تقرير بريطاني يكشف تصاعد الضغوط الاقتصادية داخل السعودية
متابعات _ المساء برس|
سلطت صحيفة “الإيكونوميست” البريطانية الضوء على الواقع الاقتصادي المترنح بين الطموح والواقع في المملكة العربية السعودية، مؤكدة أن المواطن السعودي بات يواجه “ضريبة باهظة” للتحول الاقتصادي السريع.
وأشارت الصحيفة البريطانية في تقرير لها، اليوم، إلى أن بريق ناطحات السحاب والمشاريع العملاقة لم ينجح في حجب الصعوبات المعيشية التي بدأت تتسلل إلى أدق تفاصيل حياة الأسر السعودية.
وبدأت الصحيفة تقريرها من قلب الرياض، حيث مشروع “المكعب” الذي كان من المفترض أن يتحدى قوانين الهندسة.
وأوضحت الصحيفة أن “قوانين الجاذبية المالية” كانت أسرع من آلات البناء؛ إذ أدى استمرار انخفاض أسعار النفط إلى تقليص الإنفاق الحكومي، ما أجبر المملكة على وقف العمل في “المكعب” وتهدئة وتيرة البناء في مدينة “ذا لاين” الصحراوية.
هذا التراجع لم يكن هندسياً فحسب، بل كان إشارة إلى أن “رأس المال الهائل” الذي التهمته هذه المشاريع لم يعد متاحاً كما كان في عام 2016.
وفي زاوية تحليلية بالأرقام، كشفت “الإيكونوميست” عن تآكل القوة الشرائية للمواطن، فرغم ارتفاع متوسط الراتب السعودي من 10,045 ريالاً إلى 11,197 ريالاً (زيادة بنسبة 11%)، إلا أن التضخم التراكمي التهم أكثر من 17% من قيمة هذه الرواتب، ما يعني أن السعوديين باتوا فعلياً “أفقر” ما كانوا عليه قبل انطلاق الرؤية رغم زيادة أرقام رواتبهم.
وتحدث التقرير عن الأعباء الضريبية حيث لم يعد المواطن يتمتع بالخدمات المجانية؛ فضريبة القيمة المضافة بنسبة 15%، ورفع الدعم عن الطاقة والمياه، وتحميل الموظفين سنوات عمل إضافية برفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، كلها عوامل شكلت ضغطاً هائلاً على ميزانية الأسرة.
وأوضح أن العقد الاجتماعي القديم، الذي كان يضمن وظيفة حكومية مريحة براتب جيد، قد انتهى، والآن، يُدفع بالشباب السعودي إلى وظائف القطاع الخاص، وغالباً في قطاع التجزئة والخدمات (مثل بيع العطور والتجميل)، وهي وظائف يصنفها التقرير كوظائف متعبة ومجهدة بدنياً لساعات طويلة، إلى جانب أنها منخفضة الأجر ولا توفر الأمان الوظيفي الذي كانت توفره الحكومة، في مقابل الوافدين وهم النخبة الذين يحصلون على رواتب فلكية، الأمر الذي يولد شعوراً بالإحباط والمقارنة لدى الشاب السعودي.
كما تناول تقرير الايكونوميست أزمة السكن في الرياض بوصفها “نموذجاً للفشل في إدارة التوسع”؛ فالعاصمة التي أُريد لها أن تضاهي مراكز المال العالمية، أصبحت بيئة طاردة من حيث التكاليف، حيث قفزة الإيجارات وزادت تكلفة السكن بأكثر من 50% خلال 4 سنوات فقط. في ظل تضاعف أسعار الشقق ليتجاوز المتر المربع 6 آلاف ريال، وهو ما جعل حلم التملك يبتعد حتى عن الطبقة المتوسطة، رغم بلوغ نسبة التملك العامة 67%، إلا أن الديون العقارية طويلة الأمد أصبحت تقيد حركة الأسر.
ولم تغفل الصحيفة الجانب الرمزي لافتتاح أول متجر للكحول في المملكة، لكنها لم تنظر إليه من زاوية دينية، بل من زاوية “اقتصادية طبقية”. فوضع شرط الحصول على راتب يتجاوز 50 ألف ريال كمعيار للدخول (للوافدين والبعثات)، كان بمثابة “صفعة” للواقع المعيشي للسعوديين؛ إذ إن الغالبية العظمى من المواطنين لا يتقاضون حتى خمس هذا المبلغ، ما عزز الشعور بأن الانفتاح والازدهار الجديد مصمم لخدمة “النخبة والوافدين” أكثر من المواطن البسيط.
واختتمت “الإيكونوميست” تقريرها الموسع باستنتاج لافت؛ أن رؤية 2030 حققت نجاحاً “غريباً”؛ فبينما كانت تسعى لتنويع الاقتصاد، انتهت إلى استيراد مشكلات دول مجموعة العشرين (G20) بحذافيرها؛ متمثلة في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وأزمة السكن الخانقة، والضغوط النفسية والمالية المرتبطة بالعمل في قطاع خاص.