نشوة الانتصار السعودي تنكمش بالتزامن مع استعادة الانتقالي والإمارات لحضورهما في جنوب اليمن

تقرير _ المساء برس|

بعد أكثر من شهر على الانسحاب الإماراتي المعلن من المشهد العسكري والسياسي في جنوب اليمن تحت ضغوط سعودية مباشرة، بدت الرياض في حينه وكأنها حققت اختراقاً مهماً في معادلة النفوذ داخل المناطق الجنوبية.

فقد خاضت القوات الموالية لها مواجهة محدودة مع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، انتهت بسيطرتها على حضرموت، قبل أن توسّع حضورها في معظم المناطق الجنوبية لاحقاً.

الإعلام السعودي روّج لتلك التطورات باعتبارها انتصاراً استراتيجياً كاملاً على الإمارات وأدواتها المحلية، واعتبر أن مرحلة جديدة من الهيمنة السعودية على جنوب اليمن قد بدأت فعلاً، غير أن الوقائع التي تتكشف تباعاً خلال الأسابيع اللاحقة تشير إلى صورة مغايرة تماماً؛ إذ سرعان ما عاد النفوذ الإماراتي للظهور بأشكال مختلفة، فيما برزت أمام الرياض تعقيدات متزايدة على الأرض، سياسية وأمنية وشعبية، تؤكد هشاشة ما بدا أنه إنجاز سريع.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان توصيفاً لأحد المعارضين السعوديين حين قال إن “النظام السعودي الحالي يجيد اللعب في البدايات لكنه يفشل في رسم النهايات”، وهو توصيف يجد ما يعززه اليوم في التطورات المتسارعة جنوب اليمن.

حكومة جديدة… وتصعيد مضاد

تزامنت هذه التحولات مع إعلان “المجلس الرئاسي” خلال الأيام الماضية تشكيل حكومة يمنية جديدة في الرياض، بعد تصفية النفوذ الإماراتي داخلها وإقصاء ممثلي المجلس الانتقالي الجنوبي من مواقع مؤثرة، غير أن هذه الخطوة لم تمر من دون رد فعل سريع من أبوظبي وحليفها المحلي.

فقد لجأت الإمارات، بحسب مراقبين، إلى تفعيل إحدى أوراقها الأساسية في الجنوب: “الشارع”، حيث شهدت عدة مدن جنوبية، بينها المكلا وعدن، تظاهرات حاشدة نظمها المجلس الانتقالي الجنوبي، رفعت شعارات معادية للسعودية والحكومة الجديدة، وتخللتها مشاهد تمزيق صور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في رسالة غضب واضحة.

وفي بيان ختامي أعقب تظاهرة المكلا، يوم أمس، أعلن المجلس الانتقالي رفضه الاعتراف بالحكومة الجديدة، واعتبرها “غير شرعية” و”حكومة وصاية مفروضة من الرياض”، داعياً إلى إسقاطها “بكل الطرق”، وفق ما ورد في البيان.

عودة الزبيدي إلى الواجهة

في سياق التصعيد، ظهر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى العلن عبر منشور مقتضب على حسابه الرسمي في منصة “إكس”، في ظل استمراره بالاختفاء عن الأنظار، كونه مطلوب سعودياً.

الزبيدي أشاد بأنصاره، ودعاهم إلى مواصلة “الكفاح والنضال” والالتفاف حول المجلس، وهو ما اعتُبر دفعة معنوية قوية لقواعد الانتقالي التي تستعد، لموجة جديدة من الاحتجاجات والتصعيد خلال الأيام القادمة.

موقف رسمي حاد من الحكومة الجديدة

أما الموقف السياسي الرسمي للمجلس الانتقالي من الحكومة التي شُكلت في الرياض، فقد عبّر عنه بوضوح عمرو البيض، ممثل رئيس المجلس، في بيان مطوّل نشره على منصة “إكس”.

اعتبر البيض أن استبعاد الممثل السياسي لقضية الجنوب(يقصد الانتقالي) من التشكيلة الحكومية يمثل “إعلاناً صريحاً عن إنهاء الشراكة الجنوبية والتنصل من أي التزام سياسي تجاه الجنوب كقضية وهوية”، ورأى أن ذلك يشكل انحرافاً واضحاً عن اتفاق الرياض لعام 2019 الخاص بتقاسم السلطة.

وشدد على أن ضم شخصيات من “الجنوب الجغرافي” لا يمنح الحكومة شرعية جنوبية، مؤكداً أن التمثيل الوطني لا يقاس بالموقع الجغرافي بل بالإرادة الشعبية والانتماء للمشروع السياسي الجنوبي.

وبناءً على ذلك، أعلن المجلس الانتقالي أن الحكومة الجديدة “تفتقر إلى أي شرعية جنوبية”، وأن الجنوب غير ملزم سياسياً بالاعتراف بها، حتى لو تولت إدارة بعض المناطق أو تقديم الخدمات بشكل مؤقت، مع تأكيده أن” المجلس وشعب الجنوب سيحاسبونها في حال تقصيرها في الملفين الأمني والخدمي”.

ورقة الشارع… وتحديات النفوذ السعودي

إن خروج أنصار المجلس الانتقالي إلى شوارع المدن الجنوبية ضد السعودية والحكومة الجديدة يشير بوضوح إلى أن “ورقة الشارع” ما تزال بيد الانتقالي والإمارات.

وهو ما يضع الحكومة الوليدة أمام معضلة حقيقية: فعودتها من الرياض إلى عدن تبدو محفوفة بمخاطر أمنية جسيمة في ظل الغضب الشعبي المتصاعد ضدها، فيما سيؤدي بقاؤها في الخارج إلى تقليص فاعليتها وإضعاف قدرتها على إدارة الملفات اليومية.

وفي كلا الحالتين، يرى مراقبون أن الحكومة تواجه خطر الفشل قبل أن تبدأ فعلياً، خاصة في ظل ضعف شعبيتها في الجنوب والشمال على حد سواء.

هذه التحديات المتراكمة تلقي بظلال ثقيلة على النفوذ السعودي في جنوب اليمن، وعلى الخطط التي تحاول الرياض تنفيذها لتحقيق سيطرة شاملة ومستقرة، فمشاهد تمزيق وحرق صور محمد بن سلمان والأعلام السعودية بشكل شبه يومي في بعض المناطق الجنوبية تعكس مستوى الاحتقان الشعبي، وتؤشر إلى أن المسافة بين الطموحات السعودية والواقع الميداني تتسع يوماً بعد يوم.

قد يعجبك ايضا