لماذا اختارت السعودية السلفيين للسيطرة على جنوب اليمن؟

تقرير خاص _ المساء برس|

تكشف التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية عن تحوّل لافت في الاستراتيجية السعودية، يتمثل في تمكين التيار السلفي المتشدد عسكريًا وسياسيًا، وجعله أحد أبرز أدواتها الفاعلة على الأرض.

وهذا النهج ليس جديدًا كليًا في سياق الحرب على اليمن، إذ سبق للإمارات أن استخدمت السلفيين ضمن تشكيلات عسكرية وأمنية مختلفة خلال السنوات الماضية، غير أن الفارق الجوهري اليوم يتمثل في أن السعودية باتت تعتمد عليهم بشكل شبه كلي، بعد انسحاب الإمارات وما رافق ذلك من تراجع وانهيار لدور المجلس الانتقالي الجنوبي.

السلفيون في اليمن: من الدعوة إلى العسكرة

تاريخيًا، ظل التيار السلفي في اليمن بعيدًا نسبيًا عن العمل السياسي والعسكري المنظم، فقد اقتصر دوره، خلال العقود الماضية، على نشر الفكر الديني المرتبط بالمدرسة السلفية السعودية، مع تلقي دعم مباشر من الرياض، دون انخراط فعلي في مؤسسات الدولة أو مراكز القرار، غير أن اندلاع الحرب على اليمن في عام 2015 شكّل نقطة تحوّل مفصلية، حيث اضطرت دول التحالف إلى الزج بالسلفيين في المعارك، مستفيدة من خطابهم التعبوي، وطاعتهم التنظيمية، وبعدهم عن الطموحات السياسية المستقلة.

قوات “درع الوطن”: الذراع السعودية الجديدة

يرى مراقبون أن التحرك السعودي الأخير لتثبيت السلفيين عسكريًا في جنوب اليمن يتجلى بوضوح في تأسيس قوات “درع الوطن” عام 2023، وهي قوات تتبع السعودية بشكل مباشر، وتلقّت تدريباتها على أيدي ضباط سعوديين، وقد تحوّلت هذه القوات سريعًا إلى الذراع العسكرية الأهم للسعودية في المحافظات الجنوبية، متجاوزة التشكيلات المحلية الأخرى.

ولا يقتصر هذا التمكين على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد إلى المناصب السياسية والإدارية، كما يظهر في تعيين شخصيات محسوبة على التيار السلفي في مواقع مركزية، من بينها تعيين عبدالرحمن شيخ اليافعي محافظًا لعدن بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وهو ما يعكس توجّهًا واضحًا لإعادة هندسة الواقع في جنوب اليمن بما يتوافق مع الرؤية السعودية الجديدة.

دوافع السعودية: السيطرة، الطائفية، وفشل البدائل

تعود أسباب هذا التوجه السعودي إلى جملة من العوامل المتداخلة، أهمها تعميق الانقسام الطائفي والمذهبي داخل المجتمع اليمني، بما يهدد نسيجه الاجتماعي وتعايشه التاريخي، ويُبقي حالة الصراع مفتوحة وقابلة للإدارة الخارجية.

كما أن الارتباط الأيديولوجي المباشر للسلفيين بالمؤسسة الدينية السعودية، سواء عبر العلماء السابقين أو الحاليين، يجعلهم أكثر قابلية للتوجيه والسيطرة، وأقل ميلاً للاستقلالية السياسية.

بالإضافة، إلى أن فشل السعودية في الرهان على القوى الحزبية التقليدية، كحزب الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام، اضطرها لتغيير أدواتها.

العمالقة نموذجًا للولاء

كمثال واضح على تبعية التشكيلات السلفية المسلحة للسعودية، تبرز قوات “العمالقة” التي كانت تُصنّف سابقًا ضمن النفوذ الإماراتي.

فهذه القوات، بقيادة عبدالرحمن المحرمي (عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي)، أعلنت ولاءها السريع للسعودية خلال الأحداث الأخيرة، وانقلبت على الإمارات وعلى رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، حيث كان المحرمي أول قيادات الانتقالي مغادرةً من عدن إلى الرياض.

وقبل وصول قوات “درع الوطن” إلى عدن، كانت قوات العمالقة هي من أمسكت بزمام الأمور في عدن ولحج، تنفيذًا لتوجيهات مباشرة من المحرمي، وبما يخدم التوجه السعودي الجديد.

التحول الشكلي داخل المؤسسة العسكرية

حتى على المستوى الشكلي والرمزي، يمكن رصد هذا التحول بوضوح، فخلال العقود الماضية، كان ممنوعًا منعًا باتًا على الجنود والضباط في الجيش اليمني إطلاق اللحى، باعتبار ذلك مخالفًا للانضباط العسكري، أما اليوم، فإن معظم القادة والعناصر في الفصائل العسكرية التابعة للسعودية في جنوب اليمن يطلقون لحاهم علنًا، في دلالة رمزية واضحة على تمكين التيار السلفي وإضفاء طابع أيديولوجي على المؤسسة العسكرية.

قد يعجبك ايضا