حرب اليمن تدخل عامها الرابع .. أوهام الحسم وجرائم الحرب

المساء برس : عبد الباري طاهر

الجملة الأولى من تقرير فريق الخبراء الدوليين المقدم لمجلس الأمن تُفجع، حيث تقول إنه “بعد قرابة ثلاث سنوات من النزاع يكاد اليمن – كدولة – أن يكون قد ولى عن الوجود. فبدلاً من دولة واحدة، هناك دويلات متحاربة، وليس لدى أي من هذه الكيانات من الدعم السياسي أو القوة العسكرية ما يمكنها من إعادة توحيد البلد، أو تحقيق نصر في ميدان القتال”.

تختزن هذه الجملة الحقيقية والمركزة حقائق واقع حرب الثلاثة أعوام التي أنهت الكيان اليمني والسلطة التي كانت، واستبدلتها بمليشيات متقاتلة في غير منطقة، وهي- أي المليشيات القبائلية والجهوية والطائفية والمناطقية – كالقنبلة الانشطارية تؤول إلى مزيد من الانشطار، والمزيد من التفكيك، وتمزيق النسيج المجتمعي الجائع والمتحارب.

أوهام الحسم

مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، قوَّى مجدداً أوهام الحسم العسكري. فقد اعتقد “أنصار الله” أن الانفراد بالقرار، والاستيلاء على تركة القتيل سوف يمكنهم من حسم المعركة، وتحقيق الحسم العسكري. بينما اعتقدت دول “التحالف” أن مقتل صالح سوف يدفع بجيشه وأمنه والقبائل الموالية له للانضمام للشرعية والتحالف، وتسريع القضاء على أنصار الله. ولم تمض إلا بضعةُ أشهر حتى تبين استحالة الحسم العسكري، وأكد حقيقةَ أن الحروب اليمنية لا تحسم بالحرب، وإذا ما حسمت بالحرب، فهي جولة من جولات الصراع سوف تتكرر وتتكرر .

عبر تاريخ طويل ودامٍ من الحروب لم تشهد اليمن حرباً تشمل كل جهاته ومناطقه المختلفة كما هو الحال اليوم. فمأرب – المركز الأول – تحاصرها الحروب، وهي نفسها وسط حرب: الجوف من الشمال، وشبوة من الجنوب، ونشاط القاعدة والدولة الإسلامية في شبوة وحضرموت، و«أنصار الله» من الغرب في صرواح ونهم.

مواجهات جنوبية

الجنوب جولات مواجهات بين «الحزام الأمني» و«الشرعية»، ويتزايد نشاط «القاعدة» الإرهابي في غير منطقة، وخلافات الأحزمة الأمنية والنخب المدعومة من الإمارات حاضرة.

تهامة مضغوطة من حرض وميدي من الشمال، وبعد سقوط المخا في الجنوب يدور القتال في حيس والجراحي القريبتين من مدينة زبيد، أهم المدن اليمنية في تهامة، وأحد مدن التراث الإنساني العالمي. وهناك مخاوف من تعرضها- ككنز تراث إنساني- للحرب والتدمير.

لم تسلم حضرموت من نشاط القاعدة المحموم؛ لتكون ذريعة للاحتراب في بلد هجر الحروب والفتن الداخلية منذ إقرار الصلح والسلم في مؤتمر عام في ثلاثينيات القرن الماضي.

جرائم حرب

تقرير مفوضية الأمم المتحدة يشير أن القتلى من المدنيين بلغ 5144، وهناك أكثر من 8749 من المدنيين قد أصيبوا منذ بدء الحرب. نعرف أن المنظمات الدولية لا توثق إلا ما تأكد لديها، ولكن الحالة العامة في اليمن، وحالة الحرب الشاملة، وغياب نشاط مؤسسات المجتمع المدني، أو بالأحرى ضعف أدائها بسبب الحظر والحصار والخوف – يجعلنا نعتقد بأن هناك المئات والآلاف من حالات القتلى والمصابين لم توثق، ولم يطلع عليها أحد من المتابعين، وكذلكم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية.

هناك جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات تطال اليمن كلها: الحصار الداخلي والخارجي، إغلاق المرافئ والمنافذ، وإغلاق مطار صنعاء، وما ينجم عنه من مآسي حرمان المرضى من العلاج بعد تدمير المستشفيات، ومنع وصول الأدوية، وحرمان الطلاب من الدراسة بعد تدمير المدارس، أو تحويلها إلى ثكنات ومقار للمليشيات، وملاجئ للنازحين، وحظر التجارة والسياحة، ومنع تواصل اليمن مع العالم.

الحصار والأزمة الإنسانية

ميناء الحديدة، المنفذ الرئيسي لوصول البضائع والسلع والمواد الغذائية والدواء، يُعطل نشاطه، وتضرب فيه الرافعات. وإذا كان الميناء هو الشريان الحي لوصول البضائع والمعونات، فإن عملاً كهذا يرقى إلى جريمة حرب.

يحُرم 23 مليون ونصف – كما في تقارير دولية – من حق الحصول على المواد الغذائية والأدوية في بلد يحتاج أكثر من 80% منه إلى المساعدة الغذائية، وتجتاحه الأوبئة الفتاكة.

يعيش سكان تهامة البالغ عددهم، بحسب إحصاءات 2004م مليونين و157 ألفاً و552 شخصاً، على البحر والوادي. البحر يعطل تماماً، ويمثل الاصطياد مخاطر جمة بسبب الحصار القائم، وقصف الطيران الذي لا يُخطئ قوارب الاصطياد، وقد تعرضت هذه القوارب للقصف أكثر من مرة. أما الوادي، فبسبب غياب الأمطار، وانعدام أو الغلاء الفاحش لمادة الديزل، فإنه يواجه خطر الجفاف. فالمزارع في تهامة قد انقرضت، وتصحر الوادي لا يمثل مجاعة لقرابة ثلاثة ملايين من سكان تهامة فحسب، وإنما يعني مجاعة عشرات الملايين من سكان اليمن الذين يعيشون أسوأ كارثة عرفتها البشرية.

ويشير تقرير مفوضية الأمم المتحدة أنه منذ بدء الحرب وحتى 5 سبتمبر 2017 يمثل الأطفال ربع عدد القتلى، وأن من قتلوا من اليمنيين من قبل قوات «التحالف» 3177. وصف التقرير الحالة في اليمن كلها بكارثة من صنع الإنسان، كما ذكر التقرير أن الحرب تقتل أكثر من 110 كل أسبوع، وهناك قتلى المجاعة والأوبئة الفتاكة، ومعظم القتلى في صفوف المدنيين مصدره القصف الجوي الذي يقوم به الطيران السعودي اللاعب الأقوى في تدمير البنية التحتية والقتل.

المعالجات الإنسانية، والاهتمام بالإغاثة والمساعدات الإنسانية مهم. ولكن الضغط لرفع الحصار، وإيصال المساعدات الإنسانية لمختلف المناطق المحاصرة، وبالأخص مدينة المدن اليمنية تعز المحاصرة منذ أكثر من عامين- هو الأهم.

فك الحصار الداخلي والخارجي عن اليمن كلها، وتشكيل لجنة دولية محايدة حرة ونزيهة للتحقيق في كل جرائم الحرب الداخلية والخارجية، والضغط الدولي القوي والفعال على كل الأطراف الوارطة في هذه الجرائم لوقف الحرب، والاستجابة لنداء السلام، والعودة للحوار، والالتزام قولاً وفعلاً بما يتم التوافق عليه: مخرجات الحوار، والقرارات الأممية، وبما يتوافق عليه أطراف وفرقاء الحياة السياسية، وقوى المجتمع المدني والأهلي، هي السبيل الآمن والطريق الوحيد للوصول إلى الحل.

المصدر: العربي

قد يعجبك ايضا