عندما تفقد أمريكا روحها الأخلاقية: كيف سيتأثر بناؤها الاجتماعي؟

وما يسطرون – محمد بن عامر – المساء برس|

عالم الاجتماع الفرنسي الشهير إميل دوركايم يعتبر النظام الأخلاقي حقيقة اجتماعية تميز المجتمعات البشرية. أي أن المجتمع عنده هو في الأساس مجموعة من القواعد والمعايير الأخلاقية. وعلى هذا النحو، إذا اختفى المجتمع، فإن القيم الأخلاقية ستختفي بالضرورة أيضًا. وبالمقابل، إذا اختفت القيم الأخلاقية، فسوف يتفكك المجتمع ويفقد هويته وتماسكه.

يقول دوركايم أنه لا يمكن النظر إلى البشر على أنهم أخلاقيون فقط من خلال تبنيهم بعض القيم الأخلاقية، بل من خلال اندماجهم وتكاملهم مع مجتمعهم. فالمجتمع هو الذي يضع الإطار الأخلاقي الذي يحكم سلوك الأفراد ويعطي معنى لهويتهم الاجتماعية، ومن ثم فإن الأخلاق عند دوركايم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بطبيعة الإنسان كعضو في المجتمع.

إن الأخلاق لا تتطور في عزلة، بل يتم بناؤها اجتماعيًا. فمن خلال العيش معًا والاعتماد على بعضهم البعض، يقوم أعضاء المجموعة ببناء مجموعات مشتركة من المعتقدات حول ما يعتبر صوابًا وخطأ، مقبولًا أو غير مقبول. وهذه تشكل الإطار الأخلاقي الذي يحدد المجتمع. وهذا الإطار لا غنى عنه للحفاظ على التماسك الاجتماعي والنظام الاجتماعي، فإذا انهارت الأخلاقيات المشتركة، ستضعف الروابط بين الناس ويتفكك المجتمع.

وفقًا للنظرية الأخلاقية، يُمكن الاستدلال بأن المجتمع الأمريكي قد يتلاشى في المستقبل القريب أو البعيد نتيجة لخطأين فادحين ارتكبتها السلطات الأمريكية مؤخرًا بحق النظام الأخلاقي الأمريكي. الخطأ الأول كان في إعلان الولايات الأمريكية المتحدة “أمة مثلية”، والخطأ الآخر يتعلق في دعم الكيان الصهيوني النازي الذي يقوم بحرب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ 118 يومًا.

بالرغم من أن الحكومات المتعاقبة على إدارة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية ارتكبت أخطاءً فادحة ضد البشرية، إلا أن ما يُزيد الخطورة على البناء الاجتماعي في أمريكا المتعددة الثقافات والأعراق هو انحراف النظام الأخلاقي الذي يُعزى إلى حالة اللامعيارية، واختلال السلوك وفقدان التكافل الاجتماعي واضطراب القيم الناظمة للحياة.

ويُظهر ذلك في الاتجاه الأمريكي الرسمي المعادي للدين الإسلامي وحتى البشرية بشكل عام من خلال الدعم “الشاذ” لإفساد الطبيعة الإنسانية، والدعم “الفاشي” لسفك الدماء البريئة التي حرم الله إراقتها في تقديم الغطاء المختلف لآلة القتل الصهيوني في فلسطين المحتلة، وهي مما لا شك فيه أمورًا تُصيب المنظومة المعيارية – التي تعتمد عادة على مقاييس تقييمية تعمل على إصدار الأحكام على الفعل الاجتماعي –  في مقتل!.

وبناء على ذلك، وفي حالة انهيار الروابط الاجتماعية ووجود المجتمع نفسه، فلن يكون هناك إجماع على الأخلاق وستنشأ الفوضى عندما يتصرف الناس وفقًا لأهوائهم دون النظر إلى المعايير الاجتماعية. وهذا بدوره يؤدي إلى حالة الأنومي، وهي حالة يفقد فيها الأفراد الشعور بالانتماء المجتمعي، وتشير إلى غياب توجيه السلوك مما يعني حدوث اضطرابات في تصور الواقع والممكن والمستحيل. وفي هذا السياق، انهيار المجتمع يعني أن الأفراد يفقدون مرجعيتهم الأخلاقية ويتبعون نزواتهم، وإذا وصل أي مجتمع إلى هذه الحالة، فأنه يكون على وشك الانهيار وفق مفهوم الأخلاق في علم الاجتماع ودراسته للعلاقة بين المنظومة الأخلاقية والمجتمع.

 

قد يعجبك ايضا