خيمتنا

الأمجد سلامة – وما يسطرون|

كان يوم الثلاثاء الماضي يوماً مفصلياً في تاريخ منطقتنا. لم تكن المؤشرات التي أرسلها الهجوم الإيراني على كيان الاحتلال محصورة في دائرة هذه الحرب فقط. فمؤشرات ليلة الصواريخ الأخيرة كانت تتعدى مستوى دائرة الرد على الجرائم الصهيونية إلى دائرة حساب المقاييس العسكرية الإستراتيجية في غرب آسيا- في أقل تقدير. ويمكننا مقاربة مفاعيل ما جرى عبر محاولة فهم مقدار تسييل القوة في الهجوم الإيراني. فمثلاً، عندما أطلقت إيران ما يقارب المئتي صاروخ من أنواع مختلفة، كم سيكون مخزونها من هذه الصواريخ؟ وما هي قدرتها على الإطلاق المتزامن لهذه الصواريخ؟ وفي مقابل هذين السؤالين نقيس مقدار الضرر الذي حققته الضربة الإيرانية في الأصول والموارد التي انتخبتها الجمهورية الإسلامية أهدافاً للهجوم.

وهذه الحسبة السريعة هي التي توضح لنا أن ما جرى يوم الثلاثاء الماضي كان فعلاً مفصلياً. فالضرر على مجموعة الأصول المستهدفة – ما بين قواعد سلاح جو وبطاريات الدفاع الجوي من مختلف طبقاته – كان كبيراً، وإن صرّح الكيان وداعموه بعكس ذلك. والضرر الأكبر وقع على تماسك مفهوم الدفاع الجوي في الكيان الصهيوني. فما أظهرته الضربة هو أن المجال الجوي فوق سماء فلسطين المحتلة أصبح مكشوفاً. وفي المقابل، ما سيّلته الجمهورية الإسلامية من قوة لم يتعدَّ جزءاً بسيطاً مما تملكه في ترسانتها الصاروخية.

فما يروّجه الأميركيون منذ أكثر من سنة عن تقديراته هو أن لدى القوات المسلحة الإيرانية ما يزيد على 3000 صاروخ بالستي (من مختلف الأنواع والأجيال) جاهز للإطلاق. وإذا صحّ هذا التقدير، فإن إيران استخدمت 6% فقط من ترسانتها الجاهزة للهجوم في ذلك اليوم. وفي الوقت عينه لا يوجد تقديرات حقيقية عن عدد الصواريخ المخزّنة، والتي يمكن إدخالها إلى الخدمة في مدة زمنية قصيرة جداً. علماً أنه باعتراف الغرب، قدرات تصنيع الصواريخ الإيرانية دخلت مستوى «الإنتاج الضخم» منذ سنوات طويلة.

إذاً، نحن أمام صورة هجوم تمكنت فيه الجمهورية الإسلامية من إلحاق الضرر الكبير بالكيان الصهيوني عبر تسييل جزء بسيط من قوتها. لا بل ما تشي به العملية هو أن في إمكان القوات المسلحة الإيرانية تنفيذ هجمات مشابهة بشكل متكرر بسهولة، ومن دون أن تمس قدراتها أو تستنفدها بطريقة تشكّل عبئاً إستراتيجياً على قدراتها الردعية. وهذه الحسبة السريعة تستند في جوهرها إلى جهود متشابكة لمجموعة كبيرة من الموارد على امتداد عقود من الزمن. وهنا نتحدث عن تعبئة وتسخير موارد بشرية ومادية لتشكيل بنى تحتية علمية وصناعية تمكنت من تحويل القدرة الصاروخية الإيرانية من بضعة صواريخ سكود-بي من كوريا الشمالية إلى صناعة عسكرية على مستوى «الإنتاج الضخم» من الأكثر تطوراً في العالم.

وهذا أحد وجوه التحشيد أو التعبئة الشاملة. الحقيقة هي أن ما يميز الجمهورية الإسلامية في إيران عن باقي كيانات ودول المنطقة هو وجود القدرة على التعبئة الشاملة في كل المجالات. فما ذُكر سابقاً عن التعبئة الشاملة في مجال الصناعات الصاروخية هو مثال عن هذه القدرة. فمثلاً، خلال عهد رئاسة الشهيد السيد رئيسي، تمكنت الجمهورية الإسلامية من انتشال ستة ملايين إيراني من الفقر، رغم تشديد الغرب للعقوبات والحصار في المدة عينها. وهذا الرقم، الذي نشره الاقتصادي جواد صالحي أصفهاني، يشمل الأرقام حتى عام 2023 فقط.

ولكن عهد الرئيس الشهيد رئيسي كان مدة استثنائية، حيث كانت كل أدوات الدولة مصطفّة في رؤية ثورية واحدة- رؤية خمينية إن صح التعبير. وبينما لا يمكنني ادعاء أنني خبير في الشأن الإيراني، يمكنني أن أقدّر أن سنوات حكمه كانت أقوى سنوات الثورة بمفهومها الخمينيّ، أو ما يصطلح عليه الغرب عادة بالراديكالية. ولم يكن الأمر مرتبطاً بشخص الرئيس الشهيد فقط. فهو بوجوده في سدة الرئاسة كان جزءاً أساسياً ومكمّلاً لجهود عمرها عقود لإعادة ترتيب الاقتصاد السياسي (ومن خلفه المجتمع) في إيران بما يتناسب مع الخط الخمينيّ، ضمن رؤية ينظّر لها ويحرسها منذ عام 1989 الإمام السيد علي الخامنئي.

وهذه الجهود لا زالت تواجهها وتعارضها إلى اليوم الكثير من مراكز القوى التقليدية داخل المجتمع الإيراني، والتي تدفع، في المقابل، باتجاه التصالح مع الغرب بغض النظر عن التبعات. ولكن يمكن الادعاء أن ما حقّقته العقوبات في السنوات الأخيرة، معطوفاً على إنجازات إدارة الشهيد رئيسي أحدثت من التغييرات ما لا يمكن عكسه في القريب العاجل.

هذا التناغم الثوري بين مختلف أجهزة الدولة الإيرانية في السنوات الأخيرة كان يصب باتجاه تحقيق مجموعة رؤى ينادي بها المرشد منذ بداية عهده الرئاسي في عام 1981. ومنذ انتخابه ولياً فقيهاً ومرشداً للثورة، يشدّد السيد الخامنئي على دفع النمو الاقتصادي صعوداً عبر تعزيز الإنتاج المحلي. وما فتئ يعبّر عن فكرة الارتباط المباشر للحرية السياسية (أي التحرر من الهيمنة الأجنبية) بالتنمية الاقتصادية المتمحورة حول الإنتاج. وفي بداية قيادته للثورة اصطدمت رؤيته مع رؤية الرئيس الرفسنجاني لإعادة إعمار إيران بعد الحرب العراقية-الإيرانية. فكان الرفسنجاني يرى أن إعادة الإعمار تمر عبر الاستعانة بالموارد المادية (أي رأس المال) القادمة من خارج الحدود.

وكان يرى ضرورة لخصخصة ما أمّمته الثورة في سنواتها الأولى، كطريق لدفع النمو قدماً. وحاول الرفسنجاني ترجمة رؤاه هذه إلى سياسات حقيقية تنقل الأموال والمؤسسات العامة إلى أيدي كبار الرأسماليين في البلاد، من كبار تجار بازار طهران. وهذه الجهود كانت اتساقاً مع رغبة مراكز قوى اجتماعية إيرانية ترى في الاندماج مع الغرب – عبر تطبيق المسارات النيوليبرالية الرائجة في حينه – مآلاً حقيقياً لإيران.

ولكن ما حصل هو أن الإمام الخامنئي منع هذا المسار من التحقق، عبر تحريك مجموعة من المؤسسات شبه الحكومية لفرض نمط خصخصة معاكس. فاشترت هذه المؤسسات غالبية أسهم الشركات التي تمت خصخصتها ما بين عامي 1989-1994. وفي السنوات التالية وقف المرشد، عبر مجموعة من الأدوات الحكومية وشبه الحكومية، سدّاً في وجه السياسات التي تسمح بتدفق رأس المال الغربي على الأسواق الإيرانية بحرية تامة، إلى أن أتت مرحلة العقوبات الكبرى عام 2009. ويمكن القول إن رؤية الإمام الخامنئي هي مشروع اجتماعي حقيقي، تتمّ التعبئة – بقدر ما تسمح الظروف السياسية – في سبيل تحقيقه بشكل تراكمي. وهذه التعبئة لا تهتم بطائفة المرء أو دينه أو قناعته. فقد شرحها المرشد بكل سلاسة خلال خطبته الأخيرة: هدف الغرب من دعم هذا الكيان الحفاظ عليه وتحويله إلى بوابة لتصدير الطاقة من المنطقة، وفي المقابل تبقى شعوبها مستهلكة للمنتجات الغربية وبالأخص تبقى مستهلكة لتقانتها.

خاتمة
وإيران هذه، بمرشدها الحارس لخمينيتها، تمد أيديها لتقديم المساعدة في كل مكان في العالم يستنجدها مستضعف. فنجدها في فنزويلا وكوبا، كما نجدها في أفغانستان. ونحن أهل غرب آسيا عرفناها مُعينة حين يحل كل احتلال، من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن وسوريا. الجمهورية الإسلامية هي خيمتنا، هي التي تعير قوى المقاومة من قدرات تعبئتها الشاملة، وعلّمت الكثير منها كيف تعبّئ طاقاتها الخاصة. بعضنا توجه إليها خيمة أولى، كما فعلت المقاومة الإسلامية في لبنان. وبعضنا توجه إليها خيمة أخيرة بعد خذلان الكل له.

ولكنها خيمتنا! وفي الحقيقة مهما بلغ غنى وقوة دول أخرى في المنطقة، ومهما بلغ تعاطفها مع قضايانا، فهي لن تلعب هذا الدور الذي تلعبه الجمهورية الإسلامية. ليس هناك دولة واحدة في المنطقة قادرة على تسخير قدراتها على التعبئة الشاملة فيها – والتي يمكن أن نترجمها على شكل دعم مالي أو مادي عسكري أو اجتماعي سياسي – لخدمة المقاومة كفعل حقيقي وملموس. هذه دول مندمجة بشكل بنيوي في عالم الإمبراطورية الأميركية، وقدراتها محدودة بقدر سماح الولايات المتحدة لها بتسخيرها.

فمهما كانت قدرات بعض دول الإقليم على التصنيع العسكري، هي لن تفتح مصانعها لقوى المقاومة ولن تصدّر لها خطوط إنتاج أو تقانة أو علم في سبيل تصنيع رصاصة. ومهما بلغ غنى بعض الدول النفطية فهي لن ترسل ما يهدف إلى تمويل البرامج العسكرية المختلفة للمقاومة. ومهما بلغ الثقل السياسي والاجتماعي لبعض دول المنطقة، فهي لن تعبّر عن أن المقاومة حق طبيعي وأن دعمها واجب أخلاقي، ولن تطلق الحملات الديبلوماسية في سبيل تعزيز هذه الأفكار.

من تبعات عملية «طوفان الأقصى» أنها أوصلتنا إلى نقطة مفصلية في تاريخ هذا الصراع، ففي المنطقة اليوم مشروعان لا ثالث لهما. المشروع الأول هو مشروع الإمبراطورية وأتباعها، حيث تنحني لها فيه شعوب المنطقة وتقبل الأدوار التي تُوزّع عليها وعلى بلدانها، وحيث مواردها تذهب نهباً للغرب وأجيالها القادمة تنشأ من دون أفق تطور ونمو حقيقي. والمشروع الثاني يرى أن الموارد من حق شعوب المنطقة، وأن العلاقة مع الغرب يجب ألّا تكون قائمة على نقل فائض ثرواتنا وإنتاجنا إلى خزائن الإمبراطورية، ويرى أن مستقبل أبنائنا يجب ألا يكون محكوماً بالأدوار التي ترتضيها لنا الإمبراطورية. وهذا المشروع خيمته هو الجمهورية الإسلامية في إيران، وهي لا تهتم إن اعتبرتها خياراً أول أو إن تلبّست خطابها الأيديولوجي. ما يهمها هو أن تكون مستضعفاً يبتغي الخروج من تحت نير الاستضعاف، وترى معها أنّ الطريق لتحقيق مصالحك ومصالح شعبك تمرّ حتماً من بوابة تحرير فلسطين.

قد يعجبك ايضا