“نشوة الانتصار” قد تقود الرياض إلى انتكاسة جديدة في اليمن
خاص _ المساء برس|
خلال الأيام الماضية، سادت حالة من الابتهاج الواضح في أوساط الساسة والإعلاميين المقرّبين من النظام السعودي، على خلفية التحركات التي قادتها الرياض ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، وضد دولة الإمارات الداعمة له.
وقد أفضت هذه التحركات إلى تغييرات متسارعة في المشهد العسكري والسياسي في جنوب اليمن، أبرزها انسحاب الإمارات من الساحة، وتراجع نفوذ المجلس الانتقالي.
فقد شهدت المحافظات الجنوبية، وفي مقدمتها المهرة وحضرموت، انسحابًا سريعًا لقوات المجلس الانتقالي، مقابل تمدد القوات الموالية للسعودية وسيطرتها على معظم المحافظات الجنوبية دون مواجهات تُذكر، باستثناء اشتباكات محدودة في حضرموت انتهت خلال ساعات بانسحاب قوات الانتقالي.
واستثمرت الرياض هذا الانهيار المفاجئ لتفرض واقعًا جديدًا، مكّنها من بسط نفوذها العسكري والسياسي على المحافظات الجنوبية .
وفي سياق متصل، مارست السعودية ضغوطًا مباشرة على قيادات المجلس الانتقالي، أُجبر على إثرها عدد منهم على السفر إلى الرياض، حيث أعلن بعض الأعضاء حلّ المجلس تحت الضغط السعودي، أما رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، فقد اختفى عن المشهد منذ أيام، وسط غموض يلف مصيره ومكان وجوده.
ولم تكتفِ السعودية بهذا القدر، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو تكريس هيمنتها على القرار السيادي اليمني، حيث أعلن رئيس المجلس الرئاسي، رشاد العليمي، الموالي للرياض، عن تشكيل ما سُمّي بـ«اللجنة العسكرية العليا» تحت قيادة السعودية، لتتولى إعداد وتجهيز وقيادة جميع التشكيلات العسكرية، وهذا الإعلان تفويضًا صريحًا للسعودية بالتحكم المطلق بالقرار العسكري والسيادي اليمني.
وفي حين روّج الإعلام السعودي لهذه التطورات على أنها «انتصارات تاريخية» أعادت للرياض هيبتها ومكانتها الإقليمية، يحذّر مراقبون من أن هذه النشوة قد تدفع القيادة السعودية إلى اتخاذ قرارات متسرعة ذات انعكاسات خطيرة. فالسعودية، رغم ما حققته من مكاسب سريعة في الجنوب، لا تزال تواجه تحديات حقيقية ومعقّدة، أبرزها حالة الرفض الشعبي المتصاعدة في المحافظات الجنوبية، حيث خرج أنصار المجلس الانتقالي يوم أمس في عدن وفي عدة مناطق، في احتجاجات رافضة للإجراءات السعودية، في مؤشر واضح على أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة استقرارًا سياسيًا أو قبولًا شعبيًا.
ويرى المراقبون أن الخطورة تكمن في احتمال أن تقود هذه الأجواء المنتشية الرياض إلى خيار التصعيد العسكري مجددًا باتجاه صنعاء، خصوصًا في ظل ما تعتبره السعودية ظرفًا إقليميًا ودوليًا ملائمًا، إذ أن الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب الكيان الإسرائيلي، باتوا ينظرون إلى صنعاء باعتبارها عقدة استراتيجية يجب كسرها عسكريًا، بعد فشلهم خلال العامين الماضيين في تحقيق أهدافهم السياسية والعسكرية، وهو الفشل ذاته الذي منيت به السعودية طوال سنوات السابقة.
وبحسب المراقبين فإن المضي في هذا الاتجاه، سيكون بمثابة «تجريب للمجرّب»، وهو ما أثبت سابقًا فشله الذريع، فصنعاء اليوم ليست كما كانت في بدايات الحرب؛ إذ تعاظمت قدراتها العسكرية بشكل لافت، وراكمت ترسانة متقدمة من الأسلحة النوعية القادرة على إلحاق أضرار بالغة بالعمق السعودي، فضلًا عن توسع قاعدتها الشعبية وتماسك جبهتها الداخلية.
ويخلص المراقبون إلى أن أي مغامرة عسكرية ستكون انتكاسة جديدة قد تكلّف النظام السعودي أثمانًا باهظة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتعيده إلى مربع الاستنزاف، وبين نشوة الانتصار وسوء تقدير العواقب، قد تجد الرياض نفسها أمام خيارات أكثر تعقيدًا مما تتصوره اليوم.