الإمارات تعيد ترتيب أوراقها في جنوب اليمن وتختبر حدود النفوذ السعودي

خاص _ المساء برس|

بعد أيام قليلة من بسط القوات الموالية للسعودية سيطرتها على معظم المناطق في المحافظات الجنوبية، عقب انسحاب القوات الإماراتية وعناصر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي، ساد اعتقاد لدى الرياض بأن المشهد الأمني والعسكري بات تحت سيطرة شبه كاملة.

وعلى هذا الأساس، أرسلت السعودية عددًا من ضباطها العسكريين إلى محافظات عدن، حضرموت، شبوة وأبين، في مسعى لإعادة ترتيب الوضع الأمني ودمج التشكيلات المسلحة المختلفة ضمن ما تسمى بـ«اللجنة العسكرية العليا»، في ظل رفض بعض التشكيلات التابعة للانتقالي لهذه الخطوة خصوصا في محافظتي لحج والضالع.

غير أن التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة كشفت أن هذا التقدير السعودي كان سابقًا لأوانه، إذ بدا الواقع أكثر تعقيدًا، فقد نظم المجلس الانتقالي الجنوبي خلال الأيام الماضية تظاهرات وفعاليات احتجاجية في مدينتي المكلا بمحافظة حضرموت، وأرخبيل سقطرى، عبّر المشاركون فيها عن دعمهم لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي، ورفضهم للإجراءات التي اتخذتها السعودية بحق المجلس، وسط اتهامات سعودية مباشرة للإمارات بالوقوف خلف تنظيم ودعم تلك التظاهرات.

وفي مدينة عدن، فشلت السلطات المحلية الموالية للسعودية في احتواء موجة الاحتجاجات، رغم إصدارها بيانًا رسميًا يقضي بمنع التظاهرات والتجمعات في المدينة، في محاولة لإفشال الدعوة التي أطلقها عيدروس الزبيدي، المدعوم إماراتيًا. إلا أن القرار قوبل بتحدٍّ واسع، حيث توافد الآلاف من أنصار المجلس الانتقالي من محافظات جنوبية عدة، من بينها لحج، الضالع وأبين، إلى عدن، متجاوزين الإجراءات الأمنية، ومشاركين في تظاهرة حاشدة عبّروا خلالها عن تأييدهم للزبيدي ورفضهم للإجراءات السعودية.

وكانت قوات «درع الوطن» التابعة للسعودية قد استحدثت حواجز ونقاطًا عسكرية على الطريق الرابط بين عدن ومحافظة الضالع، في محاولة لعرقلة وصول المحتجين إلى المدينة، غير أن هذه القوات اضطرت إلى الانسحاب عقب مواجهات مع أنصار المجلس الانتقالي، الذين قاموا بطرد الجنود ورشق الآليات العسكرية بالحجارة، وفق ما أظهرته مقاطع فيديو جرى تداولها في منصات التواصل الاجتماعي.

وشهدت التظاهرة في عدن مشاهد تصعيدية لافتة، حيث أقدم متظاهرون تابعون للمجلس الانتقالي الجنوبي على حرق ودعس صور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وصور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة عكست حجم الاحتقان الشعبي، والتحول الواضح في المزاج العام لأنصار المجلس تجاه الرياض.

ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن عجز القوات الموالية للسعودية عن فرض واقع أمني جديد، لا سيما في محافظات عدن، لحج والضالع، يكشف عن فقدانها السيطرة الفعلية على هذه المناطق، التي تُعد الحاضنة الشعبية الأبرز للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا.

وعقب انتهاء التظاهرات، أصدر عيدروس الزبيدي بيانًا، رغم استمرار اختفائه منذ أكثر من أسبوع، وسط معلومات تفيد بوجوده في الإمارات بحسب ما أعلنته السعودية.

وقال الزبيدي في بيانه إن «هذه التظاهرات تمثل رسالة سياسية حاسمة، تؤكد تمسك شعب الجنوب بالبيان السياسي والإعلان الدستوري كمسار وطني جامع، يعبر عن تطلعاته المشروعة في استعادة دولته وبناء مستقبل يليق بتضحياته الجسيمة».

وأضاف: «لقد دخل الجنوب اليوم مرحلة جديدة عنوانها الثبات ووحدة الصف، وفرض الإرادة الشعبية على طاولة الإقليم والعالم، ولن نقبل بعد الآن بأي حلول تنتقص من حقنا أو تفرض علينا واقعًا مرفوضًا».

ويرى متابعون أن هذا البيان يؤكد تمسك الزبيدي بمشروع الانفصال، ويشير إلى توجهه لإدارة تحركات احتجاجية ضد السعودية بصورة غير مباشرة، مع ترجيحات بأن يلجأ هو وأنصاره إلى خطوات تصعيدية إضافية خلال الأيام المقبلة، سياسيًا وربما عسكريا.

وفي ظل هذا المشهد، تواجه السعودية تحديات متزايدة في جنوب اليمن، إذ باتت شريحة واسعة من أنصار المجلس الانتقالي تنظر إليها باعتبارها خصمًا رئيسيًا، في المقابل، يواصل الإعلام الممول إماراتيًا نشاطه المكثف لرفع الروح المعنوية لأنصار الانتقالي، وتأطير التحركات الشعبية بوصفها «نضالًا وطنيًا جنوبيًا».

إلى جانب ذلك، يبقى الوضع الأمني مرشحًا لمزيد من التدهور، إذ حذّر عدد من الصحفيين والسياسيين المحسوبين على المجلس الانتقالي من عودة نشاط التنظيمات المسلحة، خصوصًا في محافظتي حضرموت وأبين.

وقد فُسّرت هذه التحذيرات من قبل ناشطين وصحفيين سعوديين على أنها رسائل غير مباشرة تفيد بإمكانية تحريك تلك الجماعات من قبل الإمارات كورقة ضغط، في حال استمرت الرياض في مسار إقصاء النفوذ الإماراتي من جنوب اليمن، ما ينذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار والصراع المفتوح.

قد يعجبك ايضا