “الحوثيين” في اليمن، لكن بعد ثلاث سنوات بدأت الإمارات بالتحالف مع قوى جنوبية تتبنى استراتيجية شبه انفصالية.

كما دعم الطرفان جهات مختلفة في الحرب الأهلية المدمرة في السودان، واختلفت أجنداتهما في سوريا وليبيا والصومال، وغالبًا ما كان الاعتراض الإماراتي يتمثل في أن السعوديين متحالفون مع قوى إسلامية قد تزعزع استقرار المنطقة.

وكانت زيارة محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض في نوفمبر نقطة اشتعال إضافية؛ إذ يقول السعوديون إن ولي العهد طلب من ترامب فرض عقوبات على ميليشيا سودانية مدعومة من الإمارات تُعرف باسم قوات الدعم السريع، بينما يعتقد المسؤولون الإماراتيون أن ابن سلمان سعى لفرض عقوبات على الإمارات نفسها.

ورغم النفي السعودي، تدهورت الأوضاع بسرعة، ففي أوائل ديسمبر، شنّت قوات مدعومة من الإمارات هجومًا في حضرموت جنوب اليمن، وبعد عدة أسابيع قصفت السعودية أكثر من 80 مركبة وسلاحًا تم تسليمها لحلفاء الإمارات، وطالبت الإماراتيين بالانسحاب من اليمن، وهو ما حدث بالفعل.

وأفاد مسؤولون من الجانبين بأنهم شعروا بأنهم “تعرّضوا لطعنة في الظهر”.

ونشر علي الشهابي، مستشار ولي العهد السعودي، تعليقًا في الأول من يناير عبّر فيه عن إحباط سعودي، مشيرًا إلى “اختلال هيكلي” في الفجوة بين السعودية القوية ومنافسيها الأصغر حجمًا، مضيفًا: “مع ازدياد ثروات هذه الدول الصغيرة، غالبًا ما تبدأ بالعمل في وهم أنها شركاء متساوون مع المملكة”، وهو ما أثار غضبًا إماراتيًا.

ومن الأمثلة على تصاعد التوتر مشروع “ممر الشرق الأوسط” الذي يربط الهند بإسرائيل وأوروبا، فقد أظهرت خريطة أصلية عام 2023 أن مسار السكة الحديد يبدأ من جبل علي في الإمارات مرورًا بالسعودية، إلا أن كاتبًا مؤيدًا للإمارات نشر مؤخرًا ما قال إنها خطة سعودية جديدة لبدء الخط من عُمان وتجاوز الإمارات.

كما انعكس الخلاف على السياسة الأميركية في مارس الماضي، حين شنّت إدارة ترامب هجومًا على “الحوثيين” الذين كانوا يهاجمون سفن البحر الأحمر، ووفق مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى، اتصل ترامب بمسؤول إماراتي كبير وطلب المساعدة في “القضاء” على “الحوثيين”، فأبدى استعدادًا لإرسال ألفي جندي فورًا وخمسة آلاف لاحقًا، لكنه اشترط تعهدًا سعوديًا بعدم دعم ميليشيا الإصلاح اليمنية، غير أن السعوديين – بحسب المصدر – لم يفوا بهذا الوعد، فلم تُشنّ الحملة، واستمر التراشق الكلامي بين الطرفين.

ويختتم المقال بالإشارة إلى أن الشرق الأوسط يشهد، كما هو الحال في أنحاء أخرى من العالم، نزاعات عائلية متكررة، غير أن المقلق في هذا الخلاف تحديدًا هو تصاعد الهجمات على الإمارات بسبب انفتاحها على” إسرائيل”، في وقت لا يوجد فيه بلد أكثر حرصًا من السعودية على وقف انتشار التطرف الإسلامي.

ويرى الكاتب أن المملكة، في تشجيعها الظاهر للهجمات السعودية اللاذعة التي تصف الإمارات بأنها “شيطان العرب” الذي يتلقى الأوامر من “إسرائيل”، إنما تلعب بالنار في لحظة إقليمية دقيقة قد تكون لها تداعيات واسعة على مستقبل المنطقة.

 

قد يعجبك ايضا