ماذا تبقّى من شعارات وسرديات الحرب على اليمن بعد مرور عشر سنوات؟
خاص _ المساء برس|
في السادس والعشرين من مارس 2015، أعلنت السعودية بدء حربها على اليمن، وجمعت خلفها تحالفًا إقليميًا واسعًا تحت عناوين وشعارات بدت حينها جذابة لكثيرين، أبرزها “إعادة الشرعية” إلى صنعاء، و”وقف التمدد الإيراني”، و”إعادة اليمن إلى محيطه العربي”، و”دعم استقراره ووحدته”.
وبعد مرور عشر سنوات، تبدو هذه الشعارات اليوم مجرد سرديات مستهلكة، تآكلت بفعل الواقع، وتهاوت أمام نتائج حرب خلّفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وفق تقارير الأمم المتحدة.
ذوبان الشعارات والسرديات
خلال عقد من الزمن، تعرض اليمن لقصف واسع النطاق، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، وانهيار اقتصادي شامل، ومجاعة وأوبئة ونزوح الملايين. وفي مقابل هذه الكلفة الإنسانية الهائلة، كانت الشعارات تبعدأكثر كل عن الواقع.
فمصطلح “التحالف العربي” تلاشى عمليًا بعد انسحاب جميع الدول المشاركة تباعًا، ولم يبقَ في المشهد سوى السعودية، التي باتت تتحمل وحدها عبء الحرب سياسيًا وأخلاقيًا.
أما “الشرعية” التي رُفعت كشعارًا مركزيًا، فقد فقدت مضمونها بفعل الممارسات السياسية، لتتحول في نظر اليمنيين إلى واجهة شكلية تعكس الإرادة السعودية أكثر مما تمثل الإرادة اليمنية.
كما أن الشعارات المتعلقة بـ “دعم اليمن واستقراره ووحدته” فقد اصطدمت بواقع معاكس، حيث شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة القوى الموالية للسعودية حالة من الانهيار الأمني والاقتصادي، وتعدد مراكز النفوذ، وانتشار كلي للفوضى، ما كشف التناقض الصارخ بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية على الأرض.
خروج الإمارات… وبحث سعودي عن سردية جديدة
مع انسحاب الإمارات اليوم من التحالف، بعد ضغط سعودي مباشر، ليس بسبب أن الإمارات باتت تضر بالأمن القومي اليمني، بل بسبب ما اعتبرته الرياض في بياناتها الرسمية بأن تحركات الإمارات باتت تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، نتيجة دعم أبوظبي للمجلس الانتقالي الجنوبي وتمدد نفوذه في محافظتي المهرة وحضرموت.
وفي هذا السياق، تحاول السعودية اليوم إعادة إنتاج سرديات جديدة، مستفيدة من حالة السخط الشعبي الواسع في اليمن تجاه الدور الإماراتي، خاصة بسبب دعمها لمشاريع الانفصال، وتعاملها العلني مع الكيان الإسرائيلي، وتدخلاتها المشابهة في دول عربية أخرى.
غير أن هذه المحاولة تصطدم بحقيقة جوهرية تتمثل بأن الصراع الحالي مع المجلس الانتقالي الجنوبي لا ينطلق من حرص سعودي على وحدة اليمن أو استقراره، بل من رغبة الرياض في إقصاء أي شريك منافس، والانفراد بإدارة المشهد اليمني باعتباره مجالًا حيويًا ونفوذًا خلفيًا، كما كان الحال خلال العقود الماضية عبر ما عُرف بـ”اللجنة الخاصة”.
ومع أن التدخل السعودي ضد قوات المجلس الانتقالي في المهرة وحضرموت يُقدَّم إعلاميًا على أنه خطوة لحماية وحدة اليمن واستقراره، إلا أن الوقائع تشير إلى أنه صراع نفوذ بحت، فالسعودية نفسها كانت شريكًا أساسيًا في تمكين المجلس الانتقالي، من خلال إشراكه في الحكومات الموالية لها، وغضّ الطرف عن سيطرته على محافظات جنوبية، وهذا التحول المفاجئ لا يعكس مراجعة سياسية بقدر ما يعكس عن رغبة الرياض في بقائها اللاعب الإقليمي الوحيد في المشهد اليمني.
عشر سنوات من الفرص الضائعة
على مدى العشر سنوات الماضية، امتلكت الرياض فرصًا عديدة لإثبات حسن نيتها تجاه اليمن، سواء عبر دعم حقيقي للتنمية، أو بناء مؤسسات حقيقية، أو تحسين الأوضاع المعيشية في المناطق الخاضعة لنفوذها، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تمامًا.
فالانهيار الاقتصادي، وغياب الخدمات، وتدهور العملة، وانفلات الأمن، كلها تحولت إلى مرآة تعكس طبيعة المشروع السعودي في اليمن، القائم على إدارة الأزمات لا حلّها.
تكرار الأخطاء من بعض النخب اليمنية
في بدايات الحرب على اليمن عام 2015، انخدع قطاع واسع من اليمنيين، بمن فيهم نخب سياسية وإعلامية، وأصدروا بيانات ترحيب بالحرب، ظنًا منهم أنها ستفضي إلى “إنقاذ اليمن”، وبعد سنوات، تبيّن أن تلك الرهانات كانت خاسرة، وأن المستفيد الوحيد كان قلة من المنتفعين، بينما دفع الشعب اليمني الثمن كاملًا.
اليوم، ومع تصاعد المواجهة بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، يعيد بعض اليمنيين والنخب تكرار الخطأ ذاته، عبر إصدار بيانات تأييد للإجراءات السعودية، غير أن التجربة القريبة تشير إلى أن هذه المواقف لن تلبث أن تصطدم بالواقع نفسه، فالنظام السعودي، كما أثبتت السنوات الماضية، لا يتحرك بدافع حماية اليمن أو مصالحه، بل وفق حسابات تتعلق بمصالحه الاستراتيجية الخاصة.